مقالات

النقابات والاتحادات حاضرة إلى حين: هل ولى زمن الأحزاب السياسية؟

زياد غصن

هذه واحدة من النقاط الخلافية على الساحتين السياسية والفكرية. هل فعلاً انتهى عصر الأحزاب السياسية ذات الصبغة الأيديولوجية؟ وهل البديل هو الاتحادات والنقابات العمالية والمهنية؟ أم أن جماعات الضغط في العالم الافتراضي والمالي باتت هي المسيطرة على الرأي العام وتوجهاته؟ وما المتغيرات العميقة التي دفعت إلى مثل هذا الاعتقاد؟

حتى وقت قريب، كانت الأحزاب السياسية التقليدية والعريقة في العديد من الدول قادرة على حشد مناصريها في الساحات والشوارع، وأمام مراكز الانتخاب، معتمدة في ذلك على إرثها السياسي الطويل، وبرامجها ومطالبها السياسية والاقتصادية الاجتماعية، والأهم على المزاج العام الشعبي والمدّ الأيديولوجي والقومي في مناطق كثيرة من العالم لكن، تدريجياً، أخذ تأثير الأحزاب السياسية ونفوذها الشعبي يتقلصان، مقابل تعاظم دور المنظمات والنقابات والاتحادات العمالية والمهنية. وفي عالمنا العربي، يبدو هذا واضحاً، لا سيما بعد أحداث ما سمّي بـ”الربيع العربي”، فالحضور الحزبي السياسي يكاد يكون مقتصراً إما على الإعلام، وإما على بعض التجمعات الشعبية الصغيرة. وهذا ليس موضع خلاف عميق بين السياسيين والمثقفين، لأن الوقائع على الأرض تدعم ذلك. إنما الخلاف يدور حول مدى قدرة الأحزاب السياسية على الاستمرار، أو استعادة تأثيرها في الرأي العام وتغيير المزاج الشعبي.

لنبدأ بالأسباب التي أضعفت من تأثير الأحزاب السياسية، ومن ثم ننتقل إلى العوامل التي جعلت من النقابات والاتحادات تبدو في موقع البديل، ولو مؤقتاً، في ظل التغلغل الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي في ثنايا المجتمعات وتشكيلها للرأي العام.

في دوامة المتغيرات

ما وصلت إليه الأحزاب السياسية، خاصة في منطقتنا العربية، من ضعف وفقدان للحالة الشعبية، لم يكن نتيجة لحدوث تطورات مفاجئة تتعلق مثلاً بفقدان حزب للحكم، أو حدوث انقلاب عسكري ألغى العمل السياسي، أو وقوع تدخل خارجي مباشر عسكري أو سياسي، وإنما كان بفعل مجموعة متغيرات، يمكننا تصنيفها وفقاً لما يلي:

أولاً-عوامل داخلية: الأحزاب السياسية في العالم بمعظمها، إذا لم نقل جميعها، تعاني من مشكلات داخلية متعددة، أدى تراكمها مع مرور الزمن إلى تهديدها لكيانات هذه الأحزاب وجماهيريتها واستمراريتها. ومن بين هذه المشكلات ما يلي:

-الخلافات الأيديولوجية والتنظيمية والإدارية، وما نجم، وينجم عنها، من انشقاقات داخل الحزب الواحد، وتفكك في بناه التنظيمية وقواعده الشعبية. والمنطقة العربية بتاريخها وحاضرها واحدة من أكثر البقع الجغرافية العالمية التي تحتوي مثل هذه المشكلات. وهو الأمر الذي أدى إلى نشوء أحزاب جديدة من رحم أحزاب قديمة، وتالياً تشتت القواعد الشعبية وتبعثرها بين الحزب الأم، والأحزاب الأخرى المتولدة عنه.

-مفسدة السلطة التي وقع فيها كثير من الأحزاب السياسية، وأدت إلى انحرافات عميقة على مستوى أهداف الحزب، وتجربته، وتطبيق شعاراته، وبرامجه، وسلوكيات أعضائه. والنتيجة خسارة جزء من قواعده الشعبية، سواء حافظ على استمراره في السلطة أو غادرها.

-عجز جزء كبير من هذه الأحزاب عن تطوير خطابها السياسي ومقاربة المتغيرات السياسية والأيديولوجية التي حدثت على المستوى العالمي منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وما قبل، لا بل إنها فشلت في مواكبة المتغيرات المحلية والاستجابة إلى حركة الواقع الداخلي سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، وحتى ثقافياً.

-عدم امتلاكها لمشروعات تتناسب والأولويات الوطنية التي أفرزتها التطورات المختلفة. فالأحزاب بمعظمها “تعتاش” على إرث مؤسسيها وكبار مفكريها وإنجازاتها السابقة.

-الفساد، المحسوبيات، الشللية، وغيرها من الانحرافات السلوكية العامة، وهي سمات غزت جميع الأحزاب السياسية على المستوى الإقليمي والدولي، وتجسدت ملامحها في الفساد الإداري، المالي، الأخلاقي، والتي وصلت إلى حد الفضائح، فضلاً عن الانتهاكات العلنية للأنظمة الداخلية، تشكل تيارات داخلية تعمل على استقطاب الكوادر لمحاربة بعضها البعض، وظهور التكتلات الانتخابية القائمة على الأساس المناطقي والاجتماعي.

ثانياً-عوامل شعبية: فالمزاج الشعبي الذي كان سائداً قبل عقدين أو أكثر من الزمن، لم يعد هو نفسه السائد اليوم، وربما تكون حالة المد القومي التي عاشتها المنطقة العربية شعبياً وحزبياً في خمسينيات وستينيات القرن الماضي واحدة من الأمثلة الكثيرة المعبرة عن هذا التغيير، فيما معطيات اليوم تبدو مختلفة كثيراً على هذا الصعيد، ليس لأن الشارع العربي لم يعد يتحسس القضايا العربية ويناصرها، وإنما لفقدانه الأمل بقدرة كل الهياكل السياسية العربية على التعبير عن طموحاته وآماله القومية، وأسباب هذا التحول في المزاج الشعبي يمكن أن تدرج في النقاط التالية:

-انشغال الشارع الشعبي بالقضايا الاقتصادية والمعيشية ومشاكلها وضغوطها، وتحديداً في الدول النامية، وهذا ما جعل الشريحة الشعبية الأوسع تبتعد عن الاهتمام بقضايا الشأن العام ومتغيراته السياسية المحلية والخارجية.

-التأثيرات العميقة والواسعة التي أحدثتها العولمة في حياة الشعوب وثقافاتها واهتماماتها، وتسببها في تشكل قناعات ورؤى مختلفة ومتباينة عن تلك السائدة في سنوات سابقة، ونشأة أجيال باهتمامات، وقيم، ومبادئ جديدة بعيدة عن التحزب السياسي والعقائدي.

-ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات وما أحدثته من تحولات نوعية على مستوى حياة الشعوب ومعتقداتها وأفكارها ومبادئها، والأهم هنا هو فشل الأحزاب السياسية في استثمار هذه الثورة في مخاطبة منتسبيها ومؤيديها ونشر أفكارها والترويج لبرامجها وسياساتها.

-وسائل التواصل الاجتماعي التي تحولت خلال سنوات قليلة جداً إلى محرك ومؤثر في توجهات الرأي العام واهتماماته، وقيادتها لحراك شعبي واسع في دول عديدة، سواء كان بفعل تدخل خارجي استثمر إمكانيات هذه الوسائل لتحقيق أهداف ما، أو بفعل عوامل داخلية وجدت في وسائل التواصل الجديدة متنفساً قاد لاحقاً إلى تحركات على الأرض.

لهذه الأسباب وغيرها

لكن، لماذا الضرر في كل ذلك وقع على الأحزاب السياسية، ولم يصب بالدرجة نفسها النقابات والاتحادات العمالية والمهنية؟

على الرغم من أن النقابات والاتحادات ليست أقل فساداً في بعض الحالات والأماكن، وليست أقل تخلفاً في مواكبة تقنيات الاتصال والإعلام، لكنها حافظت على أربعة ثوابت أساسية في استمرارية شعبيتها، التي تقلصت من دون شك مقارنة بالسابق، إنما ليس بالنسبة التي حدثت مع الأحزاب السياسية، وهذه الثوابت هي:

أولاً-المعارضة المستمرة لهذه النقابات والاتحادات للسياسات الحكومية، والتي هي دوماً موضع انتقادات شعبية وعدم رضا جماهيري، وهو ما أعطى مثل هذه المؤسسات المجتمعية والأهلية أفضلية شعبية، أتاحت لها تحريك الشارع تحت عناوين مطلبية، والضغط تالياً على الحكومات.

ثانياً-تركيز هذه الجهات على الشأن المعيشي والاجتماعي للشرائح الشعبية ومنتسبيها، وبالرغم من أنها في بعض الأحيان لا تخرج عن إطار الشعارات واللعبة الإعلامية، لكنها تعرف كيف تعزف على وتر الموضوعات والقضايا التي تدخل في صميم اهتمامات الناس في كل مرحلة، خاصة وأنها تتماهى تماماً مع مطالبهم وانتقاداتهم ومواقفهم من الأحوال المعيشية والاقتصادية والفساد وغير ذلك.

ثالثاً-عجز أنظمة سياسية وحكومات في دول عدة عن إخضاع هذه النقابات والاتحادات لسلطتها وتوجهاتها وسلخها عن مجتمعها، ويمكن ملاحظة ذلك في التظاهرات والاعتصامات والتجمعات التي بقيت حاضرة في دول نامية كثيرة تحكم بقبضة قوية. وحتى في الدول التي تمكنت من إخضاع النقابات والاتحادات والتدخل في انتخاباتها، فإن الهامش المعطى في التعبير عن مشكلات الناس وهواجسهم بقي أفضل وأكثر تأثيراً في بعض المواضع والحالات.

رابعاً-محافظتها على تقاليد انتخابية بقيت تفرز شخصيات قريبة من الهموم العامة ومقبولة لدى شريحة شعبية. وهذا مع وجود تدخل انتخابي، سواء من قبل الحكومات والأحزاب في دول معينة أو من قبل المال الانتخابي في دول أخرى. قد لا ينطبق هذا على جميع الاتحادات والنقابات، لكنها في أماكن كثيرة كانت كذلك.

الدور قادم عليها

ثمة من يعتقد بأنه إذا كانت حال الأحزاب السياسية قد سمحت للنقابات والاتحادات أن تستحوذ على نصيب أكبر من الاهتمام الشعبي، إلا أنها هي الأخرى ستكون مهددة بالمصير نفسه الذي وصلت إليه الأحزاب السياسية، وللأسباب نفسها. فهناك قوى مجتمعية أخرى تتشكل بفعل سطوة وسائل التواصل الاجتماعي وقدرتها على النفاذ إلى كل بيت ومنزل، وحالة التفاعلية التي أوجدتها، وأتاحت للأشخاص على اختلاف مستوياتهم الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التعبير عن آرائهم، ومطالبهم، وطموحاتهم من دون توكيل أحد، أو حضور اجتماع، أو اختيار مرشح. وهذا يجعل من مهمة الأحزاب السياسية والنقابات والاتحادات في المستقبل القريب تبدو صعبة، إلا إذا تمكنت فعلاً من مجاراة هموم الناس ومشكلاتهم، وتحقيق نتائج مرضية على الصعيد الشعبي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى