مقالات

عودة نتنياهو إلى واجهة كيان الاحتلال وأثر ذلك في الجبهة السوريّة

جو غانم

بعد نحو سنة ونصف من مغادرته مكتب رئاسة الحكومة في كيان الاحتلال الإسرائيليّ، ملاحقاً بتهم عديدة كان متوقعاً أن تُنهي حياته السياسية إلى الأبد، أبرزها الفساد والرشوة واستغلال الثقة، يعود بنيامين نتنياهو، صاحب أطول فترة حكم بين رؤساء الوزراء في تاريخ الكيان الغاصب، ليفوز بانتخابات الكنيست الإسرائيلي الأخيرة بـ 65 مقعداً من أصل 120، مع تحالف من الأحزاب والقوى الصهيونية المتشددة، الأمر الذي سيُمكّنه من تشكيل حكومة يمينية صرف، بحسب الواقع السياسي والتقديرات التي تحكم الحياة السياسية في كيان العدو، وذلك بعد أنْ أعلنت لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية حصول حزب “الليكود” الذي يتزعمه نتنياهو على 32 مقعداً، وحصول حلفائه في حركة “شاس” اليمينية التي يتزعمها أريه درعي على 11 مقعداً، وحزب “يهود التوراة” (يهدوت هتوراة) الذي يقوده موشيه غافني على 8 مقاعد، بينما حصل حلفاء نتنياهو في تحالف “الصهيونيّة الدينية” بزعامة بتسلئيل سموتريتس وإيتمار بن غفير، على 14 مقعداً.

يرتبط ذكر بنيامين نتنياهو في مخيلة الشعب الفلسطينيّ خصوصاً والعربي عموماً، بالحروب والاعتداءات والمجازر وإقامة المستوطنات فوق الأراضي العربية المحتلة، وهو لا يختلف في هذا مع أيّ رئيس وزراء إسرائيليّ آخر، سوى بطول مدة حكمه التي مكّنته من تحقيق أكبر قدر من تلك الجرائم التي تجعل من أي قائد إسرائيليّ، زعيماً تاريخيّاً بين الصهاينة المحتلّين وداعميهم حول العالم.

ففي فترة حكمه الأخيرة التي امتدت لـ 12 عاماً، خلّفت حروب نتنياهو وعملياته العدوانية داخل فلسطين المحتلة، 2741 شهيداً وآلاف الجرحى، وذلك خلال عمليات عسكريّة عدوانيّة عديدة أبرزها العدوان الإسرائيلي على غزة في العام 2012، والمعروف إسرائيليّاً باسم “عملية عمود السحاب”، وعملية “الجرف الصامد” على غزة أيضاً في العام 2014، ومعركة “سيف القدس” المعروفة إسرائيليّاً باسم “عملية حارس الأسوار” في أيار/مايو من العام 2021. أضف إلى ذلك، تشريد مئات العائلات التي جرى تدمير بيوتها أو جرفها لإقامة المستوطنات، أو لأنّ أحد أفراد العائلة قد نفّذ عملية فدائية ضد قوات الاحتلال، هذا إضافة إلى عشرات الشهداء والجرحى الذين سقطوا من جرّاء الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، في فترة حكم بنيامين نتنياهو تلك.

ومن المتوقع، ربطاً بالتطورات السياسية الجديدة في كيان الاحتلال، أنْ تؤدّي عودة نتنياهو إلى الواجهة مصحوباً هذه المرّة مع أبرز أحزاب الصهيونية الدينية المتطرفة وشخصياتها، إلى مزيد من تصعيد الاشتباك على مختلف الجبهات، خصوصاً في الداخل الفلسطيني وعلى الجبهتين السورية واللبنانية، وإلى مزيد من الأزمات والانقسام داخل “مجتمع” المستوطنين المحتلين أنفسهم، وأيضاً مزيد من التوتر من جهة، ومحاولات رأب الصدع أو تمتين العلاقة من جهة أخرى بالعديد من القوى الرئيسية حول العالم، كما الإقليمية في المنطقة، وعلى رأس تلك القوى الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وتركيا وبعض الدول العربية، على رأسها دول الخليج.

والواقع أنّ وصول دفعة جديدة من المتطرفين الصهاينة المتعطّشين لدماء العرب ولاحتلال المزيد من الأراضي وبناء المستوطنات والاستحواذ التام على القدس، لن يُغيّر قيد أنملة في نظرة المقاومة الفلسطينية وشعبها نحو الاحتلال، لأنّ الجميع سواسية في هذا بالنسبة إلى شعبنا الفلسطينيّ، إلّا أنّ وصول شخصيّات معروفة بتوقها إلى تسعير البطش والقتل والاستيطان، مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، سيرفع من وتيرة العمليات الفدائية والاستشهادية بين صفوف الشباب الفلسطينيّ المقاوم، خصوصاً أنّ عمليات المقاومة قد وصلت على امتداد السنة الأخيرة مرحلة متقدّمة من حيث نوعيّة العمليات وأعدادها، الأمر الذي يجعلنا نتوقّع أنّ أي تصعيد صهيوني جديد يقوده هؤلاء المتطرفون، سيؤدّي إلى وبالٍ أكثر قسوة وتأثيراً في مجتمع الاحتلال وحكومته، بحيث سيكون على هؤلاء مواجهة أفواج جديدة من الاستشهاديين والفدائيين الفلسطينيين الذين سيزيدون من وتيرة عملياتهم ونوعيتها، خصوصاً في الضفة الغربية والقدس، الأمر الذي سيؤدي إلى مزيد من الانقسام والخوف داخل “مجتمع” المستوطنين وفي الواقع السياسي الإسرائيليّ، ولن يتمكّن هؤلاء من الهروب، كما في الماضي، نحو حروب ومعارك في غزّة، لأنّ واقع هذه المقاومة بات أقوى بكثير من أنْ تستطيع أيّ حكومة للاحتلال، استغلاله لمصلحتها السياسية.

وإذا كان نتنياهو قد هاجم كثيراً اتفاق ترسيم الحدود الذي رعته واشنطن مع لبنان، وهدّد بتمزيقه حال وصوله إلى الحكم، فإنّ ما يحكم هنا هو قوة المقاومة الإسلامية في لبنان بالدرجة الأولى، وقدرتها على تعطيل أيّ فائدة إسرائيلية من الغاز الفلسطينيّ المسلوب في المتوسط، وهو أمر يدركه نتنياهو جيّداً، كما تحكمه حاجة الولايات المتحدة الأميركية إلى هذا الاتفاق، وإصرار إدارة بايدن على تحقيقه وعلى منع التصعيد على الجبهة اللبنانية، ليس لهدف يخصّ مصلحة اللبنانيين بالطبع، بل لأنّ هذا الهدوء يحقق مصالح واشنطن وأوروبا ربطاً بالخسائر الاقتصادية الفادحة التي سبّبها الحصار الغربي على روسيا، وحاجة الغرب إلى الغاز الذي قد تؤمّنه تلك الحقول الجديدة على السواحل الفلسطينية واللبنانية.

أمّا على صعيد المواجهة مع سوريا، نشطت حكومات الاحتلال لجهة الاعتداءات المتكررة على الأراضي السورية منذ أكثر منذ سنوات، وقد كانت حكومة نتنياهو نفسه، هي من دشّنت حينذاك تلك الموجات من الاستهدافات العدوانية، تحت عناوين “مواجهة التمدد الإيراني”، و”إبعاد الإيرانيين وحزب الله عن الحدود”، و”منع نقل الأسلحة النوعية إلى حزب الله”، وتدمير القدرات العسكرية السورية التي تنامت وتطورت خلال سنوات الحرب على سوريا، من خلال الاعتداء على مراكز البحوث السورية وغيرها من المنشآت العسكرية التي تُعنى بالتطوير والتصنيع التسليحيّ، وسعّرت حملات إعلامية دولية حول العالم تتحدّث عن محاصرة سوريا وإيران وقوى محور المقاومة لـ “إسرائيل” من جهة الجنوب السوريّ، وضرورة وقوف العالم كلّه إلى جانب “تلّ أبيب” في منع هذا “الخطر” بكل الوسائل الممكنة، فإنّ ما يحكم هنا هو عدة عوامل، على رأسها تغيّر قواعد الردع السوريّ (وهنا نتحدث عن خطط محور المقاومة ككلّ) وقرار قادة المحور بتحديد ساعة الردّ على تلك الاعتداءات ونوعية هذا الردّ، وهو أمر لا يمكن التكهّن به، لأنه خاضع لحسابات محور المقاومة واختياره لساعة الصفر في مواجهة كيان الاحتلال على جبهة سوريا وغيرها.

وهنا، لا ينتظر المراقبون في دمشق أيّ تغيير على السياسة العدوانية لكيان الاحتلال على هذا الصعيد، بل يتوقع العديد منهم أنْ تستمر تلك الاعتداءات في المبدأ، وأنْ تخضع في وتيرة تزايدها أو تناقصها أو انعدامها، إضافة إلى العامل المذكور أعلاه، إلى عامل آخر يتعلّق بالعلاقة بين كيان الاحتلال وروسيا.

ونظراً للوجود العسكريّ الروسيّ المؤثّر والاستراتيجيّ في سوريا، والذي تحقّق من خلال الاتفاقيات العسكرية بين البلدين، وكون موسكو هي حليفة رئيسية لدمشق وأهم القوى العالمية المنخرطة في الصراع الذي شهدته سوريا على مدى الأعوام العشرة الأخيرة، وحقيقة أنّ العلاقات التي تربط موسكو بكيان الاحتلال الإسرائيلي هي علاقات جيدة، بل كانت مميّزة في عهد نتنياهو على وجه الخصوص، وقبل بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا واتّخاذ “إسرائيل” مواقف مزعجة ومؤذية لموسكو، بلغت تداعياتها حافة حدوث اصطدام عسكري قبالة الشواطئ السورية عند قيام الطيران الإسرائيلي بتنفيذ اعتداء على مواقع في محافظتيّ طرطوس وحماة قبل عدة أشهر، فإن المتوقّع أنْ يعمل نتنياهو كلّ ما يستطيع لتخفيف “الأذى” الذي لحق بتلك العلاقات، بل إنّ نتنياهو نفسه، الذي يتمتّع بصداقة شخصية مع بوتين، كان قد عبّر قبل وقت قصير من انتخابات الكنيست، عن رغبته الأكيدة في إصلاح الضرر الذي لحق بتلك العلاقات و”بمستوى التنسيق بين البلدين في سوريا”، وأنّه سيسعى بكلّ قوة، في حال فاز في الانتخابات، إلى العمل على “الخروج من المأزق الحاليّ في العلاقات مع روسيا لأجل المصلحة الإسرائيلية”.

وهنا، يرى نتنياهو أنّ “التنسيق مع روسيا في سوريا، أمر في غاية الأهمية” بالنسبة إلى مستقبل الكيان، لأنّه يعتقد بأنّ الجبهة السورية ستكون الأخطر على الإطلاق بالتوازي مع جبهة المقاومة الفلسطينية في الداخل، ويعتبر أنّ جهود دمشق وحلفائها، وعلى رأسهم إيران وحزب الله، منصبّة على بناء جبهة عسكريّة حاسمة ومؤثّرة بشكل جذريّ في الصراع، وأنها ستكون قاتلة بالنسبة إلى الكيان في أيّ حرب قادمة، ويعتقد نتنياهو أنّ بإمكان موسكو أنْ تمنع كلّ هذا من خلال وجودها في سوريا، وخصوصاً “منع تموضع إيران على حدودنا” على حدّ تعبيره في تصريح أطلقه قبل نحو شهرين من الانتخابات.

تختلف حسابات نتنياهو عن حسابات دمشق ومحور المقاومة بكلّ تأكيد، فلا أحد هنا في سوريا ينتظر من نتنياهو أيّ شيء أقلّ من استمرار الاعتداءات والعدوان على الأراضي السوريّة، وبالمقابل، لا تخضع حسابات دمشق على هذا الصعيد لمستوى قوة أو ضعف العلاقات الروسية ـ الإسرائيلية، وكما روّجت الدعاية الإسرائيلية والعالمية الحليفة لها، لكذبة الخلافات العميقة بين موسكو وطهران في سوريا، والمتعلّقة بالصراع العربي ـ المقاوم مع “إسرائيل”، والجهود الروسية لمنع تمتين جبهة الجولان وعموم الجنوب السوريّ، فإنّه من المفيد تفنيد الادّعاءات الإسرائيلية بشأن أثر “التنسيق” والدور الروسيّ “الحاسم” على الجبهة السورية، والقول إنّ قرار الردع والحرب في دمشق غير خاضع أبداً لأيّ إملاءات أو عوامل لا ترتبط مباشرة بالمصلحة الوطنية السورية، وبتقدير دمشق وحلفائها في محور المقاومة للقدرات والإمكانيات الذاتية والخطط الاستراتيجية الخاصة التي، وحدها، تُحدّد طريقة التصعيد المضادّ وزمانه ونوعيته والذي من المتوقّع أنْ يبدأ من نقطة الحرب، لا أنْ يقف عند حدّ الردّ، إنّه قرار سوريّ بامتياز، وموسكو تعرف ذلك.

بل إنّ الأمر الوحيد الذي تستطيع موسكو التأثير فيه، هو إمداد، أو الامتناع عن إمداد، سوريا بأسلحة دفاع جويّ متطورة ونوعية، لكنّ النظرة إلى هذا الأمر بدورها، قد تغيّرت بعد تطوّر الحرب الغربية ـ الروسية في أوكرانيا، وما الصراخ الإسرائيليّ ـ الغربي بشأن إمداد إيران لروسيا بطائرات مسيّرة تمتلك قدرات هائلة على تغيير سير المعارك، سوى اعتراف إسرائيليّ بأنّ محور دمشق وحده من يمتلك زمام الأمور على الجبهة السوريّة، وأنّ أيّ طرف آخر، مهما كان مؤثّراً، لن يستطيع منع سوريا وحلفائها من هذا السير الحثيث باتّجاه المعركة الكبرى على جميع الجبهات، وأنّ المسألة تتعلّق بتوقيت دمشق والمقاومة فقط.

وبالتالي، من المتوقع أنْ تستمر الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية في المرحلة المقبلة، وأنْ يختبر نتنياهو أعداءه وأصدقاءه (روسيا) في سوريا في وقت قريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى