مقالات

إيتمار بن غفير.. من صبيانية الشارع إلى وزارة الأمن الداخلي

محمد جرادات

حصل ذلك عام 1994. وقد طُرد من “الجيش” الإسرائيلي بسبب شذوذه النفسي. كان إيتمار بن غفير وقتها في الثامنة عشرة من عمره، وهو العام ذاته الذي تولى فيه خصمه الخاسر في الانتخابات الحالية بيني غانتس قيادة فرقة المظليين في “الجيش” الإسرائيلي، في مفارقة يتوجب أن تثلج قلوب الرازحين تحت نير المحتل الإسرائيلي، نظراً إلى ما تحمله من اختلال للمعايير في وعي الناخب الصهيوني، بما يرشح كامل منظومة الاحتلال للتصدع الداخلي.

صعود مطرود من “الجيش” لينافس على وزارة الأمن الداخلي هو فارق جوهري في تركيبة المجتمع الصهيوني، وخصوصاً أنها من الوزارات الأساسية في الكيان العبري، ولم يكن قد مضى على مراهقاته السياسية الذائعة الصيت بضعة أسابيع، وهو يحرّض على هدم المسجد الأقصى، ويشهر سلاحه الشخصي في وجه المدنيين الفلسطينيين ومخالفيه من الإسرائيليين، ويعوق عمل الشرطة مراراً، وفي لحظات أمنية حساسة، ويجاهر في تحدي القوانين الأمنية في أزقة القدس وأحيائها، بصحبة بضع عشرات من زعران الشوارع، ليمرّر أجندته الشاذة على حساب الإستراتيجية الأمنية والسياسية العبرية.

بين عشية وضحاها، أصبح حزب “الصهيونية الدينية” الحزب الثالث في الكنيست، والثاني في الائتلاف الفائز بقيادة نتنياهو، وخصوصاً أنه حصل على 14 مقعداً، فيما سبق أن تجاوز نسبة الحسم بصعوبة بالغة في الانتخابات السابقة، في وقت لم يتجاوز حزب وزير الحرب الحالي غانتس 12 مقعداً.

بين عامي 1984 و2022، تغيّر الكثير في قوة تماسك المشروع الإسرائيلي، عندما نجح إسحق شامير، على تطرفه، في لجم مائير كهانا، وهو الزعيم الروحي لبن غفير، حينما دخل إلى الكنيست.

 وقد صعد ليلقي خطابه، فانسحب أعضاء الكنيست من قاعاتها، وهو ما مهّد الطريق لحظر حزبه “كاخ” بشكل نهائي، ليأتي بن غفير اليوم، وهو مسلّح بقوة نيابية غير مسبوقة، ويحمل الوحشية الفكرية ذاتها التي انتهت بتصفية كهانا في أميركا على يد شاب مصري، وتبعه ابنه بنيامين في عملية فدائية قرب رام الله.

كشفت الانتخابات الإسرائيلية الحالية مستوى النقلة البعيدة التي وصل المجتمع الإسرائيلي إليها في انزياحه نحو غلاة اليمين المتطرف، وإن ظلَّ هذا المجتمع في كل محطاته في دائرة التطرف، حتى عندما كان ينتخب حزب العمل اليساري، فهو مجتمع تأسس على أطلال الشعب الفلسطيني، ولا فرق عنده بين بن غفير وغانتس، كما بين نتنياهو ولابيد. كلهم أصحاب مشروع استئصالي وحشي، ولكن الفارق المقصود هنا في وعي الناخب وتداعيات ذلك على تصدّع المشروع الإسرائيلي.

تأسس الكيان العبري عام 1948 وفق استراتيجية بن غوريون التي مزجت بين التأصيل الديني اليهودي، والمشروع السياسي الصهيوني، والنزعة الاجتماعية اليسارية، وآليات الحكم الديمقراطية.

وقد حافظت جميع حكومات الكيان وأحزابه على العمل وفق ذلك في المجمل، بما أبقى المجتمع متماسكاً رغم كثير من المطبات الميدانية، ولكنَّ أيّاً منها لم يتسبّب بشرخ سياسي أمنيّ بتأصيل فكري انقلابي، وهو التأصيل الذي يقوم عليه فكر كهانا وبن غفير، الذي دفع الكنيست إلى حظر الأول عام 1984، وجعل “الجيش” يطرد الثاني عام 1994.

طالب بن غفير بوزارة الأمن الداخلي قبل أسبوع من الانتخابات، نظراً إلى أهميتها بشأن القدس والأقصى، ووافقه نتنياهو، وإن لم يسمّ هذه الوزارة بالاسم، وربما لم يدر بخلده هذا الصعود المدوّي لبن غفير، أو لعله راهن على احتوائه، نظراً إلى الفارق بين الشعارات الانتخابية والاستحقاقات الأمنية والسياسية ومتطلبات الحكم، وكان شغل نتنياهو الشاغل العودة إلى الحكم بأيّ ثمن للنجاة من محاكمة تنتظره على فساده المالي، وهو ما تحقق، ولكن في ظل معطى جديد سيؤرقه ويدفعه نخو خيارات داخلية وخارجية تخل بتوازناته المعتادة.

ليست المبادرة السعودية للسلام واحدة من توازنات نتنياهو التي سيحرص عليها، وهي التي أعادت قمة العرب في الجزائر تأكيدها، ولكنه باب التطبيع الذي تركته القمة مفتوحاً على مصراعيه، وسبق لنتنياهو أن تفاخر بإطلاق هزيعه في الخليج والمغرب وأفريقيا، ويريد اليوم مع المطبعين الجدد أن يقبلوه مع بن غفير، وهو قبولٌ سارَعَ زعيم التطبيع في العالم الإسلامي إردوغان إلى المجاهرة في الرضوخ له، وهو يعبّر عن “اهتمامه باستمرار العلاقات مع إسرائيل بصرف النظر عن نتائج الانتخابات”.

سينجح نتنياهو في غض عيون المطبعين العرب والمسلمين، وبطبيعة الحال قيادة السلطة الفلسطينية، عن صبيانية بن غفير، حتى وهو وزير في حكومته، ولو تولى الأمن الداخلي، ولن يعدم الوسيلة في تجاوز الفيتو الأميركي الأوروبي، فـ”تل أبيب” ليست النمسا التي سبق أن قوطعت عالمياً بسبب دخول حكومتها حزب “هايدر” المتطرف، ولكن هل يمكن لنتنياهو أن ينجح في حفظ توازنات السياسة الإسرائيلية في ظل طموحات بن غفير وقوته النيابية وطيشه الميداني، وقد نجا من تصفية محققة قرب الخليل، أم سيجد نتنياهو نفسه مضطراً إلى مجاراتها؟

سبق لنتنياهو أن نغّص على الإدارة الأميركية اتفاقها النووي مع إيران، وساهم لاحقاً في إلغائه، رغم كونه محاطاً بكوابح في الائتلاف الحاكم ظلّت تمنعه عن مواجهة حادّة مع الإدارة الأميركية، وهي إدارة يحكمها اليوم زعيم ديمقراطي، ما دام يعبّر عن سخطه من سياسة نتنياهو الذي يتسلّح اليوم بما تجاوز شرعية زعيم القبيلة لما هو آخر ملوك بني إسرائيل، بما يعمّق الفجوة بين السياستين، في ظل الانشغال بالحرب في أوكرانيا، بما يُخرِج نتنياهو عن توازناته الداخلية والإقليمية ويفتح المجال لكل الاحتمالات.

وقد شكّل صعود بن غفير إخلالاً بالتوازن السياسي في “تل أبيب”، وهو ما سيلقي بظلاله على مجمل السياسة الإسرائيلية، سواء ما تعلّق بمساعي تهويد القدس والأقصى أو تعزيز الاستيطان والقمع في الضفة، إلى فضّ الترسيم البحري مع لبنان، حتى تصعيد الحرب على غزة وسوريا وإيران، بما يدفع هذه السياسة نحو خيارات تتقاطع مع طيش بن غفير، وتعكس غرور نتنياهو، وهو غرور سبق أن تماهى معه العقل الإسرائيلي في خيبر قبل مئات من الأعوام، و10 آلاف حاسر ودارع لم تحل دون أن يفصم عراها ذو الفقار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى