مقالات

إردوغان.. البحث العقيم عن عنوان انتخابي جديد

رانا أبي جمعة

دشّن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الحملة الانتخابية رسمياً في مهرجان حزب العدالة والتنمية الذي أقيم في مجمع أنقرة الرياضي في العاصمة التركية عبر استعراضه لرؤية “قرن تركيا”.

ولكن بدايةً لنتحدث عما سبق المهرجان من آخذ ورد في الإعلام. كان لافتاً لكثيرين غياب كلمة “جمهورية” عن شعار “قرن تركيا” الذي أرفق بتصميم يستحضر راية رئاسة الجمهورية التركية، عبر عدد النجمات الـ16 التي ترمز إلى الدول التركية عبر التاريخ، والنجمة الكبيرة المكملة للعلم التركي التي ترمز إلى الموروث المشترك للدول التركية، أضيف إليها أشعة الشمس المنبعثة من الهلال ومجموعها 100 وهو عدد سنوات الدولة التركية.

جذر الأخذ والرد، هذه المرة، كان تصريحات وصفت بغير المسؤولة والمضلِّلة (البعض رأى وجوب إدراج هذه التصريحات ضمن القانون الجديد المتعلق بالتضليل الإعلامي) والمناهضة للجمهورية التركية في مئويتها لنائب رئيس كتلة حزب العدالة والتنمية ماهر أونال الذي قال في معرض كهرمان مرعش الثامن للكتاب والثقافة إن تركيا شهدت أقسى ثورة ثقافية في التاريخ، مستشهداً بالثورة الفرنسية وثورة ماو تسي تونغ الصينية اللتين دمّرتا كل شيء، إلا أنهما لم تمَسا قاموس اللغة، فيما مست الثورة التركية الأبجدية والمعجم واللغة، معتبراً أن اللغة المستخدمة اليوم لا تستطيع أن تنتج فكراً. تصريحات أونال لا تزال حتى الساعة في دائرة الانتقاد من الحلفاء والخصوم على حد سواء.

زعيم “الحركة القومية” دولت بهتشلي قال ما مفاده “إن من المؤسف أن يقال إن الجمهورية هي التي ألحقت الضرر بالثقافة واللغة التركيتين، وهذا الكلام لا أساس له وهو تشويه للحقائق وقلة ثقة بالنفس”.

الأمر الآخر الذي جرت الإشارة إليه هو كلمات الشعار بحد نفسها، “قرن تركيا”، وهو شعار عدّه بعض الصحافيين مستوحىً من المؤتمر السابع والثلاثين لحزب الشعب الجمهوري المعارض الذي تحدّث فيه عن “القرن الثاني للجمهورية”.

وليس هذا فحسب، النصيب الأكبر من الأخذ والرد كان دعوة حزب العدالة والتنمية الصحافيين المعارضين إلى حضور المهرجان، أمثال الكاتب إسماعيل سايماز والكاتبة أوزلم غورسيس (امتنعا عن الحضور) وتشاغلار جيلارا (حضر) وفاتح برتقال (حضر) وغيرهم، وهو ما عد محاولة لإظهار تغيير ما في السياسة المعتمدة في البلاد تجاه الصحافيين -الذين غالباً ما يجري التضييق عليهم وصولاً إلى اعتقالهم- إضافة إلى محاولة إكساب الحدث شرعية تتأتى من الحاضرين.

دعوة الصحافيين المعارضين لم تكن المفاجئة الوحيدة، إذ دعي بعض رؤساء أحزاب المعارضة، كزعيم المعارضة ورئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كليتشدار أوغلو، وزعيم حزب الجيد، ميرال أكشينار، فيما لم تُدعَ أحزاب يقودها أعضاء سابقون في “حزب العدالة والتنمية”، كـ”حزب الديمقراطية والتقدم” برئاسة علي باباجان، و”حزب المستقبل” برئاسة أحمد داود أوغلو، إضافةً إلى “حزب الشعوب الديمقراطي”.

والآن، فيما يتعلق بخطاب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الذي استمر ساعة ونصف ساعة من الزمن، وشدد فيه على ارتقاء تركيا بجعلها واحدة بين أكبر عشر دول في العالم في جميع مجالات السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والجيش والدبلوماسية، مضيفاً أن قرن تركيا هو قرن استبدال سياسة الهوية بسياسة الوحدة، والاستقطاب بالتكامل، والإنكار بالاحتضان، والهيمنة بالحرية، والكرة بالمحبة.

 وهنا أبرز ما جاء في الخطاب:

* من حق أمتنا التي دفعت ثمن حماية وطنها منذ ألف عام، وجمهوريتها منذ قرن، وديمقراطيتها منذ 80 عاماً ومستقبلها في 15 تموز/يوليو أن يكون لها دستور جديد. لقد أعددنا مقترح تعديل دستوري من شأنه أن يضمن حقوق التعليم والعمل لجميع فتياتنا ونسائنا المحجبات وغير المحجبات، ويحمي مؤسستنا الأسرية من تهديد التيارات المنحرفة. نأمل، من خلال تقديم اقتراحنا إلى برلماننا الأسبوع المقبل، أن نضمن إزالة هذه القضية من جدول أعمال بلدنا كحق طبيعي. (كلام يأتي في إطار المزايدة الانتخابية، قضية الحجاب عادت إلى واجهة النقاش مع اقتراح رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو منذ أسابيع وضع ضمانة قانونية لارتدائه لوقف استغلال القضية سياسياً).

* سنفتتح قريباً العمل في مشروع قناة إسطنبول وسننقذ منطقة البوسفور من كارثة بيئية. (المشروع ليس بجديد فالرئيس إردوغان نفسه كان قد دشنه العام الفائت، ولكن التطرق إليه سمح له بتوجيه انتقاد إلى المعارضة غير المؤيدة للمشروع والقناة التي من شأنها أن تربط بحر مرمرة ببحر الأسود معتبراً إياها لا تفهم ما يجري).

* قرن تركيا سيكون قرن السلام في البلاد. سنواصل العمل من أجل تحقيق الاستقرار في منطقتنا الجغرافية والعالم، انطلاقاً من مفهوم العالم أكبر من خمسة. (السلام الحقيقي هو الذي يبدأ من داخل البلاد، وهنا نستحضر زيارة الرئيس إردوغان لديار بكر منذ أيام، وذلك في إطار الحملة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية التي شن فيها هجوماً حاداً على الرئيس السابق لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي صلاح الدين دميرطاش المعتقل منذ نحو 6 سنوات، متهماً إياه باستغلال الكرد وبأن لا علاقة له بالقومية الكردية، في خطوة تشي باستمرار المواجهة بكل أشكالها وأدواتها.

* تركيا اكتشفت 540 مليار متر مكعب من احتياطيات الغاز الطبيعي في البحر الأسود، وسنشرك أمتنا في الأخبار السارة الجديدة في مجال الطاقة قريباً. (الاكتشاف والإعلان عنه يعود إلى عام 2020، ومع ذلك، العين على بدء الاستخراج في الربع الأول من عام 2023).

لعلّ ما تقدم هو أبرز ما جاء في خطاب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي عاد إلى الماضي كثيراً ولامس المستقبل كلامياً، خلافاً لما تقوله الوقائع والأرقام اليوم، كالقول مثلاً إن هدف تركيا القصير الأمد هو بلوغ حجم تجارتها الخارجية تريليون دولار (250 مليار دولار اليوم)، وبلوغ العائدات السياحية 100 مليار دولار (8,7 مليار دولار اليوم في حين أنها وصلت إلى34,5 مليار دولار عام 2019).

وفي الحصيلة، لم يأتِ الرئيس إردوغان بجديد في خطاب روّجه على أنه تاريخي واستثنائي على اعتبار أنه مقدمة لرؤية عام 2053. وعلى العكس من ذلك، لم يكن هناك أي بند من البنود الـ 16 التي مر عليها يمكن اعتباره من “خارج الصندوق” ويؤسس لتركيا مختلفة عن تلك ما بعد محاولة انقلاب 2016، فاقتصر الاستثنائي على الشكل لا المضمون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى