مقالات

الفلسطينيون يقاتلون بجزء من قدرتهم.. متى تستيقظ الأمة؟!

رشاد أبو شاور

هناك إعجاب وتقدير للبطولة الفلسطينية والتضحيات التي يقدمها الشعب الفلسطيني في ميادين المواجهة والتصدّي والتحدّي للحرب التي يشنها الكيان الصهيوني، ومن خلفه الحركة الصهيونية، بما تملكه من قدرات وطاقات سياسية ودبلوماسية ومالية وتخريبية وشرائية لدول وحكام وقادة وشخصيات بارزة على الصعد كافة.

بدأت الغزوة الصهيونية بالتزامن مع الاحتلال البريطاني لفلسطين والانتداب البريطاني بقرار من عصبة الأمم التي كانت بريطانيا أهم دولها المُشكّلة لها بعد الحرب العالمية الأولى، وأكبر قوّة كإمبراطوريّة عسكرية مهيمنة في عدّة قارات وعلى دول كثيرة في آسيا وأفريقيا، ما منحها قدرة على مواصلة نهب ثروات تلك الدول والبلاد، وفي مقدمتها الهند، درّة التاج، التي أرادت من فلسطين أن تكون وتبقى مدخلاً آمناً للطريق إليها، ووجدت في الحركة الصهيونية حليفاً لها وتابعاً عندما منحتها “وعد بلفور” الذي يضمن لها كياناً على أرض فلسطين، وأتاحت لليهود الفرصة للتسلل العلني والسرّي إليها، ومكنت الغزاة الصهاينة من تأسيس وتثبيت مؤسساتهم التي كانت بمنزلة مؤسسات “دولة” الكيان الصهيوني الذي قوي واستقوى بدعم الغرب الاستعماري وتشجيعه على “الهجرة” اليهودية إلى فلسطين لأسباب عنصرية واستعمارية ودينية.

خرجت بلاد العرب في المشرق العربي منهكةً متخلفةً فقيرةً جاهلة معزولة عن العالم بعد 400 سنة من الحكم العثماني المستبدّ المتخلّف الذي أفقرها وحرمها من التعليم والتطوّر، وزجّ الآلاف من رجالها في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل مع شعوب في أوروبا لا يعرفون عنها شيئاً، وليس بينهم وبينها أحقاد ولا نزاعات ولا صراعات تستدعي خوضهم الحروب، ولا على أي صعيد.

هذه الحروب أكلت خيرة شباب العرب بنيرانها، فماتوا غرباء على سهول أوروبا وجبالها وحول مدنها، بعيداً من أسرهم وبلادهم وأرضهم التي كانت تستدعي جهودهم لحراثتها وزراعتها واستثمارها في تحسين حياة تلك الأسر التي هلك الكثير من أفرادها جوعاً ومرضاً بسبب الفقر والعري وتفشي الأمراض والأوبئة، من أجل أمجاد سلاطين بني عثمان الذين زجّوا شعوب العرب والمسلمين في حروب لا جدوى منها، وهم الذين لم يقدموا شيئاً لتطوير بلاد حكموها وتحكّموا في شعوبها، وبدَّدوا خيراتها بحكّام محليين عصروها بالضرائب الباهظة بقسوة وبلا رحمة.

جاءت غزوة الصّهيونية لفلسطين تتمّة للحملات الصليبية. وقد صرح الجنرال البريطاني اللمبي والجنرال غورو الفرنسي عندما احتلّا القدس، وعند قبر صلاح الدين الأيوبي في المسجد الأموي في دمشق، الكلام نفسه تقريباً: “ها نحن عدنا يا صلاح الدين. الآن انتهت الحروب الصليبيّة!”.

من هنا، لا بدَّ من أن تعي الأمة بملايينها ممثلة بطلائعها، وفي كل أقطارها مشرقاً ومغرباً، بأن الصراع الدائر على أرض فلسطين يقرر في خاتمته مصير الأمة كلها، بل والعالم بأسره، وهذا ما أدركه مفكّر عربي في مطلع القرن العشرين، هو نجيب عازوري، وكتبه في كتابه “يقظة الأمة العربيّة” الذي صدر عام 1904 في باريس باللغة الفرنسية، وكان هارباً من العسف العثماني: “ظاهرتان مهمتان لهما الطبيعة نفسها، بيد أنهما متعارضتان، ولم تجذبا انتباه أحد حتى الآن، وهما تتوضحان في هذه الآونة في تركيا الآسيوية، أعني: يقظة الأمة العربية وجهد اليهود الخفي لإعادة تكوين مملكة (إسرائيل) القديمة على نطاق واسع. إن مصير هاتين الحركتين هو أن تتعاركا باستمرار حتى تنتصر إحداهما على الأخرى، وفي النتيجة النهائية لهذا الصراع بين هذين الشعبين الذين يمثلان مبدأين حضاريين يتعلّق مصير العالم بأجمعه”.

ولكننا نرى أنَّ الصراع انحسر وتحدَّد بوضع عرب فلسطين وحدهم في مواجهة الكيان الصهيوني والحركة الصهيونية برعاية وانحياز أميركا وريثة بريطانيا، التي وإن انحسر دورها بعدما غابت شمس إمبراطوريتها، فإنها تواصل التآمر على القضية الفلسطينية وعرب فلسطين وحق العرب في فلسطين.

وأيضاً، ويا للعجب، فإننا نرى أن عرب فلسطين لا يقاتلون بكل قوتهم في كل معاركهم مع المشروع الصهيوني، فقد بدأ التآمر عليهم وعلى قضية فلسطين التي يفترض أنها القضية العربية التي يتقرر مصير الأمة في نتيجة صراعها مع المشروع الصهيوني، فثمة دول وحكام نُصبوا على أجزاء من الوطن العربي، ونفذوا في السر وفي العلن التآمر على فلسطين، انطلاقاً من طموحاتهم في الحكم وسعيهم لتثبيت “دويلات” بلا استقلال ولا قيمة، وبالتغاضي والتفريط في مصالح الأمة ومصيرها وحاضرها ومستقبلها…

تلك الدويلات عملت على حراسة الحدود للمشروع الصهيوني. وبعد النكبة عام 1948، وضعت الفلسطينيين في المخيمات تحت المراقبة، وحرمتهم من مواصلة المقاومة لتحرير ما استولى عليه الاحتلال الصهيوني. وقد اقترفت الخيانة التي حددت لها قبل نشأتها، وبعضها تُطبّع مع عدو الأمة، لأن هذا هو دور حكّام يهمّهم بقاء دولهم البائسة الهزيلة المتآمرة على وحدة الأمة ونهوضها وتحرير أقدس مقدّساتها التي يخوض الفلسطينيون معركتها ببعض قوتهم.

قاتل الفلسطينيون بجزء من قوتهم، ويتحسّر إخوتهم وهم يرونهم في المعركة، فيما تكبح قوتهم، ويقيدون، ويحرمون من الفعل والمشاركة في تحرير فلسطين وهزيمة الكيان الصهيوني وتحقيق الانتصار للأمة العربية على المشروع الصهيوني في الصراع الذي رأى نجيب عازوري في خاتمته الانتصار لأحد الطرفين وللعالم. وقد حدَّد بذلك أنه لا بدّ من أن يكون انتصاراً حضارياً تقدمياً للعرب على المشروع الصهيوني.

الحكام في بلاد العرب، من ورثوا حكم الدويلات الهزيلة على حساب وحدة الأمة، وهو ما تكرّس في زمن النفط والغاز، لا “يحتجزون” الفلسطينيين وحدهم، بل يحتجزون الشعوب العربية التي تتمزق ألماً وهي ترى بطولات عرب فلسطين وهم يخوضون المعارك المصيرية دفاعاً عن الأمة وحدهم، بل بجزء منهم، ويرهقون العدو الذي اعترف وزير أمنه بأن أكثر من نصف الأجهزة الأمنية موجود في الضفّة الغربية!

تصوَّروا لو أن الحدود مفتوحة أمام ملايين الشباب العرب، وأنَّ المعركة تخاض جدياً بصدق وبشرف وبانتماء إلى الأمة، إلى القدس، إلى فلسطين العرب، كيف سيتمّ اختصار زمن المعركة وتحقيق الانتصار المؤزّر على عدو الأمة؟!

ومع ذلك، سيواصل عرب فلسطين صراعهم مع العدو؛ عدو الأمة، حتى تستيقظ هذه الأمة وتنتفض، وتندفع لتحطم الحدود وتجتازها، وتأخذ مصيرها بيدها، وتكنس في طريقها كل ما يعوق قدرتها على الفعل، لتحقيق الانتصار التاريخي المؤزّر: هزيمة المشروع الصهيوني وتحرير فلسطين وتوحيد إمكانات ملايين العرب وطاقاتهم مشرقاً ومغرباً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى