مقالات

الجزاء من جنس العمل ، أقوام الأنبياء انموذجاً…

القاعدة الإلهية التي ذكرناها أعلاه نجد تجسداتها الواقعية على المسرح التاريخي الذي ذكره القرآن في ما فعلته مجتمعات الأنبياء من أفعال وما نزل بهم من عذاب إلهي يسانخ ويجانس الفعل المتقدم لهم ولنا ان نستعرض صور أعمالهم مع صور عذابهم من خلال رؤية قرآنية ـ تاريخية وهي كالآتي :

أولاً : قوم النبي نوح (ع) عندما تركوه وخالفوه ولم يركبوا في السفينة معه إلا 82 حسب رواية الإمام الصادق (ع) هناك دعا نوح (ع) ربه ” وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ” سورة نوح / 26 ، فكانت النتيجة الطوفان الذي لم ينج منه ألا العدد الذي ذكرناه آنفاً ، فقد طُهّرت الأرض منهم بواسطة هذا الطوفان ، حتى قيل لنوح (ع) أبو البشر الثاني لأن منه خرجت ذرية

وسلالة البشر للحياة من جديد.

ثانياً : قوم النبي صالح (ع) وهم ثمود لما نادوا صاحبهم بعقر الناقة فجعل رب العزة عذابهم وهلاكهم من جنس فعلهم ألا وهي الصيحة “وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ” هود / 67 ،  لأن النداء كان سبباً في عقر الناقة ، وقد بيّن ذلك الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسير الأمثل ج20 / ص243 ـ 244 بقوله ” ويلاحظ أنّ قاتل الناقة شخص واحد أشارت إليه الآية بأشقاها، بينما نسب العقر إلى كلّ طغاة قوم ثمود: “فعقروها”، وهذا يعني أنّ كلّ هؤلاء القوم كانوا مشاركين في الجريمة، وذلك أوّلاً: لأنّ مثل هذه المؤامرات يخطط لها مجموعة ثمّ ينفذها فرد واحد أو أفراد.

وثانياً: لأنّ هذه الجريمة تمّت برضا القوم فهم شركاء في الجريمة بهذا الرضا، وعن أمير المؤمنين علي(عليه السلام)قال: “إنّما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمهم اللّه بالعذاب لما عموه بالرضى، فقال سبحانه: (فعقروها فاصبحوا نادمين)”(3)

وعقب هذا التكذيب أنزل اللّه عليهم العقاب فلم يترك لهم أثراً: (فدمدم عليهم ربّهم بذنبهم فسواها).”دمدم” تعني أهلك، وتأتي أحياناً بمعنى عذّب وعاقب وأحياناً بمعنى سحق واستأصل، وبمعنى سخط أو أحاط(4).

و”سوّاها” من التسوية وهي تسوية الأبنية بالأرض نتيجة صيحة عظيمة وصاعقة وزلزلة، أو بمعنى إنهاء حالة هؤلاء القوم، أو تسويتهم جميعاً في العقاب … ومن الآية نستنتج بوضوح أنّ عقاب هؤلاء القوم كان نتيجة لذنوبهم وكان متناسباً مع تلك الذنوب، وهذا عين الحكمة والعدالة.”.

ثالثاً : قوم النبي هود (ع) وهم عاد الذين كانوا يمتزون بالقوة البدنية الكبيرة بحيث كانوا ينحتون الجبال بعظمتها ” أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8)”سورة الفجر ، فكانت الرسالة الإلهية لهم ولغيرهم بالرغم من قوتكم فإن الله عز وجل أهلكهم بأهون وأرق الأشياء ألا وهي ( الريح ) “وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8) ” سورة الحاقة .

رابعاً : قوم النبي لوط (ع) بما إنهم قد قلبوا الأحوال والفطرة الطبيعية التي استنها الله عز وجل بفعلهم المقلوب ( إتيان الذكور والإمساك عن النساء ) كان الجزاء مماثل لفعلهم بأن قلب الله عز وجل الأرض عاليها سافلها كما قلبوا تلك الفطرة  ” فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ” الحجر / 74.

خامساً : الطاغية والمتكبر ومُدّعي الربوبية فرعون الذي عاصر النبي موسى (ع) جعل الله هلاكه بمثل ما كان يتبجح به فقد قال فرعون كما عرض ذلك القرآن ” وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ” الزخرف / 51 ، فكان أن أهلكه رب العزة بنهر النيل التي تحدث فرعون عن ملكيتها له “فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا ” الإسراء / 103.k

 

*الدكتور علي زناد كلش البيضاني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى