مقالات

الاستثمار الغربي في الشمال السوري… ما هي الأهداف والنتائج المنتظرة؟

الإباء / متابعة

زار وفد من كبار المستثمرين السوريين المغتربين ومسؤول عربي في غرفة التجارة العربية في الولايات المتحدة، مناطق شمال حلب الخاضعة لسيطرة المعارضة، لبحث إمكانية توفير مشاريع استثمارية وتنموية ضخمة، تسهم في دعم الاقتصاد وتوفير فرص العمل للمواطنين.

صحيفة “الشرق الأوسط” نقلت عن مصدر “طلب عدم الكشف عن اسمه”، قوله إن “وفدا من المستثمرين العرب في مختلف المجالات الاستثمارية، بينهم عدد من رجال الأعمال السوريين المغتربين في الولايات المتحدة، يرافقهم مستثمر من الجنسية البحرينية، بدأ زيارة رسمية، لأعزاز وعفرين والباب بريف حلب”.

واطلع الوفد خلال لقائه الأول، الذي جرى يوم الأحد الماضي مع عدد من المسؤولين في الحكومة السورية المؤقتة وعدد من رؤساء المجالس المحلية، على واقع الخدمات المتوافرة للمواطنين والوضع الاقتصادي في المنطقة.

وأضاف المصدر، إنَّ الوفد تابع جولته على مدار اليومين الماضيين برفقة عدد من المسؤولين السوريين في المعارضة، إلى مدن عفرين والباب والراعي، وعاين تلك المناطق بدقة، والتقى خلالها عدداً من التجار المحليين وشخصيات مدنية، واستمع منهم لحاجة المنطقة الماسة للمشاريع الاستثمارية والتنموية التي تسهم في دعم اقتصادها.

كما جرى أيضاً التشاور خلال اللقاء حول إمكانية تنفيذ المستثمرين لعدد من المشاريع الاستثمارية، مثل معامل أغذية ومصانع الحديد الصلب ومعامل لسلع أخرى “والتي يمكن البدء بتنفيذها وانطلاق العمل بها خلال الفترة القادمة، من أجل توفير فرص عمل جديدة للشبان السوريين في مناطق الشمال”.

ووفقاً للمصدر، أكد أحد أعضاء الوفد للمسؤولين السوريين خلال الزيارة، أنها “زيارة خاصة وتحظى باهتمام بالغ من واشنطن، من أجل تحسين الوضع المعيشي والاقتصادي لأبناء المنطقة، والمساهمة في توفير مستلزماتهم الحياتية من خلال إطلاق مشاريع استثمارية على مراحل”.

تتسارع الأحداث في الشمال السوري فمنذ أشهر سمحت الولايات المتحدة ببعض الاستثمارات الأجنبية في مناطق شمال شرق سوريا التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية التي تدعى “قسد”، دون أن تخضع لقانون عقوبات قيصر الذي أقرته الولايات المتحدة على سوريا في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب ضد الدولة السورية، وتقول واشنطن إنها تهدف من خلال هذه الخطوة إلى “مساعدة منطقة كان يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في السابق”، وتعمل واشنطن دائمًا على دعم حلفائها من الوحدات الكردية في هذه المناطق، وتعد “قسد” الحليف الأبرز لواشنطن في سوريا، كما تعمل القوات الأمريكية الموجودة في سوريا بمناطق السيطرة الكردية.

مناطق وقطاعات الاستثناء

كانت مساعد وزير الخارجية الأمريكي فيكتوريا نولاند، قد صرحت أن بلاده “ستصدر رخصة عامة تحرر الشركات من قيود العقوبات الأمريكية”، وأضافت نولاند “الولايات المتحدة تعتزم خلال الأيام القليلة المقبلة إصدار رخصة عامة لتسهيل نشاط الاستثمار الاقتصادي الخاص في المناطق غير الخاضعة لسيطرة النظام والمحررة من تنظيم الدولة داعش في سوريا”، وفقًا لما نقلته وكالة رويترز.

وقد عقّب مسؤولون أمريكيون كبار على أن “استثناء قطاعات ومناطق في شمال شرقي وشمال غربي سوريا من عقوبات قانون قيصر هو جزء من استراتيجية إدارة بايدن لضمان هزيمة تنظيم الدولة من خلال تعزيز الاستقرار الاقتصادي”، مشيرين إلى أن الرئيس جو بايدن يرى أن “استثمار القطاع الخاص في هذه المناطق سيساعد في تقليل احتمال عودة تنظيم الدولة، من خلال التصدي للظروف اليائسة التي تسمح بتجنيد الجماعات الإرهابية وشبكة دعمها”.

وفي هذا السياق أكدت واشنطن أنه “ليس لديها نية لرفع العقوبات عن الدولة السورية حتى يتم إحراز تقدم لا رجوع فيه نحو حل سياسي في سوريا”، مشددين على أن بلادهم تريد محاسبة الأسد وحكومته بشأن ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان في سوريا”، كما لفت أحد المسؤولين إلى أن إدارة بايدن “فرضت مرتين عقوبات جديدة على حكومة الأسد، وبشكل خاص بسبب انتهاكات حقوق الإنسان والفظائع في سوريا، وتتطلع باستمرار إلى فرض عقوبات إضافية“.

وسبق أن أفادت الخارجية الأمريكية بأنها “لن تتهاون في فرض العقوبات على حكومة بشار الأسد ومناطق سيطرته في سوريا، ولا توجد إعفاءات بخصوص ذلك”، وأكدت على “ثبات الولايات المتحدة على موقفها الرافض لتخفيف العقوبات على حكومة الأسد، والسير في العملية السياسية وفق القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة“.

التصريحات الأمريكية بمنح الاستثناءات أتت خلال اجتماع “التحالف الدولي لمكافحة داعش” في مدينة مراكش المغربية، وحسب واشنطن فإن الترخيص سيشمل قطاعات الزراعة وأعمال إعادة الإعمار التي تشمل البناء والاتصالات وإدارة المياه، كما تشمل الإعفاءات قطاع النقل والتصنيع والتعليم والصحة والتجارة لكنها لن تشمل قطاع النفط“.

وحسب واشنطن فإنها أنفقت العام الماضي 45 مليون دولار في تلك المناطق، وأبلغت أعضاء التحالف في اجتماع مراكش بأنها “تريد جمع 350 مليون دولار لأنشطة تحقيق الاستقرار في شمال شرق سوريا هذا العام“.

أما عن المناطق التي تشملها الإعفاءات والاستثناء الأمريكي، فتضم مناطق في محافظة حلب وهي منطقة منبج باستثناء ناحيتي الخفسة ومسكنة، ومنطقة الباب باستثناء نواحي تادف ودير حافر ورسم حرمل الإمام وكويرس شرقي وعين العرب، ومنطقة أعزاز باستثناء نواحي تل رفعت ونبل ومنطقة جرابلس، وفي محافظة الرقة، تسري الرخصة الأمريكية في مركز المدينة باستثناء نواحي معدان وتل أبيض، وفي الطبقة باستثناء ناحية المنصورة.

وفي محافظة دير الزور، تضم الاستثناءات الأمريكية مركز المدينة باستثناء مناطق غربي الفرات ونواحي التبني ومنطقتي موحسن وخشام، ومنطقة الميادين باستثناء مناطق غربي الفرات وناحية العشارة، ومنطقة البوكمال باستثناء مناطق غربي الفرات وناحية الجلاء، كما تضم محافظة الحسكة باستثناء حي المالكية ومدينة القامشلي وقضاء رأس العين.

الرد التركي

صرحت واشنطن أن أنقرة لن تعارض الخطة الأمريكية بخصوص استثناء هذه المناطق من العقوبات، عن الموقف التركي، حيث قالت: “أنقرة تعتبر قوات سوريا الديمقراطية جماعة إرهابية، لكنها لن تعارض الترخيص”، وأكدت أن السماح بالاستثمار سيغطي الاستثمار في المناطق التي تسيطر عليها “قسد” والمناطق التي يسيطر عليها “الجيش الوطني” المدعوم من تركيا.

لكن تركيا التي لم تعط موقفًا واضحًا في البداية، أكدت بعد أيام من القرار الأمريكي رفضها للقرار الأمريكي ولمحت باقتراب عملية عسكرية في مناطق حلفاء أمريكا من الأكراد، فقد أوضح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “رفض بلاده للقرار الأمريكي الأخير بإعفاء مناطق شمال شرقي سوريا التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية من العقوبات على سوريا”، وقال أردوغان: “لا يمكن أن نقبل قرار واشنطن الخاطئ بشأن إعفاء مناطق سيطرة التنظيم من العقوبات على سوريا”.

وأشار الرئيس التركي إلى أن “الإدارات الأمريكية قدمت في السنوات الأخيرة كل أنواع المساعدات منها أسلحة وذخائر ومعدات لقسد رغم تحذيرات تركيا”، وفي سياق هذه التصريحات كشف أردوغان أن جيش بلاده سيعلن عن عملية عسكرية ضد حزب العمال الكردستاني شمال شرق سوريا على غرار عملية “المخلب” الجارية الآن في شمال العراق، مؤكدًا أن “أعداد الإرهابيين المحيدين ستزيد خلال الفترة المقبلة مع تحسن ظروف الطقس”، موجهاً كلامه للبلدان التي تتظاهر بالصداقة مع تركيا: “ترتكبون أخطاء، اتخذوا خطوات صحيحة”.

الأهداف المباشرة لإعفاء الشمال السوري من قانون قيصر

أما عن الأهداف من القرار الأمريكي والتوقيت الذي صدر فيه، يرى تقرير “جسور” أن “القرار يأتي في سياق التعافي المبكِّر، فالدول الغربية كانت قد توافقت على ضرورة الدفع بهذه العجلة من خلال مشاريع متوسطة الأمد في سورية بعيدًا عن إعادة الإعمار التي ترفضها ما لم يكن هناك حل سياسي.

وبالأصل، تهدف عملية التعافي المبكر إلى دعم قدرة المجتمعات المحلية على الاعتماد على نفسها وتحريك عجلة الإنتاج بما يضمن تقليل الاعتماد على الأعمال الإغاثية والمعونات الإنسانية، الأمر الذي سيؤدي بالتالي إلى تخفيف العبء عن كاهل المانحين من جهة، وإضعاف قدرة التنظيمات المتطرفة على تجنيد الشباب لأسباب مالية من جهة أخرى“.

وحسب التقرير فإنه “من المتوقع أن تفضي اللوائح المُعلَن عنها إلى تعزيز دخول مؤسسات غير ربحية بشكل أكبر لدعم برامج التعافي المبكر وإقامة مشاريع صغيرة تطور من بِنْية القطاع العام وتساهم في تطوير البِنَى التحتية، كذلك يُتوقَّع أن تدخل بعض الشركات والأفراد في سبيل دعم عملية الإسكان وإنشاء مشاريع أكبر حجمًا من الماضي، كما قد تشهد المنطقة تدفُّق تقنيات اتصال ومَيْكَنَة زراعية وصناعية متطورة نسبيًا، وافتتاح مكاتب حوالات رسمية مرخَّصة”.

إذاً دعم هذه الاستثمارات في الشمال السوري يأتي من باب تخفيف الضغط عن خزائن الدول الغربية المانحة للمساعدات من جهة ولفرض المزيد من السيطرة على الأرض بين الجهات والدول المتنازعة وخاصة التركي والأميركي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى