تقارير

قافلة شتات جديدة يبدؤها سوريون و اليونان تغلق أبوابها و تعزز انتهاكاتها

الإباء / متابعة

بعد أن أنهكهم الوضع المعيشي و ظروف العمل و إجراءات التضييق قرر اللاجئون السوريون في تركيا تنظيم رحلات جماعية باتجاه أوروبا لكن المشهد في أوروبا و خصوصا بعد الحرب الروسية الأوركرانية و وصول آلاف اللاجئين الأوكرانيين الذين استقبلوا بأذرع مفتوجة في اليونان أظهر و بوضوح سياسة اليونان القائمة على الكيل بمكيالين و كانت قد أظهرت جريمة قتل اليونان للاجئين برداً على الحدود مع تركيا بشاعة السياسة اليونانية وبؤسها، والنفاق الغربي الذي بدا كأنه يقبل الجريمة ويبررها، بل يحاول إيجاد سياقات مقبولة لها.

انتهاكات يونانية لللاجئين

تؤكد تقارير حقوقية متعددة أن القوات اليونانية تتعامل بعدوانية غير مبررة مع طالبي اللجوء، عبر استخدام أدوات حادة لإغراقهم مع قواربهم، وإطلاق النار والتهديد بالسلاح في عمليات الصد والإرجاع، ما يمثل انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان. ونهاية تموز الماضي، توفي 3 طالبي لجوء نتيجة تدهور حالتهم الصحية، بعد أن احتجزتهم اليونان مع 50 شخصاً آخرين لمدة 11 يوماً في جزيرة معزولة وسط نهر إيفروس الحدودي مع تركيا. وقالت ديميترا كالوجيروبولو مديرة لجنة الإنقاذ الدولية باليونان: “يُبرز الوضع الذي شهدناه على الحدود في إيفروس وحشية عمليات إبعاد اللاجئين التي نعرف أنها تحدث على الحدود في أرجاء أوروبا”.

وأوضحت منظمة “هاتف منبه” أن ثلاثة رجال لقوا مصرعهم خلال عملية الإعادة الإجبارية، أحدهم تعرض لضرب مبرّح، واثنان تعرضا للغرق في النهر، بعد أن دفعت السلطات اليونانية طالبي اللجوء إلى الجزيرة، في حين انضمت مجموعة ثانية من طالبي اللجوء إلى المجموعة الأولى. وتقع الجزيرة في نهر إفروس على الأراضي اليونانية بالقرب من الحدود التركية، وتعتبر منطقة إفروس الحدودية عسكرية جداً، ولا يمكن لمنظمات الإغاثة والمنظمات غير الحكومية الوصول إليها.

و جاء مؤخراً نشر مقطع مصور لمصرع 6 طالبي لجوء في بحر إيجة ليؤكد على الانتهاكات اليونانية لطالبي اللجوء في حادثة حصلت قبل يومين، قال مجموعة من طالبي اللجوء إن السلطات اليونانية وضعتهم في 4 قوارب مطاطية وسرقت منهم أموالهم وأشياءهم الثمينة ودفعتهم نحو المياه الإقليمية التركية.

وقضى خلال الحادثة المذكورة آنفا، حسب خفر السواحل التركي، 6 أشخاص غرقاً، بينهم رضيعان و3 أطفال، في حين أشار إلى أنه أنقذ 7 أشخاص وبقي 5 في عداد المفقودين، بينهم رضيعان.

وقال الناجون آنذاك إنهم انطلقوا من لبنان بتاريخ 10 أيلول الحالي على متن قارب خشبي طوله 15 متراً نحو إيطاليا، إلا أن الوقود نفد منهم، ما دفعهم لطلب المساعدة من السلطات اليونانية.

قتل عمد

كانت اليونان قد ألقت في شباط الماضي و في ذروة العاصفة الثلجية التي ضربت المنطقة آنذاك  بعشرات اللاجئين إلى المنطقة الحدودية مع تركيا بعد تجريدهم من ثيابهم وحتى أحذيتهم دون طعام أو شراب. الجريمة اليونانية الموصوفة أدت إلى مقتل 19 لاجئاً برداً وتجمُّداً وإصابة آخرين. وبدت نية القتل واضحة جلية هنا دون أدنى شك وبأبشع طريقة ممكنة في تَصرُّف بربري وهمجي يتناقض مع المواثيق والقوانين الدولية ذات الصلة.

الجريمة سلطت الضوء مرة أخرى على الممارسات، بل الجرائم اليونانية المنهجية تجاه اللاجئين لجهة تجاوز القوانين والمواثيق الإنسانية الدولية وحتى الأوروبية التي تلتزمها أثينا نظرياً، علماً أنها عضو في الاتحاد الأوروبي مع الانتباه إلى أن المنظمات الحقوقية الدولية تتحدث منذ سنوات في تقاريرها وفيديوهاتها الموثَّقة وبشكل متواصل عن سوء معاملة أثينا للاجئين والاعتداء عليهم جسدياً والتنكيل بهم بكل الوسائل بما في ذلك تعمُّد إغراق قواربهم في البحر لمنعهم من الوصول إلى أراضيها رغم أن هؤلاء محميُّون حسب القانون الإنساني الدولي، إضافة إلى استخدامهم الأراضي اليونانية فقط كممرّ للعبور نحو الدول الأوروبية الأخرى.

إعادة اللاجئين

وسبق أن كشفت الأمم المتحدة عن إعادة اليونان لأكثر من 17 ألف طالب لجوء قسراً إلى تركيا خلال عامي 2020 – 2021، ممن حاولوا الوصول إلى اليونان عن طريق البحر، حسب تقرير حمل عنوان “إجراءات إعادة المهاجرين“.

وحذّر مقرر الأمم المتحدة الخاص بحقوق المهاجرين فيليبي غونزاليس موراليس حينذاك المجتمع الدولي من عواقب محاولات التستر على إجراءات إعادة اللاجئين والمهاجرين، في حين أشار إلى أن هذه الإجراءات أصبحت بمنزلة سياسة دولة في البلدان الأوروبية.

سياسة الكيل بمكيالين

كان الاستقبال الذي حظي به الأوكرانيون إيجابياً بشكل يثير الدهشة، حسب ما ذكرته كليو نيكولوبولو وهي مسؤولة عن حملات المناصرة ومحامية تعمل لدى المجلس اليوناني للاجئين، وأضافت إنه لشيء محبط ألا يتاح هذا النظام للاجئين آخرين.

بوسع الأوكرانيين الذين أشار إليهم وزير الهجرة اليوناني نوتيس ميتاراتشي بأنهم: “لاجئون حقيقيون” خلال شهر آذار الماضي، دخول اليونان بلا تأشيرة، فقد فتحت الحكومة اليونانية منصة رقمية سهلة الاستخدام مخصصة لهم حتى يحددوا موعد التسجيل للحصول على الحماية. وبمجرد أن يتم تسجيلهم، يمنح الأوكرانيون تأميناً اجتماعياً ورقماً ضريبياً يتيح لهم الوصول إلى سوق العمل والرعاية الصحية والسكن والدعم الغذائي، وذلك حسب ما ورد في تقرير أخير نشره المجلس اليوناني للاجئين بالتعاون مع منظمة أوكسفام الدولية ومنظمة أنقذوا الأطفال.

وبالمقارنة، نكتشف بأن هنالك نحو سبعة آلاف طالب لجوء ومهاجر دخلوا اليونان بعدما عبروا بحر إيجة أو بعد قطع الحدود البرية بين اليونان وتركيا حتى هذا الشهر من هذا العام، بيد أن هذا العدد أقل بكثير من مليون شخص، وغالبيتهم سوريون أتوا من تركيا إلى اليونان خلال الفترة الواقعة ما بين عامي 2015 و2016، فضلاً عن الآلاف من الأشخاص الذين دخلوا إلى اليونان طوال السنوات اللاحقة.

منذ آذار 2020، هبطت تلك الأعداد بشكل كبير بعدما أخذت السلطات اليونانية تصد طالبي اللجوء والمهاجرين بشكل ممنهج وتعيدهم إلى الحدود البرية والبحرية التابعة للدولة التي أتوا منها، على الرغم من أن هذا الإجراء مخالف للقانون الدولي. وقد وثق صحفيون ومنظمات حقوقية ومحققون رقميون تلك العمليات بشكل واسع، بيد أن الحكومة اليونانية أنكرت وقوع كل هذا.

بالنسبة لمن يصلون إلى تلك البلاد، تعتبر إجراءات التقدم بطلب لجوء صعبة لدرجة يستحيل معها التقديم، إذ لا يوجد سوى عدد قليل من مراكز اللجوء تقبل تلك الطلبات، كما بقيت منصة المواعيد الرقمية لا تعمل حتى فترة قريبة، حسب ما ذكرته نيكولوبولو.

تعكس قدرة الأوكرانيين على دخول اليونان بأمان من طرق قانونية وتقديمهم لطلب حماية فيها ذلك التناقض الصارخ حسب ما ذكره مدافعون عن حقوق الإنسان، وذلك لأن زيادة عدد تلك الطرق المخصصة للاجئين وطالبي اللجوء القادمين من مناطق أخرى في العالم هو مطلب أمضت منظمات غير حكومية سنوات وهي تحاجج من أجله وفق ما ذكرته مارثا روسو، وهي منسقة رفيعة للمناصرة لدى اللجنة الدولية للإنقاذ في اليونان، إذ تقول: “لا يحتاج الأوكرانيون للاعتماد على المهربين، ولا يمرون بطرق خطرة حتى يصلوا إلى بر الأمان، على الأقل خارج أوكرانيا”.

ردود فعل خجولة

كما الجرائم السابقة لم تثر الجريمة اليونانية الأخيرة للأسف ورغم بشاعتها أي ردود أفعال جدية عالمية غربية تحديداً، ورأينا مثلاً بيانات خجولة جدّاً ومتلعثمة لألمانيا وأمريكا بدت حتى كأنها تتفهم ما يفعله شرطي حرس الحدود اليوناني ودون إدانة قوية للقتل، مع عبارات ضبابية وناعمة لم تصل طبعاً إلى حد الدعوة إلى التحقيق في الجريمة البشعة احتراماً لحقوق الإنسان والقوانين الأوروبية والدولية ذات الصلة.

ختام القول

في قصة اللاجئين والنفاق الغربي، وإضافة إلى ما سبق ولا يقلّ عنه أهمية دعم الغرب المنهجي للأنظمة الاستبدادية وسكوته عن جرائمها في العالم العربي وإفريقيا، علماً أن تلك الأنظمة هي المسؤولة أساساً عن هجرة اللاجئين إثر عجزها عن توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة لمواطنيها. وهنا لا بأس من التذكير بالتحقيق الموثَّق لمنظمات حقوقية دولية عن دعم وتمويل الاتحاد الأوروبي لمعسكرات اعتقال اللاجئين الأفارقة في ليبيا التي تُنتهك فيها حقوقهم بشكل فظّ ومنهجي فقط لمنعهم من الوصول إلى أراضيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى