مقالات

مساعٍ إسرائيليّة لعقد لقاء بين لابيد والملك عبدالله في نيويورك.. ما الذي تریده تل أبيب؟

الإباء / متابعة

في الوقت الذي تمتنع فيه أجهزة أمن السلطة الفلسطينية عن الدخول إلى بعض مناطق الضفة الغربية بموجب أوامر صادرة عن القيادة السياسية لرام الله، بسبب تراجع التنسيق الأمني مع تل أبيب، في ظل تصاعد التوتر الأمنيّ في الضفة منذ أشهر نتيجة تمادي قوات الاحتلال الإسرائيليّ بجرائمها ضد الفلسطينيين وثرواتهم ومقدساتهم، وارتكابها أبشع الجرائم الإرهابيّة في قتلهم وإعدامهم، ذكرت تقارير إعلامية أن مكتب رئيس وزراء الإحتلال الإسرائيلي يائير لابيد يجرى محادثات مع الأردن لتنسيق اجتماع بينه والملك الأردني عبد الله الثاني في نيويورك خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، في وقت تتزايد فيه دعوات تفعيل كل وسائل المقاومة والمواجهة، بسبب مواصلة قوات العدو جرائم الإعدام بدم بارد بحق الفلسطينيين وخاصة في منطقتي نابلس وجنين، حيث يتمثل التصعيد الإسرائيلي باقتحام قوات الاحتلال للمدن الفلسطينية في المنطقة بادعاء تنفيذ حملات اعتقال، وتدور اشتباكات مسلحة بين الحين والآخر الشيء الذي أدى إلى استشهاد عشرات الفلسطينيين وإصابة عدد كبير واعتقال آلاف آخرين.

الطلبات الإسرائيليّة من الأردن

بالاستناد إلى ما ذكرته صحيفة ”يديعوت احرونوت” العبريّة، حول أنّ تل أبيب تسعى لعقد اجتماع لتحسين التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية بسبب نفوذ الأردن على الضفة الغربية، تُثير السياسة الإسرائيليّة “الموتورة” الكثير من التساؤلات، ففي الوقت الذي تخشى فيه “إسرائيل” من انفجار الأوضاع، تمارس سياسة تصعيديّة خطيرة ضد أبناء فلسطين الذين يعيشون حالة غريبة من نوعها من الاحتقان والتوتر المتزايد بسبب العدوان الإسرائيليّ المتعدد الأشكال، والتي يمكن أن تكون الفتيل في إشعال التوتر مجدداً على الساحة الفلسطينيّة، وتقود إلى جولات أخرى من الحرب، قد تدهور الأوضاع بأكملها، وتُبعثر كل الأوراق السياسيّة والأمنيّة في الداخل المحتل وكامل الأراضي الفلسطينيّة.

وعلى هذا الأساس، يسعى الاحتلال لعقد اجتماع بين الملك الذي وقّعت بلاده ثاني اتفاق “استسلام” مع العدو الصهيونيّ الغاشم عام 1994، وتربطها علاقات متنوعة مع تل أبيب، حيث تتصاعد التوترات والمخاوف بالتزامن مع اقتراب العطل الرسمية في الكيان، والتي غالبًا ما تشهد تجمعات كبيرة عند حائط المبكى والتي يمكن أن تثير مخاوف أمنية، وقد أقرّت تل أبيب مؤخراً بـ”الخطر المحتمل” في الضفّة الغربيّة المُحتلّة معترفة أنّه “أعلى من الخطر من جهة قطاع غزّة المحاصر”، كما أشار الإعلام العبريّ إلى أنّ هذا الخطر تجسّد خلال “انتفاضة الأقصى” أو ما يُطلق عليها الانتفاضة الفلسطينيّة الثانيةّ، التي اندلعت بعد قيام رئيس وزراء العدو الأسبق، أرئيل شارون، بزيارة المسجد الأقصى أواخر عام 2000، الأمر الذي اعتبره الفلسطينيون وقتها تدنيساً لأرض المسجد الطاهر، ما أدى لقيام شباب فلسطين بالتصدي لتلك الزيارة رغم أنّه كان بحماية 3 آلاف جنديّ صهيونيّ، ناهيك عن فتراتٍ قصيرةٍ لاحقةٍ اتسمّت بعمليات فرديّة، وذلك في العام 2014 وفي الربيع المنصرم.

من ناحية أُخرى، بيّن موقع “والا” العبريّ، أنّ “إسرائيل” طلبت من عمان الضغط على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لتفعيل أجهزته الأمنية لِلجم موجة عمليات المقاومة في شمال الضفة الغربية المحتلة، فيما ينسب العدو الغاصب إخفاقاته المتكررة إلى أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينيّة، معتبراً أنّه يتحتّم على أجهزة الأمن الفلسطينيّة العمل على لجم ما أسماها “العمليات المسلحة” ضد قوّات العدو ومستوطنيه، والذين بلغ تعدادهم حوالي 700 ألف مستوطنٍ، وتتحدث تقارير صحفيّة أنّ ممارسات أجهزة أمن الاحتلال تسببت بامتناع أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية عن العمل في مناطق شمال الضفة الغربية، مثلما فعلت في السنوات الفائتة في إطار التنسيق الأمنيّ، كي لا تظهر الأجهزة الأمنية كشريكة للاحتلال في حملات الاعتقال والدخول في اشتباكات مسلحة مع أهالي الضفة.

وما ينبغي ذكره، أنّ إحباط السلطة الفلسطينية الشديد من سلوك حكومة وقوات الاحتلال في الضفة الغريبة التي تضعف مكانة حكومة رام الله بشكل لا يوصف، وتتزايد في وقت تتعامل فيه “إسرائيل” مع السلطة بإذلال واستعباد، وقد هاجم مؤخراً رئيس أركان جيش العدو، أفيف كوخافي، ورئيس الشاباك، رونين بار، اللذان اعتادا على التنسيق الأمنيّ، أجهزة الأمن الفلسطينية وأدائها، على الرغم من أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس يتباهى بشكل دائم باستمرار التنسيق الأمنيّ مع العدو وملاحقة المقاومين في الضفة الغربية، حيث فتحت رام الله كل أبواب التعاون مع تل أبيب واستخدم جميع الأساليب الإجراميّة ضد شعبها، مستجديّة العدو الباغي لأنّها تعتبر مقاومته أمراً خاطئاً، ويعلن عباس دوماً استمراره في استخدام منهج الخنوع الذي لم يجلب له سوى الخيبة والهزيمة والاستحقار أمام الفلسطينيين والإسرائيليين حتى.

أيضاً، لا يُنكر فيه المسؤولون الأمنيون التابعون للعدو، أنّ ضعف أجهزة الأمن الفلسطينية ليس نابعا من أداء التنظيمات المسلحة فقط، وإنما من تدهور زاحف في أداء السلطة الفلسطينية بتأثير من تعامل الكيان معها، إذ تعمدت تل أبيب، منذ نهاية الانتفاضة الثانية، تجميد العملية السياسية مع السلطة، لا تكل تل أبيب ولا تمل من اتهام السلطة بالضعف، حيث زعمت قبل بضعة أشهر أنّ قوّات الأمن التابعة للسلطة في رام الله لا تجرؤ على اقتحام مخيم اللاجئين في منطقة جنين، وأكّدت أنّه عمليًا بات تحت سيطرة مَنْ أسمتهم بـ “المُسلحين”، وهذا ما تكرر مجدداً حيث اتهمت السلطة الفلسطينية بـ “العجز”، على الرغم من أنّ السلطة الفلسطينيّة شريكة بشكل كبير في الجرائم التي ترتكبها القوات الإسرائيلية، وتمنع إطلاق يد المقاومة لتقوم بدورها في لجم العدوان الصهيونيّ على الشعب الفلسطينيّ.

وبالتزامن مع ما يمكن وصفه “الشلل الإسرائيليّ” وعدم قدرة تل أبيب على فهم الواقع بشكل جيد، تروّج أجهزة الأمن التابعة للعدو أنها تتحسب من خطاب سيلقيه الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 23 أيلول/سبتمبر الجاري، حيث يُتوقع أن يكون هذا الخطاب شديد اللهجة ضد الإسرائيليين ويؤدي إلى تصاعد أكبر في التوتر الأمني في الضفة، وفقاً لما ذكره الإعلام العبريّ قبل أيام، ووفقاً للإعلام التابع للعدو الإسرائيلي، فإنّ الأردن ضغط على السلطة الفلسطينيّة لعدم الدفع نحو تصويت في مجلس الأمن حول حصول فلسطين على مكانة عضو كامل في الأمم المتحدة، بناء على طلب إسرائيليّ.

الضفة الغربية خارج السيطرة

إنّ أكثر ما يُغضب الإسرائيليين ويدفعهم لممارسة الضغط على الأردن، هو أنّ الضفة الغربية باتت بالفعل خارج سيطرتهم التي يزعمونها، ومن الضروريّ الإشارة إلى أنّ الضفة تشهد مواجهات شبه يومية بين الفلسطينيين وقوات العدو الإسرائيلي الذي ينفذ مداهمات لاعتقال “مطلوبين” في إطار حملة “كاسر الأمواج” التي أطلقها جيش الاحتلال لمواجهة موجة العمليات التي أدت إلى مقتل 18 إسرائيليا على يد فلسطينيين داخل مدن إسرائيلية منذ آذار/مارس الماضي، وقد أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مؤخرا أن إجمالي عدد الشهداء الفلسطينيين في الضفة الغربية ارتفع إلى 98 منذ بداية هذا العام، وهو الرقم الأكبر منذ عام 2015 عندما استشهد 99 فلسطينيا، وتظهر الإحصائيات أن 32 من إجمالي الشهداء الفلسطينيين هذا العام قضوا في جنين شمال الضفة الغربية المحتلة والتي تشهد عمليات اقتحام ومداهمة متصاعدة من قوات الاحتلال العسكريّ.

وتؤكّد معلومات إسرائيليّة تابعة لوزارة الحرب الصهيونيّة، أنّه هذا العام شهد حوالي 140 حادثة إطلاق نار على قوات العدو ومستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية مقابل 61 حادثة طوال العام الفائت، وذلك بالتزامن مع ما يتعرض له الشعب الفلسطينيّ من جرائم وحشية إسرائيلية، وإنّ ما تشهده الضفة الغربية ليس حالة طارئة أبداً، بل صورة غُيبت لعدة سنوات، رغم أنها يجب أن تسود بين قوة احتلالية وشعب يتعرض للاحتلال، وإنّ عمليات إطلاق النار التي تستهدف القوات الصهيونيّة التي تقتحم المدن بشكل مستمر ومتصاعد، كما يجري في جنين ونابلس شمال الضفة على سبيل المثال لا الحصر، تدب الرعب الحقيقيّ في قلوب القيادات الصهيونيّة، في وقت يروجون فيه عبر بعض وسائل إعلامهم أنّ عمليات إطلاق نار سوف تبقى قليلة الأثر، لكن في حال حدوث “ثورة ثالثة” ستنطلق العمليات إلى الشوارع الاستيطانية، أو تستهدف تجمعات الجنود والمستوطنين المنتشرين على مفترقات الطرق، لتصبح بالفعل قوية إلى الحد المطلوب، بدلاً من استهداف آليات مصفحة، أو نقاط عسكرية اسمنتيّة، وهذا بالضبط ما يرعب الصهاينة.

وفي ظل ازدياد عمليات إطلاق نار واستهداف قوات العدو، إلى جانب إلقاء عبوات متفجرة وحارقة نحو العصابات الصهيونيّة، يبدو أنّ الذعر الذي يصيب أركان كيان الاحتلال الغاشم في مكانه، لأنّه ومن غير المعقول أن يسلم الفلسطينيون أرضهم للمحتل الأرعن على طبق من ذهب، رغم التخاذل العربي الفاضح تجاه قضية فلسطين وشعبها المقهور، ليبقى مصير هذه المنطقة مرهوناً بمدى التصعيد الإسرائيليّ.

وحسب تحليلات سياسيّة كثيرة، فإنّ شرارات انتفاضة فلسطينيّة جديدة في الضفة الغربية بات أمراً واقعاً، وإنّ حدوث ذلك سيغير بالفعل من طبيعة الوضع في فلسطين لصالح المقاومة والشعب الرازح تحت نير المُحتل السفاح، ويقود إلى جولة مختلفة من الحرب، قد تدهور الأوضاع بأكملها، وإنّ الفلسطينيين وفصائل المقاومة باستثناء السلطة الفلسطينيّة يدركون بالكامل أنّ التحرر من استعباد وطغيان المحتل الأرعن لا يكون إلا بالمقاومة ولو بأبسط الوسائل، فما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها، وهذا الخيار هو السبيل الأوحد للتصدي لهجمات المستوطنين وعربدتهم المتصاعدة، بما يقطع الطريق أمام قوات الاحتلال وعصاباتهم التي جلبوها من كل أصقاع الأرض ويوقف عربدتهم وتغولهم في أراضي الفلسطينيين، لمحاولة إنهاء الوجود الفلسطينيّ عبر كل الوسائل باعترافهم.

نتيجة لكُل ما ذُكر، إنّ ضغوط الملك الأردنيّ السعيد في علاقاته مع العدو الإسرائيليّ وإن حصلت فلن تُقدم أو تؤخر كثيراً في معركة الوجود الفلسطينيّ، باعتبار أنّ تمادي قوات المحتل الباغي ضد الفلسطينيين وثرواتهم ومقدساتهم، وتصعيد العدوان الهمجيّ الذي لا يتوقف عن قتل المدنيين وتدمير مستقبلهم وتهديد أرواحهم، من شأنه أن يقلب الطاولة على رؤوس العصابات الصهيونيّة في أي لحظة ويخرج زمام الأمور عن السيطرة، وبالتالي ستُفتح أبواب جهنم على الكيان الذي اختار تسخين الأحداث ورفع مستوى الإجرام.

فهل يُعقل أنّ جار الصهاينة المخلص لم يسمع بجرائم الإعدام الميدانيّ وبقتلى الغاز المسيل للدموع أو بحروق القنابل الصوتيّة أو بـ “كاسر الأمواج”، أيعقل أنّ “ملكاً” كهذا لم يشاهد صور انتشار قوات العدو وحملات شرطة الاحتلال في أكثر من مدينة، أو أنّه لم يقرأ في الصحف والمواقع الإخباريّة تصريحات المسؤولين الصهاينة الذي تباهى برغبة كيانه في تنفيذ المزيد من العمليات ضد أصحاب هذه الأرض، كتأكيد للاعتداءات الإسرائيليّة الممنهجة بحق الفلسطينيين بشكل عام ويكشف مدى “العهر السياسيّ” الذي لدى البعض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى