مقالات

استفزازات بيلوسي تتواصل… هذه المرة في كاراباخ

في خضم تصاعد الصراع بين جمهورية أذربيجان وأرمينيا

الإباء / متابعة

مع تصاعد الصراع بين جمهورية أذربيجان وأرمينيا في الأيام الأخيرة، ازدادت المخاوف بشأن اندلاع الحرب في هذه المنطقة، لكن هذه الأزمة وفرت فرصةً جيدةً للأمريكيين للاصطياد في المياه العکرة.

نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأمريكي، والتي هي أكثر نشاطًا في مجال الدبلوماسية من المسؤولين الحكوميين في هذا البلد هذه الأيام، بعد رحلتها المثيرة للتوتر إلى تايوان في أغسطس، اختارت منطقةً متأزمةً أخرى لإثارة واستفزاز الآخرين.

وتحقيقاً لهذه الغاية، وصلت بيلوسي إلى أرمينيا يوم الأحد الماضي على رأس وفد من أعضاء الكونغرس من ولاية كاليفورنيا، لأن كاليفورنيا تستضيف أكبر عدد من السكان الأرمن في العالم.

وفي هذا الإطار، أعلنت السفارة الأمريكية في يريفان أن بيلوسي ستلتقي وتتحدث مع رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان خلال هذه الرحلة.

وحسب بيلوسي، فإن زيارة وفد الكونغرس إلى أرمينيا هي رمز قوي لالتزام هذا البلد الراسخ بالسلام والديمقراطية في أرمينيا، والاستقرار والأمن في منطقة القوقاز.

وأكدت بيلوسي أنه خلال اجتماعات العمل مع سلطات الدولة وأعضاء المجتمع المدني والمؤسسات الأمنية، ستؤكد على الدعم القوي والمستمر من الولايات المتحدة كرئيسة لمجموعة مينسك لحل مشكلة ناغورنو كاراباخ القديمة. يذکر أن بيلوسي هي أعلى مسؤول أمريكي يسافر إلى هناك منذ استقلال البلاد في عام 1991.

على الرغم من أن زيارة بيلوسي لأرمينيا عشية انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، يمكن أن تكون علامةً على جذب رأي اللوبي الأرميني القوي في الولايات المتحدة لدعم الممثلين الديمقراطيين في الانتخابات، ولكن الأهم من القضايا السياسية المحلية، فإن هذه الزيارة وثيقة الصلة بالتطورات التي تحدث على الساحة الدولية.

زيارة بيلوسي إلى يريفان رغم أنها تهدف إلى إرساء الاستقرار ومنع تصعيد التوتر بين أرمينيا وجمهورية أذربيجان، إلا أن هناك أهدافًا أخرى وراء هذا الإجراء.

تأتي زيارة بيلوسي إلى أرمينيا في الوقت الذي اصطفت فيه روسيا والغرب ضد بعضهما البعض بشأن الأزمة الأوكرانية، وبما أن السلطات الأمريكية تستغل كل فرصة لضرب منافستها التقليدية، فقد منحت أزمة كاراباخ واشنطن الفرصة لتنفيذ خططها المناهضة لروسيا.

بالنظر إلى أن زيارة بيلوسي هي فقط لإحدى دول النزاع، إلا أنها تظهر أن هدفها ليس تحقيق الاستقرار في المنطقة، ويمكن أن يكون هذا الإجراء حافزًا لتصعيد التوترات في المنطقة.

يعتبر الصراع في كاراباخ، التي تبعد آلاف الكيلومترات عن الحدود الأمريكية والأوروبية، فرصةً جيدةً لمسؤولي البيت الأبيض لجعل الحدود الجنوبية لروسيا غير آمنة، عبر إذکاء هذا الصراع.

لأنه في حال نشوب حرب واسعة النطاق في هذه المنطقة مثل ما حدث في عام 2020، فإن ذلك سيجعل روسيا تكرس جزءًا من اهتمامها وقوتها العسكرية لإزالة هذه التوترات، وفي هذه الحالة ستكون الأرضية مهيأةً للأوكرانيين حتى يتمكنوا من تحقيق انتصارات ضد الجيش الروسي. وهذا يعني أن الأمريكيين سيضربون عصفورين بحجر واحد، إذ يمكنهم ضرب موسكو في أوكرانيا وزيادة تكاليفها في جنوب القوقاز أيضًا.

على الرغم من أن الولايات المتحدة قد حافظت دائمًا على موقف محايد بشأن قضية كاراباخ في العقود الثلاثة الماضية، وحاولت الحفاظ على علاقاتها مع كلا طرفي الصراع، إلا أن التطورات العالمية جعلت هذا البلد يغير منهجه وفق الظروف، ويميل نحو أحد الجانبين.

كما أن تصريحات أنتوني بلينكين، وزير الخارجية الأمريكي، الذي اتهم أذربيجان بمهاجمة أرمينيا وبنيتها التحتية قبل أيام قليلة، كانت منحازةً إلى حد ما، وتأتي زيارة بيلوسي في اتجاه دعم يريفان ضد باكو أيضًا.

کذلك، بمجرد وصول بيلوسي إلى يريفان، اتهمت الجانب الأذربيجاني بإثارة التوتر في ناغورنو كاراباخ، وقالت إن مسؤولية أي نزاع تقع على عاتق سلطات باكو، وأضافت: “نيابةً عن الكونغرس، ندين بشدة هذه الهجمات، التي تهدد آفاق اتفاق السلام الذي تشتد الحاجة إليه”.

استغلال انفصال موسكو-يريفان

بما أن روسيا كانت أكبر داعم عسكري وسياسي لأرمينيا ضد جمهورية أذربيجان منذ استقلال هذا البلد، ولم تسمح لقوات باكو بالهجوم في كاراباخ، ولكن منذ عامين عندما قامت القوات الأذربيجانية بتحرير العديد من مناطق كاراباخ، انخفض دعم موسكو ليريفان إلى حد ما.

وفي النزاعات الأخيرة أيضًا، طلبت أرمينيا من روسيا دعم هذا البلد ضد استفزازات باكو، لكن سلطات موسكو لم تستجب ودعت الجانبين فقط إلى ممارسة ضبط النفس.

لقد أدى تقليص الدعم الروسي للأرمن، والذي يرجع في الغالب إلى انشغال الروس بأوكرانيا، وإلى توفير ظروف مواتية للولايات المتحدة للاستفادة من الفراغ السياسي الذي نشأ في العلاقات بين موسكو ويريفان.

وتتم زيارة نانسي بيلوسي على هذا الأساس أيضًا، لتقدم الوعود لأرمينيا بشأن الدعم السياسي أو ربما الدعم العسكري من واشنطن. وهو نفس الإجراء الذي قامت به من قبل في تايوان، لضمان دعم واشنطن لهذه الجزيرة ضد الصين.

رسالة واشنطن إلى باكو

زيارة بيلوسي إلى أرمينيا مرتبطة أيضًا بسياسة أذربيجان في التعامل مع الغرب.

فبما أن أذربيجان تميل نحو روسيا منذ عامين تماشياً مع خطط تركيا في المنطقة، وابتعدت عن السياسات الغربية إلى حد ما، لهذا السبب تحاول السلطات الأمريكية إرسال رسالة إلى باكو من خلال تقديم دعم سياسي ليريفان، مفادها بأنه إذا اقتربوا من موسكو، فسوف يفقدون دعم الغرب في الساحة العالمية.

من ناحية أخرى، فإن موقف الغربيين من التوترات في كاراباخ يتعارض مع سياسات باكو. فبالنظر إلى أن أوروبا والولايات المتحدة تحاولان إجبار أذربيجان على تنفيذ اتفاقيات “مينسك” التي تم التوصل إليها في العقدين الماضيين، حتی لا يسمحوا بهذه الطريقة لباكو باستعادة مناطق كاراباخ التي تخضع لسيطرة أرمينيا، فإن هذه القضية أثارت غضب سلطات باكو.

لأن رجال الدولة في باكو يعتقدون أنه عندما يستطيعون استعادة المناطق المحتلة من أراضيهم من أرمينيا بقوتهم العسكرية، فلماذا يستسلمون للدبلوماسية التي يمليها الغربيون، والتي تشكل عقبةً خطيرةً في طريق تقدمهم.

لأن الغربيين، بصفتهم ضامنين لاتفاقيات مينسك، لا يريدون الإخلال بوضع الحدود المرسومة بين أذربيجان وأرمينيا، وهذا يتعارض مع رغبة باكو التي تحاول استعادة كل أراضيها.

على الرغم من أن بيلوسي صرحت بأن زيارتها تهدف إلى تحقيق السلام في كاراباخ، ولکن أظهرت التجربة أن كل مكان معرض للأزمات وطأته أقدام الأمريكيين لم يجلب ذلك سوى الحرب والدمار للشعوب.

لذلك، فإن وجود قوى أجنبية في جنوب القوقاز يشكل تهديدًا خطيرًا للجهات الفاعلة الإقليمية التي تحاول إطفاء نيران الحرب بين باكو ويريفان.

وإيران هي إحدى هذه الدول التي طالما أعربت عن معارضتها لتغيير الحدود بين جمهورية أذربيجان وأرمينيا، ولا تقبل دخول القوى الدولية لحل أزمة ناغورنو كاراباخ والتي لا غرض لها سوى خلق التوتر.

لأن إيران تعتقد أن حل الأزمة في المنطقة يجب أن يتم من قبل الدول الحاضرة فيها، ودخول القوى الأجنبية لن يعالج مشاکل الشعوب فقط، بل على العكس ، يمكن أن يوسع نطاق الأزمة أيضًا.

أمريكا التي رفعت التوتر مع روسيا إلى مستوى غير مسبوق بشن حرب في أوكرانيا وخلقت للعالم تحديات كبيرة، تحاول الآن فتح جبهة جديدة ضد موسكو من خلال تأجيج الأزمة في جنوب القوقاز، وزيادة تكاليف هذا المنافس.

لكن دول المنطقة، التي تدرك السياسات المشؤومة للولايات المتحدة، لن تسمح عبر التعاون مع بعضهم البعض للغربيين برکوب الموجة وخلق أزمة جديدة للمجتمع الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى