مقالات

هل لتركيا أو للغرب يد في توقيت الحرب بين أرمينيا وأذربيجان؟

هدى رزق

الاشتباكات بين أذربيجان وأرمينيا التي اندلعت يوم 13 أيلول/سبتمبر الحالي، أدت إلى خسائر كبيرة لدى الطرفين، ففي أرمينيا قتل ما لا يقل عن 100 جندي، وفي أذربيجان أكثر من 50.

ترد أذربيجان ما حصل إلى “الأعمال التخريبية الواسعة النطاق” التي تقوم بها أرمينيا، باعتبارها سبباً للصراعات.

أما بالنسبة إلى روسيا وتركيا الضالعتين في تفاصيل الأزمة، فقد كانت وحدة روسية انتشرت بعد حرب كاراباخ في المنطقة عام 2020، وكانت تركيا تفترض أنها ستعمل بالتنسيق معها لمراقبة النزاعات، لكن موسكو استبعدتها في هذا المجال.

لم يتوقف تبادل القصف والاتهامات من وقت لآخر منذ 2020، إلا أن توقيت تجدد النزاع اليوم، وعنف المعارك، واستعمال الطائرات المسيّرة من قبل أذربيجان أدى إلى خسائر كبيرة في الأرواح لدى أرمينيا في فترة قياسية، ما أثار الريبة في أن الأمر محضر سلفاً، فمن له مصلحة فعلية في إشعال فتيل الحرب في القوقاز، وفي هذا التوقيت بالذات؟

يكتسب الصراع الأذربيجاني-الأرميني أهميته من حيث التوقيت، إذ يتزامن مع قمة شنغهاي للتعاون التي تعقد في سمرقند، أوزبكستان يومي 15 و16 أيلول/سبتمبر، وعلى هامش القمة، يولي الرئيس رجب طيب إردوغان أهمية كبيرة للقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ظل مستجدات الحرب الأوكرانية، وصفقات الحبوب والغاز الطبيعي والأسلحة، ومحطة أكويو للطاقة النووية وتحويل رأس المال من روسيا، كلها أمور مطروحة على الطاولة، ستضاف إليها مسألة النزاع الآذري -الأرميني.

أجرى الرئيس إردوغان مكالمة هاتفية تضامنية، وقام بتعزية الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، كذلك صرح وزير خارجيته بدعم تركيا لباكو، والطلب إلى يريفان الكف عن القيام بالتحرش على الحدود.

لا شك أن أنقرة ترغب بحل النزاع بين أذربيجان وأرمينيا، لكن لمصلحة باكو، الأمر الذي يمكن أن يعزز الاتحاد التركي –الأذربيجاني، ما يمكنه أن يحمل علييف على الاعتراف، رسمياً، بجمهورية شمال قبرص التركية. وبذلك، يضمن لأنقرة نجاحاً في الصراع مع اليونان وقبرص يخدمها حالياً بدرجة كبيرة. وهي على خلاف مع اليونان بشأن الجزر.

كانت أذربيجان قد وسعت سيطرتها الاقتصادية في تركيا، فشركة النفط الحكومية SOCAR تعد أكبر مستثمر أجنبي منفرد في تركيا، كما يمثل خط أنابيب النفط المزدوج الذي ينقل النفط الأذربيجاني عبر جورجيا إلى محطات التصدير على شاطئ البحر المتوسط ​​التركي، وآخر ينقل الغاز الطبيعي إلى تركيا وإلى أوروبا مصدراً كبيراً للإيرادات التي يستفيد منها الطرفان؛ وهناك الكثير من المصالح التجارية بين علييف وإردوغان.

أذربيجان أيضاً تشعر بمزيد من الثقة، مع تشتيت انتباه روسيا في أوكرانيا.. لقد نزعت الحرب جزئياً الشرعية عن وجود قوة حفظ السلام الروسية في كاراباخ، وعززت طريق النقل “الممر الأوسط” الذي يمر بين تركيا والصين عبر أذربيجان وبحر قزوين وتجاوزت روسيا، ما جعل أوروبا أكثر حرصاً على شراء الغاز الأذربيجاني.

لا شك أن حرب 2020، دفعت باشينيان الذي كان يسعى للابتعاد عن موسكو، إلى أن يدخل أكثر تحت جناحها، إذ أصبحت أرمينيا عضواً في منظمة معاهدة الأمن الجماعي للدول السوفياتية السابقة، كما تحرس القوات الروسية حدود البلاد مع تركيا وأذربيجان وإيران، وتنتشر قوات حفظ سلام لمراقبة خط وقف إطلاق النار المهتز بينها وأذربيجان في ناغورنو كاراباخ وحولها، وكذلك تمتلك روسيا البنية التحتية للطاقة في أرمينيا، وجميع خطوط السكك الحديد الخاصة بها، وتدفع أرمينيا أسعاراً أقل من أسعار السوق للغاز الطبيعي الروسي.

إيران، من جهتها، أعربت عن قلقها من تجدد التوتر والاشتباكات الحدودية بين أذربيجان وأرمينيا، داعية إلى “حلّ الخلافات عبر القانون الدولي”، وعدّت أي تغيير للحدود بين البلدين غير مقبول، وهي تراقب بقلق الاشتباكات الحدودية؛ نظراً إلى تداعياتها المحتملة الكبيرة على حدودها، وموقعها الجيوسياسي في القوقاز الجنوبي، إذ إن الربط البري بين نخجوان وأذربيجان لوصول تركيا إلى آسيا الوسطى يمكنه التأثير في الطريق التي تربط بين إيران وأرمينيا وبين إيران وأوروبا، ما قد يؤثر في نفوذ إيران الجيوسياسي في القوقاز.

كان الرئيس بوتين حذر الغرب من فتح مناطق نزاع جديدة، وذكر عدداً من القضايا التي يتم العبث بها، أتى ذلك بعد زيارة وليام بيرنز، مدير وكالة المخابرات الأميركية، في 12 تموز/يوليو إلى أرمينيا، ولقائه كلاً من رئيس الوزراء ورئيس الأركان العامة للجيش الأرميني. بعد 4 أيام، قام رئيس المخابرات الروسية في 19 تموز/يوليو، بزيارة هذه المرة إلى يريفان للقاء باشينيان.

تواصلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مع زعماء كل من أرمينيا وأذربيجان، للمطالبة بعدم التصعيد، فيما طالب باشينيان بقرار من مجلس الأمن. في الوقت عينه، تحدث قائد الأركان الأرميني هاتفياً إلى نظيره الروسي صباح الثلاثاء، واتفقا على اتخاذ خطوات من أجل استقرار الوضع على الحدود الأرمينية -الأذربيجانية.

هل يحاول الغرب إحياء اتفاق مينسك والعودة إلى القوقاز، وهو الحديقة الخلفية لروسيا. موسكو وسيط رئيسي في المنطقة، وحليف لأرمينيا في منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها. وكانت إلى جانب الولايات المتحدة وفرنسا في قيادة مجموعة مينسك، إلا أنها لا ترى مصلحة في إعادة إحيائها. بينما يبدو الاهتمام الغربي واضحاً هذه المرة في ظل الحرب الأوكرانية-الروسية والحاجة إلى الغاز، وهو أقام علاقات مع باكو من أجل تعزيز جر الغاز إلى أوروبا، ما جعلها تعتقد بأنه يمكنها أن تفرض ما تطمح إليه في حربها مع أرمينيا التي بدورها تفعّل اللوبي الأرميني في الغرب للمطالبة بالمساعدة.

طرحت فرنسا موضوع الاشتباكات بين أرمينيا وأذربيجان في مجلس الأمن الدولي، وقام غوتيريش بالاتصال بالرئيس الروسي ليبدي قلقه، وصرح وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، بأن على روسيا أن تفعّل دورها. علماً بأن موسكو تواصلت مع الطرفين، وحثّت الجانبين على الالتزام بوقف إطلاق النار، وعقدت اجتماعات للبلدين، فهل يضطر الروسي إلى إدخال التركي عنصراً مقرراً إلى جانبه كقوة حفظ سلام تمون على باكو، كما كانت أنقرة تريد في العام 2020، وباءت مساعيها بالفشل، من أجل إبعاد شبح التدخل الغربي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى