مقالات

“التعاون بين الخصوم” لتطوير المؤسسات والمنظمات

علي شهاب

صاغ عالِم النفس الأميركي – الإسرائيلي، دايفيد كاينمان، عبارة “التعاون العدائي”، أو التعاون بين الخصوم، للمرة الأولى في أواخر تسعينيات القرن العشرين. ولمن لا يعلم، فإن كاينمان هو من أهم علماء النفس في عصرنا الحديث، وهو صاحب نظريات عريضة في علم الاقتصاد السلوكي. درس الرياضيات بعد علم النفس، وتعلّم كتابة عدد من لغات البرمجة، وعمل على اكتساب أكثر من مهارة عملية، وتعمّق في معارف شتّى.

شكلّ جيش الاحتلال الإسرائيلي ساحة اختبار واسعة بالنسبة إلى عالِم النفس، الذي بات يُعَدّ واحداً من أبرز المفكرين حول العالم، إذ يُنقَل عنه أنه كان يختار فِرَقَه البحثية في جيش الاحتلال من جنود يعارضونه في الرأي، معلّلاً ذلك بأن أفضل نتاجات التفكير والإبداع يولّدها اختلاف الرأي في فريقه.

في عام 2003، وصف كاينمان، في ورقة علمية نفسية، الجدلَ بين العلماء بأنه “مَضْيَعة للجهود”. ومع أن عبارة “التعاون العدائي”، أو التعاون بين الخصوم، لا تمتلك خصائص الحداثة لغوياً، لكنّ وضعها في سياق العمل أعطاها مفهوماً فريداً.

والآن، كم نواجه من المدراء والقادة، الذين يُصرون على ممارسات خاطئة نتيجةَ اعتبارات غير مهنية؟ كيف يمكن التعامل مع هؤلاء، وكشف “حِيَلهم”؟

“خدعة” الكاريزما والقيادة

في دراسة علمية، تناولت عيّنة من 1000 شركة عالمية، تم تصنيف 11 شركة فقط بأنها تملك نمواً مستداماً، وثباتاً في الأداء المرتفع.

أجرى الدراسة، التي استمرّت 5 أعوام، الأكاديمي في جامعة “ستانفورد”، جيم كولينز، الذي نشر النتائج في كتابه الشهير “جيد إلى عظيم” (Good To Great).

وفق دراسة كولينز، التي باتت مرجعاً للشركات والمنظمات التي تسعى للتطور، تَبَيَّنَ أن القاسم المشترك بين الشركات الناجحة هو وجود “قائد” (مدير تنفيذي) متواضع، لا يهتم كثيراً بمظهره الخارجي، ولا يسعى لفرض شخصيته، ويتميز بهدوئه، لكنه، في المقابل، شديد الطموح وصلب الإرادة.

يمكن تصنيف القائد أو المدير المتواضع، بأنه ذلك الذي:

–      يعترف بأخطائه.

–      يستمع إلى الملاحظات.

–      يستمدّ المساعدة من الخبراء من حوله.

لكنّ هناك مفهوماً غير علمي، شائعاً بين البشر منذ القِدَم، مفاده أن الكاريزما وحدها دليل على نجاح القائد، ذلك بأن الناس تتأثر بسهولة بالمظاهر ونبرة الصوت والخطاب العاطفي.

في الحقيقة، فإن الكاريزما تُضْعف القيادة نتيجة أسباب ثلاثة، هي:

1-               النرجسيون والسايكوباثيون متمرّسون في الإغواء والتلاعب (وهذا سبب جاذبيتهم وسحرهم الخاصَّين!). هم أصحاب كاريزما فعلاً، لكن الدراسات العلمية تُثبت، بصورة قاطعة، أن هذا النوع من الأشخاص، حين يتولى القيادة، يدمّر المؤسسة أو المنظمة. فهم يَعِدون بأمور لا يستطيعون تحقيقها، ويبالغون في تصوير إنجازاتهم، ولا يبالون بالانتقادات، بل يقمعونها، ولا يجيدون إدارة الموارد بعقلانية.

2-               التواضع هو السمة الرئيسة للقادة الناجحين، لكنه يجب أن يقترن بالكفاءة (وإلا عدّك الناس البسطاء ضعيفاً). ويمكن تحديد الإداري المتواضع عبر تمييز سلوكيات لديه، كتقبّل الملاحظات بهدف تطوير ذاته. وعادة ما يغفل أصحاب الكاريزما سمة التواضع، إلّا من رحم ربي.

3-               تقدير نقاط قوة الآخرين وخبراتهم، والانفتاح على تقبُّل الأفكار الجديدة بهدف التغيير والتطوير، إذ لا يكفي الاعتراف بقدرات الآخرين من دون اتخاذ إجراءات عملية للاستفادة من هذه القدرات والآراء المخالفة. وهذه المسألة تكاد تكون سمة نادرة لدى القادة، الذين يدفعهم الطموح والتنافسية الشديدان إلى تفضيل إغفال أي تعاون مع أصحاب الخبرة والمعرفة، والاعتماد بدلاً من ذلك على أشخاص تنفيذيين يؤدّون ما يطلبونه منهم من دون نقاش.

أهمية التعاون العدائي

لنفترضْ أننا وضعنا مجموعة من العلماء – الحكماء في أي مجال من العلوم في قاعة واحدة، ليبحثوا عن  جواب عن سؤال في مجال تخصصهم. قد يختلف هؤلاء العلماء في الآراء، لكنهم بالتأكيد سيتعاونون من أجل كشف الحقيقة، ذلك بأن غاية العلم هي مساعدة البشر على الازدهار. وبما أن المعنيين بإيجاد الحلول هم علماء حكماء، فإنهم يتشاركون في الهدف نفسه، حتى لو اصطدموا، في مرحلة من المراحل، بتعارض أبحاثهم.

بناءً عليه، يعرّف كاينمان “التعاون العدائي” بأنه “جهد مصحوب بحسن النية لإجراء مناقشات من خلال بحث مشترك” كي يُسفر عن “حكم متفَق عليه لجمع البيانات وقيادة المشروع”.

كاينمان نفسه اختبر، عدة مرات، العمل مع “خصوم” له.

يناقش البعض أن إحدى الإشكاليات أمام نظرية “التعاون بين الخصوم” في الإدارة هي احتمال تحيُّز البشر عند تقييم المعلومات، إذا كانت تتناقض مع قناعاتهم وتحيّزاتهم.

في الواقع، فإن أحد الحلول المقترحة في هذا المجال هو وجود سلطة مركزية قوية داخل المنظمة، يمكنها ممارسة ضغوط على مختلف الأطراف (بما فيها المدير التنفيذي) لتكون موضوعية ومتوجهة نحو الهدف المنشود.

ومع التحول الواسع، الذي يشهده العالم في كلّ المجالات، في الاعتماد على البيانات، يمكن تطبيق هذه النظرية السلوكية في أي مجال تقريباً.

نستثني من هذا التعميم أولئك المرتبطين بدوائر سياسية، أو المدراء المنخرطين في عملية تعارض للمصالح، علماً بأن البيانات نفسها عندها توفر قوة لكشفهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى