مقالات

3 مليارات دولار خسارة آبار النفط وحدها: الوجه الآخر لتحالف محاربة “داعش”

زياد غصن

هي المرة الأولى، التي تتحدث فيها دمشق بالأرقام والبيانات الإحصائية عن بعض الخسارات التي تعرضت لها البلاد جراء حملة القصف الجوي، التي شنها ويشنها، ما يسمى التحالف الدولي لمحاربة “داعش”، إذ بحسب عملية تقويم الخسارة التي تجريها وزارة النفط والثروة المعدنية وتحدّثها دورياً، فإن قصف طائرات التحالف الدولي حقول وآبار النفط بذريعة استهداف مقاتلي تنظيم “داعش” أسفر عن حدوث خسارة مباشرة وصلت قيمتها إلى نحو 2.8 مليار دولار، وإذا ما جرت إضافة الخسارة الناجمة عن العمليات العسكرية إلى وحدات “قسد” والفصائل المسلحة بمختلف تسمياتها ومرجعيتها داخل الحقول النفطية، وما سُرق ونهب من معدات وآليات، فإن الرقم يرتفع إلى أكثر من 6 مليارات دولار.

واستباقاً لمحاولات التبرير المعتادة، التي تتخذ من “داعش” شمّاعةً لكل الانتهاكات، فإن مصادر وزارة النفط والثروة المعدنية تؤكد في حديثها إلى “الميادين نت” أن طائرات ما يسمى التحالف كانت في استهدافها لحقول النفط تركز على فوهات الآبار، التي لا يزيد قطرها عادةً على بضعة سنتيمترات، وهو ما يؤكد أن تلك الطائرات كانت تستخدم أسلحة دقيقة جداً، ما جعل النفط يتدفق عالياً جداً ويحترق. فإذا كانت غاية طائرات التحالف النيل من مقاتلي تنظيم “داعش” فما علاقة فوّهات الآبار بذلك؟

التحليلات بمعظمها تذهب إلى أن الولايات المتحدة الأميركية كانت تفعل ذلك خشية أن تقع هذه الآبار لاحقاً تحت سيطرة وحدات الجيش السوري، التي كانت تخوض حرباً على بضع جبهات على التنظيم في مناطق عدة، وتالياً فإن تخريبها وإخراجها من الخدمة، من شأنه أن يعرقل فرص الحكومة السورية في استثمار تلك الآبار، لاسيما في ظل العقوبات التكنولوجية ضد قطاع النفط السوري. وهذه سياسة غربية، وأميركية بالذات، جرى تنفيذها في دول كثيرة من العالم.

خسارة كثيرة

إلى جانب أرواح كثير من المدنيين الأبرياء، الذين يقدر عددهم بالآلاف، وكانوا عرضة لصواريخ وقنابل طائرات التحالف الدولي، فإن الخسارة لا تقف عند قطاع النفط والثروة المعدنية الذي لا يزال نفطه يُسرق وينهب ويهرّب إلى الآن، وإنما تمتد لتشمل قطاعات أخرى عديدة، وهو ما يجعل من عملية توثيق هذه الخسارة والأضرار ضرورةً ملحة أمام الحكومة السورية تمهيداً لملاحقة مستقبلية للمسؤولين عنها أمام المحافل الدولية، والمطالبة بتعويضات للدولة والمواطنين السوريين المتضررين، لاسيما أن التحالف المذكور تشكل وعمل بشكل مخالف للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن الدولي، فضلاً عن أن انتشار قواته على الأرض السورية يجري على نحو غير شرعي.

ولعل ما تعرّضت له أحياء مدينة الرقة ومنشآتها ومساكنها من تدمير واسع، يشكل نموذجاً ماثلاً إلى العيان عما أحدثته طائرات التحالف الغربي من خسارة فادحة طاولت ممتلكات المواطنين العاديين. ويمكن قياس تلك الخسارة من خلال إجراء مقاربة يسيرة للخسارة الناجمة عن التدمير الكلي والجزئي لمعظم مساكن المحافظة، التي تقول البيانات السورية الرسمية إن عددها بلغ قبل الحرب نحو 148.4 ألف مسكن، منها 63.5 ألف مسكن في الحضَر، و84.9 ألف مسكن في الريف. وإذا اعتبرنا أن هناك 50 ألف مسكن ومبنىً في المحافظة تعرّضت للتدمير كلياً أو جزئياً، بناء على ما خلَصت إليه التقارير الدولية وصور الأقمار الصناعية، فإن تكلفة إعادة إعمارها تحتاج إلى أكثر من 800 مليون دولار، لاسيما أن من بينها مستشفيات، ومعامل وشركات، ومدارس، وشبكات مياه وكهرباء.

وترتفع التكلفة إلى أكثر من ذلك باحتساب الخسارة الناجمة عن تخريب البنى التحتية والمرافق الخدمية من جسور على نهر الفرات دمرت كلياً، وطرق رئيسة تربط محافظات المنطقة الشرقية، وغير ذلك.

القطاع الآخر الذي تعرض لخسارة كبيرة جراء النشاطات العسكرية للتحالف هو قطاع الزراعة، الذي تتميز خسارته بأنها ممتدة زمنية وقابلة للتفاقم مستقبلاً. فإلى جانب ما نجم من تخريبٍ وتدمير واسعَين لشبكات الري والمحاصيل الزراعية ومنشآت القطاع الأساسية المعنية بتوفير مستلزمات الزراعة، فإن تلوث التربة والمياه يشكل على المدى البعيد تهديداً خطراً لصحة الناس وإنتاجية المساحات المزروعة والعناصر البيئية للمنطقة. وعلى هذا، فالتقديرات الأولية للباحثين تتحدث عن ضرورة العمل لتنفيذ برامج خاصة تعيد إصلاح التربة وتنقية المياه ومعالجة أسباب تلوثها، وما يستدعيه ذلك من توفير أموال كبيرة لتمويل تلك البرامج.

باختصار، يمكن وضع الأضرار والخسارة التي تسببت بها عمليات التحالف الدولي في خانتين: الأولى تتمثّل في الخسارة البشرية والاقتصادية والاجتماعية المباشرة. وهذه يمكن تقديرها وإحصاؤها. والثانية وتتضمن الخسارة المستمرة والممتدة زمنياً لفترات آتية، وهي تكاد توازي في خطرها وحجمها خسارة الخانة الأولى. وعليه فإن ملاحقة الدول المشاركة في عمليات التحالف هي حق مشروع للسوريين، وغير مقترن بزمن محدد ولا بتسويات سياسية. واليوم هناك دول كثيرة تطالب بتعويضات عن استعمارها قبل بضعة عقود من الزمن.

خارج السيطرة

إن أكثر ما يعوّق توثيق الخسارة والأضرار الحاصلة جراء عمليات التحالف المذكور، هو أن المناطق المتضررة لا تزال بمعظمها تحت سيطرة وحدات “قسد” المدعومة أميركياً، التي ساعدتها حملة القصف الجوي في السيطرة على مناطق واسعة من الجزيرة السورية، فضلاً عن مسؤوليتها في حدوث جانب ليس بالقليل من تلك الخسارة، وتالياً فإن “قسد” لن تسمح، وغير معنية بالعمل على القيام بذلك المسح والتوثيق، لكن ذلك لا يمكن أن يعوّق الوصول إلى تقديرات أولية، نظراً إلى قاعدة البيانات الضخمة التي تمتلكها الحكومة السورية عن تلك المناطق قبل الحرب وخلالها، إذ يمكن، ومن خلال بعض النماذج العلمية، حصر تلك الأضرار على نحو مبدئي، وتقدير مختلف أشكال الخسارة، ريثما تتمكن المؤسسات الحكومية وفرقها الخبيرة من العمل على الأرض وتقديم إحصاءات دقيقة وشفافة تكون مستنداً يقدّم إلى المحافل والمنظمات الدولية، وتكون كذلك في متناول الرأي العام للوقوف على حقيقة الأهداف الرئيسة من إنشاء مثل هذه التحالفات خارج مظلة الأمم المتحدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى