مقالات

عقل الفيلسوف وثأرية القبيلة

محمد جرادات

“الجنرال الفيلسوف” هو توصيف يلخّص مجمل السياسة الإسرائيلية. أطلقه الإعلام العبري على رئيس أركان الجيش الجديد هرتسي هليفي بتفاخر سطحيّ، وهو توصيف يعكس دوامة هذا الكيان وهو يتخبّط في عقده الأخير بين اعتباره العلماني الديمقراطي المنبثق من قيم الحضارة الغربية المعاصرة في تقديسها العلوم الفلسفية التي أطلقت الثورة الصناعية على أطلال التحجّر الديني الكنسي، والاعتبار الديني اليهودي اليميني المتطرف الذي يمسك بكامل تلابيب هذه السياسة الوحشية، وهي تمازج بين التطرف الديني والتطرف العلماني في طبيعة ائتلافها الحاكم.

قائد الأركان الجديد يشغل منصب رئيس الاستخبارات العسكرية في “جيش” الاحتلال منذ عام 2014، وهو حاصل على درجة بكالوريوس في الفلسفة وإدارة الأعمال من “الجامعة العبرية” في القدس، ودرجة ماجستير في إدارة الموارد الوطنية من “جامعة الأمن القومي” في واشنطن، بما يؤهله للوهلة الأولى لرؤية حقيقة الميدان وخلفياته الاجتماعية وتفاعلاته السياسية، وهي حقائق عبّر رئيس الشاباك رونين بار عن عجز جهازه الضليع في مواجهتها، بقوله إن الأوضاع الميدانية في الضفة أسوأ مما يتم تداوله في الإعلام.

سبق لرئيس أركان إسرائيلي سابق هو موفاز أن أطلق قبل أكثر من عقدين من الزمن مسمى “كيّ الوعي” في عمليات “جيشه” الوحشية، التي حاول في ذروتها مسح جنين عن الخريطة بالجرافات والبلدوزرات والدبابات والطيران الحربي، فخسر العشرات من ضباطه وجنوده في معركة غير متكافئة، فإذا بجنين بعد عقدين تدفع الوطن نحو الاشتباك الدائم عبر جيل ولد على سياسة “كيّ الوعي”، وإذا بهذا الوعي يستعيد ذاته الجذرية، ليرى “إسرائيل” مجرد مستوطنة يجب أن تزول، كما زالت نتساريم من غلاف غزة قبل أقل من عقدين من الزمن.

يأتي الجنرال الفيلسوف هليفي لاستلام “جيش” يشنّ هجمات شبه يومية على جنين، لإنهاك كتيبتها التي أطلقتها “سرايا القدس” عقب معجزة “نفق الحرية”، وهو يجد كتائب “جيشه” في كفير والناحال تتعرّض لضربات نوعية، فكتيبة كفير تلقّت ضربة في الغور، والناحال فقدت قائداً في حاجز الجلمة، بما يسارع إلى تحول هذا “الجيش” نحو شريعة القبيلة الثأرية في معظم هجماته، وهو يتماهى مع تحريض إيتمار بن غفير، في وقت تعطي استطلاعات الرأي للانتخابات القادمة بن غفير مقاعد أكثر مع تصاعد سلوكه الصبياني، وهو يواكب كل هجوم فاشل لـ”الجيش”، داعياً إلى استخدام الطائرات في قصف التجمعات الفلسطينية حتى من دون خطر أمني محدق.

إن متتبع طبيعة الهجمات الأمنية الإسرائيلية في جنين والضفة يجد أن أغلبها ثأريّ، وليس أمنياً، فهو انسياق خلف البروباغندا الإعلامية ليوني بن مناحيم وأمير بوخبوط وغيرهما من شلة المخضرمين في الإعلام العبري، فقد جاء الهجوم على قرية كفر دان غرب جنين، الذي استشهد فيه فتى فلسطيني وأصيب كثيرون، بعد قيام اثنين من أبنائها بمهاجمة حاجز الجلمة الذي يذيق المواطنين الفلسطينيين الذل منذ عقود، وهو ما حصل سابقاً، بعد عملية حومش ضد الحارثية، وبعد عملية “تل أبيب” ضد يعبد، وبعد عملية ديزنجوف ضد المخيم، وبعد عملية الغور ضد الحي الشرقي في جنين، وفيها وغيرها الكثير نزف الدم الفلسطيني، في رسالة صريحة بأنّ “الجيش” الإسرائيلي يثأر لجنوده بقتل المدنيين الفلسطينيين.

الأمر ربما تجاوز العقلية الثأرية القبلية إلى ما هو افتعال أحداث ودمغها بأثر سياسي أمني، وهو ما حصل بعد قتل “إسرائيل” الإعلامية شيرين أبو عاقلة، عندما عاد هذا “الجيش” بعد يومين من الجريمة إلى المنطقة نفسها، ليحاصر شاباً فلسطينياً، هو الأسير محمود الدبعي، زاعماً أنه الخزنة السرية للجهاد الإسلامي.

وقد تم قصف منزله بالصواريخ، وخسر الجيش وقتها ضابطاً برصاص شباب الكتيبة التي هرعت لمواجهة هذا الهجوم، ليتبين لاحقاً أنَّ الشاب خضع على مدار شهرين لتعذيب شديد في أقبية التحقيق، ليقول أيّ كلمة يتهم بها نفسه بإطلاق النار تجاه المكان الذي قتل به “الجيش” شيرين، بما يؤكد حقيقة السياسة الأمنية لهذا “الجيش”، في وقت تَطلّب أن يقوده رجل فلسفة، لعلَّه عبرها يعي حقائق ما خلف الميدان العسكري.

الفلسفة هي حبّ الحكمة، وفق الفهم الإنسانيّ، ولكنها، وفق العقل الليبرالي أو الصهيوني، تعني سبر غور المادة لاكتشاف بواطنها، وهي في عقل جنرال يحتلّ مقدرات شعب آخر لا تتجاوز فلسفة الميدان القتالي، ليُعمِل ملكات خبثه في إدارة المعركة توفيراً لذرائعها، بما يجعل الوحشية ضد جنين رأفة بساكن “تل أبيب” و”أرئيل”، وهو ساكن من أصل أوكراني أو أميركي يحمل عدة جوازات سفر، على حساب لاجئ فلسطيني تم تهجير جده من يافا ليسكن أزقة المخيم، وليس من حقه أن يقاوم جنوداً يقتحمون بيته مدججين بأعتى أسلحة الغرب، بما يتطلب استدعاء علم الفلسفة وتطويعها بعد فشل المنظومة الإعلامية، بما فيها التطبيعية، في تسويغها للرأي العام العالمي، بعدما أخذ يبصر بعض حقائق الظلم الذي طال أمده على الشعب الفلسطيني.

عجزت فلسفة أرسطو في مهدها عن تسويغ العبودية لأثرياء أثينا، فهل تنجح فلسفة جنرال في تسويغ الوحشية، وقد نهض لتفتيت أسنانها شبان يافعون يملكون ثقافة تدحض كل فلسفات الغرب وأباطيله. إنها ثقافة أحمد عابد الذي ظهر في فيديو سابق بلباسه العسكري الرسمي، يربط أحزمة حذاء عجوز أمام باب المسجد. وعندما صاغ حروف وصيته قبل الهجوم على وكر الجلمة الاحتلالي، ختم قائلاً لإخوانه: “يجب أن ندرك أن القضية الفلسطينية ليست قضية سياسية ولا تنظيمية، إنما هي قضية عقائدية دينية”، بما يعكس منظومة فلسفية أخلاقية متماسكة، تنقض عرى فلسفة الجنرال، وتثبت أصل الحق الذي لا مراء فيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى