الدين و الحياة

سلوك المتقين وسلامة منطقهم

الإباء / متابعة

وردت عدة عبارات في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) حول طبيعة منطق وكلام المتقين، من قبيل: (منْطِقُهُمُ الصّوابُ _ بعيدا فحشه _ ليّنا قوله _ إِنْ صمت لمْ يغُمّهُ صمْتُهُ).

وفي سياق التوسعة حول هذا العنوان يمكن القول: إن اللسان من أصغر الجوارح وأخطرها على مصير الإنسان، ومن أصعب الجوارح ضبطا وسيطرة، والمتقون قد استطاعوا السيطرة على هذا اللسان، هذه السيطرة التي تظهر من خلال المفردات التالية:

1 – منطق صواب أو صمت:
إن نطقوا فمنطقهم الصواب، فلا يسكتون عما ينبغي أن يقال فيكونون مفرّطين، ولا يقولون ما ينبغي أن يسكت عنه فيكونون مفرطين، “إن صمت لم يغمه صمته، وإن ضحك لم يعل صوته”.

الإنسان بأمس الحاجة إلى ما يعالج همومه وغمومه وتخيلاته النفسية التى تقوده إلى الاضطراب والقلق النفسي والصمت الواعي خير علاج لذلك.

والصمت المقصود هو الذي يرجع على الإنسان بمردود إيجابي في مختلف حياته الدنيوية والاخروية.

وله مميزات وثمار ونتائج عديدة على مستوى:

* التربية الفكرية: قال أبو الحسن عليه السلام: “من علامات الفقه العلم والحلم والصمت، إن الصمت باب من أبواب الحكمة، إن الصمت يكسب المحبة إنه دليل على كل خير”([1]).

* التربية الروحية: لأن له مدخلية كبيرة في تطهير القلب وتهذيب النفس الأمارة بالسوء ومقدمة للعبادة بل من أفضل العبادات حيث يحقق الهدف للعبادة. ففي (ثواب الأعمال) و(الخصال) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: “ما عبد الله بشيء مثل الصمت، والمشي إلى بيت الله “([2]).

* التربية الاجتماعية: والصمت كما يربي الفرد المسلم التربية الحسنة كذلك يهذب المجتمع ويربيه من خلال تربية الأفراد ويتدخل في كثير من مشاكل المجتمع ليحلها فهو يحقق للمؤمن الصامت الصفات التي يتقدم بها في المجتمع ويقودهم إلى شاطئ الأمان والسلام: فعن الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة: “بكثرة الصمت تكون الهيبة”([3]).

2 – بعيد عن الفحش في الكلام:
“وتراه: بعيدا فحشه”، والفحش بمعناه الظاهر من الموبقات العظيمة، وقد حذّر منه فى الأخبار الكثيرة وبشّر الفحّاش بالنّار، فعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: “إنّ اللّه حرّم الجنّة على كلّ فحّاش بذيّ قليل الحياء لا يبالى ما قال ولا ما قيل له” ومن تعرّض للنّاس بشتمهم وهو يعلم أنهم سيردون عليه في نفس الأسلوب، فذلك لا يبالى ما قال ولا ما قيل له.

3 – ليّن القول:
“ليّنا قوله” يتكلّم بالرّفق ولا يغلظ فى كلامه، فإنّ الرّفق فى القول يوجب المحبّة ويجلب الالفة ويدعو إلى الإجابة عند الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولذلك أمر اللّه عزّ وجل موسى وهارون عليهما السّلام عند بعثهما إلى فرعون بأن يقولا له قولا ليّنا ليكون أسرع إلى القبول وأبعد من النّفور.

وعن الإمام الصادق عليه السلام: كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول: “ليجتمع فى قلبك الافتقار إلى النّاس والاستغناء عنهم، فيكون افتقارك إليهم في لين كلامك وحسن بشرك، ويكون استغناؤك عنهم فى نزاهة عرضك وبقاء عزّك”([4]).

4 – التواضع:
“مشيهم التواضع” إن التواضع من أعظم ما يتخلق به المرء فهو جامع الأخلاق وأساسها، بل ما من خلق في الإسلام إلا وللتواضع منه نصيب، فبه يزول الكبر، وينشرح الصدر، ويعم الإيثار، وتزول القسوة والأنانية والتشفي وحب الذات وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السّلام في ما أوحى اللّه عزّ وجلّ إلى داود: “كما أنّ أقرب الناس من اللّه المتواضعون كذلك أبعد الناس من اللّه المتكبّرون”([5]).
والمقصود من التواضع المحمود أن يترك المرء التطاول على عباد الله والترفع عليهم والإزراء بهم حتى مع وقوع الخطأ عليه، ومن ذلك أيضا التواضع للدين والاستسلام لشرع الله بحيث لا يعارضه المرء بمعقول ولا رأي ولا هوى. وأن ينقاد لما جاء به خاتم الرسل صلى الله عليه وآله وسلم، وأن تعبد الله وفق ما أمرك به.

وليس من التواضع الاستكانة أمام نصرة دين الله سبحانه، والذي يسبب التخاذل وهجر النصيحة وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخنوع أمام الباطل، والبعد عن نصرة والمظلوم.

ومما ورد في صفات رسول الله صلى الله عليه وآله: “لقد كان صلى الله عليه وآله وسلم جمّ التواضع، وافر الأدب، يبدأ الناس بالسلام، وينصرف بكله إلى محدثه، صغيرا كان أوكبيرا، ويكون آخر من يسحب يده إذا صافح، وإذا تصدق وضع الصدقة، وإذا جلس جلس حيث ينتهي به المجلس، لم يُر مادا رجليه قط، ولم يكن يأنف من عمل لقضاء حاجته، أوحاجة صاحب أوجار، فكان يذهب إلى السوق، ويحمل حاجته بيده ويقول: أنا أولى بحملها وكان يجيب دعوة الحرِّ والعبد والمسكين، ويقبل عذر المعتذر، وكان يرفوثوبه، ويخصف نعله، ويكنُس داره، ويخدم نفسه، ويعقل بعيره، وكان في مهنة أهله، وكان يأكل مع الخادم، ويقضي حاجة الضعيف والبائس، وكان يمشي هونا خافض الطرف…”.

المتقون، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


([1]) الحر العاملي- محمد بن الحسن- وسائل الشيعة- مؤسسة أهل البيت- الطبعة الثانية 1414هـ.ق- ج12 ص182 ح16023.
([2]) الحر العاملي- محمد بن الحسن- وسائل الشيعة- مؤسسة أهل البيت- الطبعة الثانية 1414هـ.ق- ج12 ص 185 ح16034.
([3]) الحر العاملي- محمد بن الحسن- وسائل الشيعة- مؤسسة أهل البيت- الطبعة الثانية 1414هـ.ق- ج12 ص 187 ح16040.
([4]) الشيخ الكليني- الكافي- دار الكتب الإسلامية، آخوندي- الطبعة الثالثة- ج2 ص149.
([5]) الشيخ الكليني- الكافي- دار الكتب الإسلامية، آخوندي- الطبعة الثالثة- ج2 ص124.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى