مقالات

العقوبات على النفط الروسي… هدف عكسي وحسابات خاطئة للغرب وأمريكا

الإباء / متابعة

أكدت “واشنطن بوست” نقلا عن مسؤولين بالبيت الأبيض واقتصاديين أمريكيين، أن انقطاع إمدادات النفط الروسي سيلحق أضرارا فادحة بالاقتصاد الأمريكي، وسيمثل تكلفة استراتيجية إضافية للعقوبات وحسب الصحيفة، فقد كثفت الإدارة الأمريكية جهودها لزيادة حجم صادرات الغاز الطبيعي إلى أوروبا، لكنه فعليا لا حلول واضحة لمشكلة تزويد الدول الأوروبية بالطاقة بالحجم المطلوب.
ولفتت الصحيفة إلى أن مسؤولي البيت الأبيض “قلقون بشكل متزايد بشأن أزمة الطاقة في أوروبا وتهديدات موسكو بترتيب شتاء قاس في القارة”.
وأوضحت أن مسؤولي البيت الأبيض لا يرجحون أن يتسبب الركود في أوروبا بالضرورة بركود في الولايات المتحدة، إلا أنه مع ذلك فإن الوقف الكامل لصادرات النفط الروسية سيضر بشدة بالاقتصاد الأمريكي.
وأضافت الصحيفة إن الإجراءات المحتملة للرد الروسي قد تؤدي إلى تفاقم التوتر في التحالف الأمريكي الأوروبي.

كما شككت بحقيقة أن العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا “ستصمد أمام أزمة طاقة حادة” تعصف بالغرب.

وقال الخبراء حسب الصحيفة “إن الولايات المتحدة أعلنت حظر شراء النفط الروسي في مارس، لكن المستهلكين الأمريكيين سيلاحظون ارتفاع أسعار النفط العالمية في حال التوقف التام للصادرات الروسية”، وأن الوقف الكامل المحتمل لصادرات النفط الروسية سيؤدي إلى زيادة أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية.

من جهته انتقد ستيف هانكي الخبير الاقتصادي بجامعة جونز هوبكنز قيود الدول الغربية على روسيا. وكتب عبر حسابه على تويتر: “ستتلقى “غازبروم” الروسية عائدات الغاز من الصين بالروبل واليوان، وتتخلى عن اليورو، فيما العقوبات الغربية ستعزز العلاقات بين روسيا والصين، وهذه تكلفة استراتيجية أخرى للعقوبات”.

الأميركيون غاضبون

تتوقع إدارة معلومات الطاقة أنه، بالنسبة للمستهلكين، سيتعين على العائلات الأميركية المتوسطة إنفاق حوالي 450 دولارا إضافيا على البنزين هذا العام مقارنة بما كانت عليه عام 2021، وذلك بحساب معدلات التضخم.

ومع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، يقول معظم الأميركيين إن الاقتصاد والتضخم وارتفاع أسعار البنزين أهم القضايا في تحديد كيفية التصويت للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وفقا لاستطلاع جديد لآراء أكثر من 542 أميركيا، أجرته شبكة “إيه بي سي نيوز” (ABC News) ومؤسسة “إيبسوس” (Ipsos).

ومع استمرار ارتفاع نسب التضخم، يشكو الأميركيون بشكل كبير من ارتفاع اسعار كل السلع والخدمات، ويقول 83% من المواطنين إن الاقتصاد سيكون قضية بالغة الأهمية في تحديد كيفية تصويتهم بالانتخابات القادمة.

وانخفضت معدلات تأييد طريقة تعامل بايدن مع القضايا الاقتصادية لتصل إلى 37% فقط، وهو ما يؤكد وجود مشكلة للرئيس والمرشحين الديمقراطيين قبل الانتخابات القادمة.

وقد غرد بروس بيرل، مدرب فريق كرة السلة بجامعة أوبرون بولاية لويزيانا، مهاجما بايدن بالقول “لقد غمر إنفاق حكومتكم الاشتراكية اقتصادنا حين كان يتعافى من جائحة كوفيد، وهو ما خلق التضخم! سياسة الطاقة الخاصة بك تسببت في نقص الغاز وارتفاع الأسعار بشكل قياسي، سياساتكم تضر بالطبقة العاملة، تنحى جانبا، غير سياستك، افعل شيئا مختلفا من فضلك”.

حسابات خاطئة

إن قيام الولايات المتحدة بفرض عقوبات على روسيا يعني في الحقيقة قيامها باتخاذ خطوات نحو عزل نفسها، وأن الغرب أخطأ عندما قلل من حجم وأهمية الاقتصاد الروسي عندما قارنه باقتصاد إسبانيا أو اقتصاد ولاية تكساس الأمريكية.

الخبير الاقتصادي الفرنسي جاك سابير، المتخصص الشهير فى الاقتصاد الروسي والذي يدرس فى كليات الاقتصاد فى موسكو وباريس، أوضح أخيرا أن الحرب فى أوكرانيا «جعلتنا ندرك أن الاقتصاد الروسي أهم بكثير مما كنا نظن». فبالنسبة إلى سابير، أحد الأسباب الرئيسية لسوء التقدير هو أسعار الصرف.

بكلمات أوضح، إذا قارنا إجمالي الناتج المحلي لروسيا عن طريق تحويله ببساطة من الروبل إلى الدولار الأمريكي، فسنحصل بالفعل على اقتصاد بحجم الاقتصاد الإسباني. لكن مثل هذه المقارنة لا معنى لها دون تعديل تكافؤ القوة الشرائية (PPP)، الذى يمثل الإنتاجية ومستويات المعيشة، وبالتالي نصيب الفرد من الرفاهية واستخدام الموارد.

في الواقع، يعتبر تعادل القوة الشرائية المقياس المفضل من قبل معظم المؤسسات الدولية، من صندوق النقد الدولى إلى منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية. وعندما نقيس الناتج المحلي الإجمالي لروسيا بناء على تعادل القوة الشرائية، فمن الواضح أن الاقتصاد الروسي يقارب حجم الاقتصاد الألماني، أى نحو 4,4 تريليونات دولار لروسيا مقابل 4,6 تريليونات دولار لألمانيا. إذن، انتقال الاقتصاد الروسي من اقتصاد يعادل أصغر اقتصاد أوروبي تقريبا (إسبانيا) إلى أكبر اقتصاد فى أوروبا وواحد من أكبر الاقتصادات فى العالم (ألمانيا). والفارق ليس بضئيل.

التقليل من حجم وأهمية الاقتصاد الروسي لم يكن واضحا فقط في مقارنته بحجم أصغر اقتصادات أوروبا، بل أيضا من خلال تجاهل التدفقات التجارية العالمية، حيث يقدر أن روسيا «قد تمثل ربما ما يصل إلى 15٪». وفي حين أن روسيا ليست أكبر منتج للنفط فى العالم إلا أنها كانت أكبر مصدر له، متقدمة حتى على المملكة العربية السعودية. وينطبق الشيء نفسه على العديد من المنتجات الأساسية الأخرى مثل القمح حيث تسيطر روسيا على نحو 19,5٪ من الصادرات العالميةــ والنيكل (20,4٪) والحديد شبه مصنع (18,8٪) والبلاتين (16,6٪) والأسماك المجمدة( (11,2٪

هذه الأهمية الكبيرة فى إنتاج العديد من السلع الأساسية تعنى أن روسيا، مثلها مثل عدد قليل من البلدان الأخرى في العالم، هي في كثير من النواحي ركيزة أساسية لسلسلة الإنتاج المعولمة. وأي محاولة لعزل الاقتصاد الروسي تعني إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي بشكل دراماتيكي.

في السياق ذاته، وبعد أن تخلى الرئيس جو بايدن علنا عن سياسة «الغموض الاستراتيجي» تجاه تايوان، فإن الأمر يستحق التفكير في شكل اقتصاد الصين كما فعلنا مع نظيره الروسي. إذا نظرنا إلى الاقتصاد الصيني على أساس أسعار الصرف عن طريق تحويل الناتج المحلي الإجمالي للصين من اليوان الصيني إلى الدولار الأمريكي فسنجد أن قيمته تقدر بنحو 17.7 تريليون دولار (اعتبارا من 2021)، مقارنة بـ23 تريليون دولار للولايات المتحدة و17 تريليون دولار للاتحاد الأوروبي.

ولكن إذا قارنا الوضع مع تعادل القوة الشرائيةــ كما فعلنا مع الاقتصاد الروسي أعلاه، فسنرى أن الاقتصاد الصيني وصل إلى ما يقرب من 27,21 تريليون دولار فى عام 2021، مقارنة بـ20,5 تريليون دولار بالنسبة للاتحاد الأوروبي و23 تريليون دولار بالنسبة للولايات المتحدة. ويتضح من ذلك، في ضوء نظرية تعادل القوة الشرائية، أن الاقتصاد الصيني متفوق على الاقتصاد الأمريكي.

في كل الأحوال، يعتبر النفط مقياسا مؤثرا في المعادلة. بعبارة أوضح، مع فرض الغرب عقوبات على روسيا، ارتفعت أسعار النفط بشكل متوقع، من نحو 75 دولارا للبرميل في بداية العام إلى أكثر من 110 دولارات اليوم. لكن الدول التي رفضت المشاركة في العقوبات تستغل الآن الفرصة للتفاوض بشأن شحنات الطاقة الروسية بتخفيضات كبيرة. وإذا كانت روسيا لا تزال قادرة على بيع النفط فى جميع أنحاء العالم، فإن دولا مثل الهند ستكون قادرة على التفاوض على أسعار أقل من السوق، فى حين أن المستهلكين الغربيين سيستمرون في التعرض لضربات الأسعار المتضخمة، إذن من الذى يُعاقب حقا؟

نفس الأمر ينطبق على تسليح الدولار الأمريكي والنظام المالي الغربي بشكل عام فإذا تم إخبار الدول غير الغربية أن الوصول إلى الدولارات وأنظمة المعاملات مثل سويفت SWIFT مشروط بالسياسات التي يتم وضعها في واشنطن والتي قد لا تكون بالضرورة في مصلحة بلدانهم، قد تكون النتيجة إزالة دولرة الاقتصاد العالمي، وليس تقوية النظام الغربي.

بناء على ما سلف، من المرجح أن يكون الغرب وأمريكا ــ عندما قللوا من حجم وأهمية الاقتصاد الروسي ــ قد أخطأوا في فرض عقوبات على روسيا، وقد تكون النتيجة هي جعل الغرب وأمريكا أكثر عزلة من أي وقت مضى في العصر الحديث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى