مقالات

الأزمة في مالي.. جزء من الصراع الغربي الروسي على النفوذ في أفريقيا

جمال واكيم

في شهر آب/أغسطس 2020، أعلنت فرنسا أنها أتمت انسحاب قواتها من مالي بعد 9 سنوات من العمليات العسكرية في هذا البلد بذريعة مكافحة الإرهاب، وأعلن البيان الفرنسي أن آخر قوات فرنسية عبرت الحدود إلى النيجر منهيةً أعمالها العسكرية في هذا البلد التي بدأت عام 2014 بناء على طلب حكومة مالي آنذاك بعدما اجتاحت الحركات الإرهابية البلاد، علماً أن العملية العسكرية جاءت بالتعاون مع بوركينا فاسو وتشاد وموريتانيا والنيجر.

من جهة أخرى، أعلنت الرئاسة الفرنسية أن فرنسا ستبقى ملتزمة واجب محاربة الإرهاب في منطقة الساحل في خليج غينيا ومنطقة بحيرة تشاد، مشيرة إلى أن النيجر ستتحول إلى القاعدة الرئيسة للأعمال الحربية الفرنسية بعد تمركز نحو ألف جندي فرنسي في العاصمة نيامي وتمركز نحو 400 جندي على الحدود بين مالي وبوركينا فاسو، إضافةً إلى نحو ألف جندي فرنسي في تشاد وعدد غير محدد من القوات في أماكن أخرى من هذه المنطقة.

نقمة على فرنسا

جاء الانسحاب في وقت تشهد العلاقات الفرنسية–المالية توتراً، ترافق وطلب باماكو المساعدة من روسيا لمواجهة المجموعات الإرهابية، وعلى تنظيم “داعش” وتنظيم “القاعدة” الذي ينشط بالدرجة الأولى في الأماكن الوسطى من البلاد.

أتى هذا التوتر على خلفية النقمة الشعبية والرسمية في مالي على الوجود الفرنسي في البلاد نتيجة شكوك في نيات فرنسا الحقيقية تجاه هذا البلد الذي استعمرته حتى ستينيات القرن الماضي، واتهام كثيرين في مالي فرنسا بأن هدفها الحقيقي ليس مكافحة الإرهاب بمقدار ما هو إعادة هيمنتها على البلاد الغنية بالموارد الطبيعية التي تريد الشركات الفرنسية استغلالها لمصلحتها. فالبلاد غنية بالموارد الطبيعية، كالذهب والفوسفات والكاولينايت والأملاح والأحجار الجيرية واليورانيوم الذي قُدرت كميته عام 2012 بـ17 ألفاً و400 طن.

ولا يقتصر الاهتمام الفرنسي على ثروات البلاد، بل يتعداه إلى طموح فرنسي بوضع كامل منطقة شمال غربي أفريقيا تحت دائرة النفوذ الفرنسي، وهو ما انطلق فعلياً مع قيادة فرنسا القوات الأطلسية “الناتو” عام 2011 لإطاحة الزعيم الليبي معمر القذافي الذي كان قد نسج علاقات قوية بهذه الدول الآنفة الذكر في إطار منظمة دول الساحل والصحراء التي كان هو أمينها العام.

القلاقل في مالي

وتلا إطاحة العقيد معمر القذافي في ليبيا زعزعة للأوضاع في مجمل الدول الواقعة جنوبي الصحراء الكبرى، وأولها مالي، التي انطلقت فيها عام 2012 حركة انفصالية في شمالي البلاد تقودها قبائل الطوارق. وترافق ذلك واندلاع المواجهات في وسط البلاد في مقاطعة موبتي بين إثنيتي الدوغون والبامبارا اللتين تعتمدان على الزراعة من جهة مع إثنية الفولا التي تعتمد على الرعي من جهة أخرى على ملكية المراعي وحق الوصول إلى مصادر المياه.

وما فاقم الأوضاع التي تسببت بهذا التصادم هو الأزمة الاقتصادية العالمية التي اندلعت في الولايات المتحدة عام 2008، والتي كانت موجاتها الارتدادية قد بدأت تصل إلى العالم بعد أعوام قليلة. كذلك، فإن التغير المناخي وجفاف كثير من الآبار الجوفية وتراجع معدلات الأنهار ومستويات سقوط الأمطار، ساهمت كلها في تفاقم الأوضاع المعيشية التي عززت أسباب النزاع.

وقد اتخذ النزاع هذا بعداً جديداً معَ انتشار الحركات الإسلامية المتطرفة، خصوصاً في صفوف إثنية الفولا، وذلك عبر التمويل الذي كان يأتي من مساجد يرعاها رجال دين متطرفون، بمن فيهم أولئك المرتبطون بتنظيم “القاعدة” و”داعش”، ما ساهم في انتشار الإرهاب في وسط البلاد. وقد استفادت فرنسا من ذلك لتبرير تدخلها العسكري في البلاد الذي لم يحسم المعركة ضد الجماعات الإرهابية على الرغم من مرور نحو 8 أعوام على هذا التدخل العسكري.

علاقة الحكم الجديد المتوترة بباريس

هذا أدّى إلى حال من اللااستقرار في البلاد نتج عنها تصاعد النقمة على الحكومة ما ساهم في دفع الجيش المالي إلى انقلاب تسلّم بموجبه الحكم. ففي ربيع عام 2020، أجريت انتخابات تشريعية في مالي شابها كثير من المخالفات، ما أدى إلى اندلاع حركات احتجاج ضد الحكومة خصوصاً بعد اختطاف زعيم المعارضة صومايلا سيسي.

وقد دارت مواجهات مع الشرطة وقوى الأمن ذهب ضحيتها العشرات ما استند إليه الرئيس المالي لحل المحكمة الدستورية التي كان يرجح أن تحكم لغير مصلحته فيما يتعلق بالطعون. هنا، قام فريق من الجيش بقيادة العقيد أسيمي غويتا والعقيد الركن إسماعيل واكي بالتمرد في 18 آب/أغسطس 2020.

وقد سارع المتمردون إلى اعتقال الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا ورئيس مجلس الوزراء بوبو سيسي وإجبارهما على الاستقالة. وأعلن واكي تأليف لجنة وطنية للخلاص ووعد بإجراء انتخابات. في أيلول/سبتمبر عام 2020 سمّي باه نداو رئيساً للبلاد، فيما عُين غويتا نائباً للرئيس. لكن التوتر تصاعد بين الحكومة الانتقالية المدنية والجيش ما أدّى بنائب الرئيس أسيمي غويتا إلى القيام بانقلاب آخر في حزيران/يونيو عام 2021 وسمّى نفسه رئيساً موقتاً للبلاد.

ومنذ قيام الانقلاب، اتخذت فرنسا موقفاً سلبياً من السادة الجدد للبلاد، وألّبت المجموعة الاقتصادية لدول غربي أفريقيا لإدانة الانقلاب ودعت إلى عودة سريعة إلى “الحكم المدني”. ورداً على هذا التدخل الغربي، فإن القيادة الجديدة في مالي لجأت إلى صديق قديم للبلاد، وهو موسكو، التي كانت قد دعمت في الستينيات من القرن الماضي الحركة الاستقلالية في مالي ضد الاستعمار الفرنسي، وقد طلبت الحكومة المالية الجديدة الدعم العسكري من روسيا الذي أتى على شكل خبراء عسكريين من مجموعة أمن خصوصاً، هي مجموعة “واغنر” التي قابلها الفرنسيون باتهام النظام الجديد باستجلاب مرتزقة للقتال في صفوفه.

وقد تصاعد التوتر بين فرنسا ومالي بعدما لجأت الأخيرة إلى استدعاء عدد كبير من سفرائها لدى مجموعة دول “إيكواس”، وفرضت المجموعة عقوبات اقتصادية على البلاد نتيجة قرار الحكومة تأجيل الانتخابات 4 سنوات، وتلا ذلك طرد السفير الفرنسي من البلاد في 4 شباط/فبراير عام 2022.

التحول نحو روسيا

في المقابل، فإن موسكو وجدت فرصة ذهبية لها لانتزاع حصة مِن النفوذ على منطقة شمال غربي أفريقيا في بلد كان يدور في فلك الاتحاد السوفياتي بعد استقلاله عن فرنسا، وذلك في عهد الرئيس موديبو كيتو الذي أطيح به عام 1968 بانقلاب مدعوم من الغرب، فمالي بلد كبير وتبلغ مساحته 1.2 مليون كيلومتر مربع، وهو يتوسط عدداً كبيراً من بلدان غربي أفريقيا ما يجعله قاعدة انطلاق نحو المنطقة كلها.

كذلك، فإن موسكو التي كانت قد فقدت صديقاً لها في ليبيا عام 2011، تحاول استعادة نفوذها في شمالي أفريقيا عبر دعم عدد من القوى التي تضرّرت بفعل التدخل الغربي الأطلسي في المنطقة. لذلك، نجدها تدعم قوى ليبية، على رأسها الجنرال الليبي خليفة حفتر، في مواجهة الإسلاميين الذين يسيطرون على مقاليد الأمور في العاصمة الليبية طرابلس.

يأتي هذا التدخل الروسي في الوقت الذي تحاول فيه روسيا الرد على توسع “الناتو” في شرقي أوروبا بما يهدّد أمنها، ما تسبب باندلاع الأزمة الأوكرانية ودفع روسيا إلى إطلاق عملية عسكرية في هذا البلد في شباط/فبراير الماضي، وهي العملية المستمرة حتى الآن.

لذا، فإن موسكو ترى في مد نفوذها في مناطق كان الغرب يراها حكراً على نفوذه في العقود الثلاثة الماضية تعزيزاً لنفوذها في مواجهة النفوذ الغربي، خصوصاً في وقت تبدو القارة الأفريقية فيه مرشحة إلى أن تصبح ساحة المواجهة الرئيسة بين الكتلة الأطلسية المتمثّلة في حلف “الناتو” بقيادة الولايات المتحدة من جهة، وكتلة الدول الأوراسية التي تقودها الصين وروسيا من جهة أخرى.

في هذا الإطار، يمكننا أن نفهم جولة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في شهر آب/أغسطس على عدد من الدول الأفريقية في غربي القارة السمراء. ومن هنا يمكننا أن نفهم الاهتمام الروسي بالتدخل في مالي لمصلحة الحكومة الحالية في مواجهة فرنسا وحلفائها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى