مقالات

تهويد المنامة.. سؤال الهُوية والمصلحة السياسية

عباس الجمري

عمليات شراء عقارات في العاصمة البحرينية المنامة عبر وسطاء ليعيدوا بيعها ليهود، والأثمان المدفوعة أعلى من سعر العقار بأضعاف. هذا ما شهدته المنامة في الأسابيع الأخيرة، مع الإعلان عن إنشاء حي يهودي فيها، وهي عاصمة عربية عريقة وذات أصالة، فما وراء هذا المشروع الذي يأتي عقب سلسلة إجراءات رسمية أعقبت التطبيع مع كيان الاحتلال؟

في هذا الصدد، تثار تخوفات كثيرة مما أُطلق عليه شعبياً “تهويد المنامة”، ومما إذا كان مشروع السلطة إنشاء حي لليهود يأتي في سياقات أكبر من السياقات المنظورة وأخطر مما تقدم للإعلام.

في مذكرات جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، يقول: “قلت للملك حمد: أنتم تطالبون دائماً بالقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين، وأنتم تعلمون أنّ ذلك لن يحصل، فلماذا ترددون هذا المطلب؟”. ويعقّب كوشنر في مذكراته: “سكت الملك حمد قليلاً، ثم قال: إنه كليشيه، ويبدو أن الوقت حان لتغييره”.

إذاً، الانفتاح على الصهاينة لا يأتي في إطار سياسي فقط. إنه مزيج من بيع الهُوية وكسب الضمانات المحصورة بامتيازات العائلة الحاكمة في البحرين. هذا المنحى يؤكّده مسار التطبيع الذي اختلف عن كلّ مسارات التطبيع العربي الذي، وإن كان مداناً في كلّ الأحوال، إلا أنه لم يصل إلى طريقة الابتذال التي دأبت البحرين والإمارات في تأكيده في كل مناسبة وعبر طرق عديدة.

البحرينيون اليوم، وفي ظلِّ غلاء المعيشة والانسداد السياسي وتفاقم مشاكل التجنيس الذي يهدد الديموغرافيا، يعتنون بسؤال الحاضر القلق عن بحرين المستقبل التي قد لا يبقى منها إلا الاسم.

وقد حذر آية الله الشيخ عيسى قاسم في بيان صدر في 3 أيلول/سبتمبر الجاري من مغبة التهاون في هذا الأمر، وقال: “لا تُشتروا بأموال اليهود لتسلِّموا لهم ولو أرضاً صغيرةً أو بيتاً صغيراً من أراضي البحرين وبيوتها، فإنَّكم تسلِّمون لهم بهذا دينكم وتاريخكم ووطنكم وحاضركم ومستقبلكم”. ووصف الأمر بالانتحار، قائلاً: “انتبِهُوا إلى أنَّكم بهذا تنتحرون مادة ومعنى”.

مشروع بعثرة الهُوية في البحرين

في خضمّ تنامي الخوف على هُوية البحرين بسبب التجنيس السياسي المنظم الذي يهدف إلى تغيير التركيبة السكانية، يأتي موضوع “التهويد” في سياق مشابه، إلا أنَّه يبدو أكثر خطورةً، فالتخوف من تغيير التركيبة السكانية مشترك بين مشروعي “التهويد” و”التجنيس السياسي”، لأنهما يتماثلان في تركيب مكون/مكونات في المجتمع المحلي وثقافته وعاداته وتقاليده عنوة.

هذا النوع من المشاريع يفضي إلى اضمحلال الروح الوطنية التي ستتبدّل إلى ولاء للوظيفة والخبز وامتيازات المعيشة، إلا أنَّ إنشاء حي يهودي له أبعاد أخرى مختلفة عن تلك المنضوية تحت مضار “التجنيس السياسي”. من تلك الأبعاد ما هو تاريخي. وقد تحدّثت عنه الكاتبة البحرينية اليهودية نانسي خضوري في كتاباتها، والَّتي تفضي إلى أن جزءاً من رحلة اليهود إلى البحرين مرتبط بالمعتقد.

هذا الكلام يتعامد مع عقيدة “إسرائيل الكبرى” التي تعثّر مشروعها بسبب المقاومة الفلسطينية واللبنانية. ولعلَّ التغيير الحاصل في طريقة التمدد الصهيوني هو من قبيل “تدوير الزوايا”، أي تغيير الطرق المؤدية إلى الوجهة المنشودة نفسها.

كان مشروع الأديان الإبراهيمية وما تضمّنه من طريقة التطبيع مع دول عربية يهدف إلى توسع صهيوني حقيقي في المنطقة، لكن من بابي الاقتصاد والمجتمع، لا من بابي العسكر والسياسة. ولتأمين هذا المسعى، أبرمت اتفاقيات مع البحرين في الشق الأمني والاستخباري بغية وأد أيّ عقبة قد تنشأ من ردود الفعل المجتمعية، سواء كانت على شكل مقاومة منظمة وقوية أو حراكات شعبية عفوية. ومن تلك الخطوات الأمنية:

– استقبلت المنامة مرتين متتاليتين رئيس جهاز الموساد يوسي كوهين علناً (الزيارة الأولى في 30 أيلول/سبتمبر 2020، والزيارة الأخرى في 6 أيار/مايو 2021).

 – تولى ضابط إسرائيلي منصباً رسمياً في البحرين بشكل دائم (شباط/فبراير 2022).

– أكّدت وسائل إعلام إسرائيلية في شباط/فبراير الماضي أن السلطة في البحرين وافقت على منح “إسرائيل” ميناءً بحرياً قبالة السواحل الإيرانية. وفي الفترة نفسها، صرّح وكيل وزارة الخارجية البحريني بأن الموساد موجود في البحرين بشكل رسمي. كما شدّدت أجهزة الأمن في البحرين على أيّ تحركات شعبية كانت ستتحرك احتجاجاً على فتح سفارة إسرائيلية في المنامة.

من كلّ خطوات التطبيع التي تلت إعلان ما سُمي بـ”اتفاقية السلام” في أيلول/سبتمبر 2022، تنبّه البحرينيون إلى أنَّ العلاقة بين السلطة في البحرين و”تل أبيب” مخيفة. هذه العلاقة تجعل كلّ ما يتعلق باليهود محلّ تشكيك واستفهام.

وفي هذا السياق، نفهم أنّ ما أُطلق عليه اسم “الحي اليهودي” في المنامة ما هو إلا منصة لتسهيل استجلاب يهود إلى البحرين، وبعناوين مختلفة. وانطلاقاً من معرفة السّلوك السياسي للسلطة في البحرين، فمن المؤكّد أنَّ مشروع الحيّ يسير في اتجاهين؛ الأول بداية توسعية، والآخر بالون اختبار.

أما كونه بداية، فهذا يعني أن جغرافيا هذا الحي قد تكون أوسع مما هو معلن، أو أنَّ أشباهه من الأحياء اليهودية ستتوزع -تالياً- في عدد من مدن البحرين. وأما معنى كونه بالون اختبار، فهو أن شعب البحرين لا يزال يمانع وبشدة أي علاقة مع الكيان المؤقت، إلا أنَّ الخطوات الرسمية تجاه “إسرائيل” لا تقابل بخطوات عملية على الأرض، ما يسهل عملية تمريرها وتثبيتها، ومن ثم تكرّرها من قبل السلطة، فكلما رأت الأخيرة أن لا صعوبة في تدشين مشاريع تخص الصهاينة سوى احتاج الكلمة، فإن ذلك يشجعها على المضي في الانغماس بشبق كبير في العلاقة الحرام مع “إسرائيل”، لكن هذا المشروع، ولأنه في العاصمة، فربما تحتاج السلطة إلى جسّ نبض الناس تجاهه، للتعرّف إلى إمكانية تكراره.

سراب الحصان الرابح للسّلطة

ثمة سؤال يطرح بين فترة وأخرى: لماذا كل هذا الاندفاع والحماسة لدى السلطة تجاه علاقتها مع “إسرائيل”؟ وما هو الداعي لذلك؟

هناك مصلحة إسرائيلية مفهومة للدخول إلى حوض الخليج، جزء منها أمني، ولا سيما فيما يخصّ إيران وحلفاءها. أما مصلحة السلطة في البحرين في هذه العلاقة، فأعتقد أنَّها تريد أن تقدم كل ما في إمكانية البحرين (وهي إمكانيات محدودة نظراً إلى الجغرافيا والموارد)، لكي تكون مقبولة عند الغرب أكثر من ذي قبل.

سبب هذه الحاجة هو أنَّ السلطة، وباستبعادها مكوناً كبيراً في البلد متمثلاً بالمعارضة، أنتجت فراغاً سياسياً وشللاً اقتصادياً أثّرا في طبيعة “الدولة” التي يراد لها أن تكون طبيعية. وخوفاً من الضغط الدوري من قبل حلفاء النظام الحاكم، هرولت السلطة إلى الأمام، لأنَّ ورقة الصهاينة هي ورقة لا يمكن للمعارضة أن توفرها فيما لو شاركت في السلطة، وهذه الورقة المشؤومة هي ما يرحّب بها الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، خصوصاً في خضم المتغيرات الدولية العديدة.

المخاطر المحدقة بالبحرين

تاريخياً، ما لم يسيطر الصهاينة على مفاصل الدولة التي تفتح لهم باعها، فإنَّهم يقوّضونها بالسيطرة على الاقتصاد، ويمسكونها من حلقومها بعد فترةٍ من تمكّنهم منها. هذا ما تنبّه إليه هتلر في الماضي، فوأد الحركة الصهيونية في بدايتها، وهذا أيضاً ما تنبّه إليه فلاديمير بوتين في حاضرنا، فأوقف نشاطاتهم في روسيا، لئلا يعوقوا مشروعه الوطني تجاه بلاده.

وإذا كان هناك هم وطني في البحرين لدى السلطة إزاء هذا البلد الصغير، فإنَّ سؤال المسؤولية لا يزال يُطرح عند الناس، وتحديداً عن أي مصلحة وطنية ستتحقق في ظل الانفتاح على الصهاينة، وبهذه الطريقة المبتذلة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى