مقالات

نبض الضّفة يفرض تحدياتٍ على جميع الأطراف

عمرو علان

يرى البعض في الضِّفة تحدياً متجدداً للاحتلال، بينما يرى آخرون فيها تحدياً لقيادات فصائل المقاومة أيضاً، يلزم منه العمل حثيثاً لتحويله إلى فرصةٍ، لذلك دعونا ننظر في الأمر، لنرى إذا ما كانت الضِّفة قد باتت تشكِّل بالفعل تحدياً للاحتلال ولقيادات فصائل المقاومة أيضاً، لكن من منظورين متعاكسين.

لم يَعُدْ من السهل إحصاء عمليات المقاومة التي باتت تشهدها الضِّفة في السنوات القليلة الأخيرة، إذ صارت تلك العمليات تقع بصورةٍ يوميةٍ، وذلك ما بين عمليات رشقٍ للمستوطنين وجنود الاحتلال بالحجارة، وإلقاء زجاجاتٍ حارقةٍ عليهم، وعمليات الطعن المتكررة ضد المحتلين، والمواجهات المسلَّحة بين مقاومين فلسطينيين وبين قوات الاحتلال التي تقوم باقتحام مناطق الضِّفة بشكلٍ مستمرٍ، وصولًا إلى العمليات الهجومية المسلَّحة ضد الاحتلال، سواءً في الضِّفة أم في أراضي 1948.

وباتت تلك العمليات الهجومية تتطور نوعيّاً، وكان آخرها عملية استهداف حافلة جنود للاحتلال في غور الأردن، هذه العملية التي اعترف العدو بأنها كانت “عمليةً استثنائيةً”، ولا ننسى أيضاً الانتفاضات المتكررة التي شهدتها مدينة القدس خلال الأعوام الأخيرة الماضية دفاعاً عن المسجد الأقصى، وعن سكان المدينة القديمة.

ويكفينا هنا ما اعترفت به حديثاً المؤسستان الأمنية والعسكرية للاحتلال بشأن عدد عمليات المقاومة المسلَّحة ضد جنوده وقواته الأمنية، إذ قالت إن العمليات المسلَّحة قد ارتفعت من نحو 90 عملية مسلحة خلال 2021، إلى ما يزيد على 150 عملية مسلحة حتى اللحظة منذ مطلع 2022، هذا ناهيك بما زعمه مؤخراً رئيس أركان “جيش” الاحتلال الإسرائيلي، أفيف كوخافي، في مؤتمر “هيئة الأركان المشتركة”، بأنه ضمن عملية “جيش” الاحتلال “كاسر الأمواج”، التي لا تزال مستمرَّةً في الضِّفة، قد تم إحباط مئات الهجمات الفلسطينية ضد جنوده.

بهذا، ترسم الضفة بدايات مشهدٍ مغايرٍ بصورةٍ جذريةٍ لفترة “الموت السريري” التي مرت بها، والتي كانت قد بدأت مع تولي محمود عباس رئاستي “منظمة التحرير الفلسطينية” والسلطة الفلسطينية في رام الله، فالضِّفة اليوم تُبشِّر باستعادة حيويتها، لتعود كما كانت دوماً، تحدياً استراتيجياً للكيان الموقت ومستقبله الوجودي.

ولا يأتي هذا التحول الذي تشهده الضفَّة وليد الصدفة، فوصول مسار “أوسلو” إلى طريقٍ مسدودٍ كخاتمةٍ طبيعيةٍ له، قد فتح الباب واسعاً لحصول تبدُّلاتٍ جوهريةٍ في المزاج العام الحاكم للفلسطينيين في مناطق الضفَّة وسائر الأراضي المحتلة، ما أدى إلى تضعضع قبضة سلطة رام الله الأمنية في الضفَّة، وتراجع فعالية تنسيقها الأمني مع قوات الاحتلال في تلك الساحة بشكلٍ ملموسٍ.

ولقد توصلت قيادة الكيان الموقت العسكرية والأمنية إلى هذه الخلاصة كذلك، إذ قال أفيف كوخافي، رئيس أركان “جيش” العدو، في مؤتمر “هيئة الأركان المشتركة”، إن زيادة العمليات الفلسطينية نابعة من عدم فاعلية آليات الأمن للسلطة الفلسطينية، الأمر الذي يؤدي إلى عدم وجود حكم لها في مناطق معينة من الضفة الغربية، بحسب ما نقلته “يديعوت أحرونوت” العبرية.

وتفضي هذه التحولات النوعية التي تشهدها الضفَّة، إلى خلق بيئةٍ استراتيجيةٍ جديدةٍ، تكون أكثر ملاءمةً لتصعيد الفعل المقاوم في تلك الساحة.

وعلى وقْع تصاعد عمليات المقاومة في الضفَّة، ونشوء بيئةٍ استراتيجيةٍ جديدةٍ فيها، بدأ بعضٌ من منظري الاحتلال وقياداته بالتساؤل إذا ما كانت الضفَّة تشهد بالفعل انتفاضةً ثالثةً.

فمثلاً، في مقالٍ نشرته “يديعوت أحرونوت” العبرية، كتب عوفر شيلح، الباحث في “معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي”: إن الهجوم القاسي الذي وقع يوم أمس في غور الأردن، كان هجوماً آخر من قائمة أحداث العنف الأخيرة بالضفة الغربية، ففي الأشهر الأخيرة، وقعت حوادث إطلاق نارٍ شبه يوميةٍ هناك، بعضها خلال الاعتقالات التي نفذها الجيش الإسرائيلي والبعض الآخر على الطرق، وفي عهدٍ آخر، قبل غرق جمهورنا في دائرة لا تنتهي من الانتخابات، وفي مستنقع “نعم لبيبي – لا لبيبي”، كان من الممكن أن يثير هذا جدلاً ساخناً حول ما إذا كنا في خضم انتفاضةٍ أخرى أم لا”.

وفي كل الأحوال، وبغض النظر عن توصيف التحرك الذي تشهده الضفَّة بالانتفاضة الثالثة من عدمه، تبقى الحقيقة أن العمليات الهجومية الفلسطينية المسلَّحة في الضفَّة في تزايدٍ مستمرٍ، فبحسب بيانات جهاز “الشاباك”، وقع في تموز 2022 (113) هجوماً في الضفَّة، كان منها (15) حادثة إطلاق نارٍ، بينما وقع في آب 2022 (172) هجوماً، كان منها (23) عملية إطلاق نارٍ.

وتبقى الحقيقة أن ظاهرة “كتيبة جنين” المسلَّحة في مخيَّم جنين، قد استنسختها “كتيبة نابلس” في مدينة نابلس، وبأن هاتين الظاهرتين بدأتا بالتمدُّد شرقاً، كما ظهر في عملية غور الأردن الأخيرة.

ومن الواضح أن العدو بات يدرك هذه الحقيقة، كما أنه يدرك بأن الضفَّة عادت لتصبح تحدياً حقيقياً له.

كان هذا عن التحدي الذي باتت تمثله الضفَّة للاحتلال، أما بالنسبة إلى فصائل المقاومة، فنجد أن الغالبية الساحقة من عمليات إطلاق النار الهجومية في الضفَّة، تقوم بها مجموعاتٌ صغيرةٌ لا تنتمي تنظيمياً إلى فصيلٍ فلسطينيٍ بعينه، بل هي مجموعاتٌ تؤمن بالمقاومة المسلَّحة كنهجٍ وخيارٍ فاعلٍ في مواجهة الاحتلال، بغض النظر عن الميول الشخصية لأفراد تلك المجموعات لهذا الفصيل أم ذاك.

وهذا يدفع إلى تكرار التساؤل: أين هو دور فصائل المقاومة في تنظيم العمل المسلَّح ودعمه في الضفَّة؟ وهل يعقل أن تحوي الضفَّة كل هذا المخزون المقاوم، فيما فصائل المقاومة شبه غائبةٍ عن تلك الساحة؟

لقد دأبت فصائل المقاومة تبرير ضعف حضورها المنظَّم في ساحة الضفَّة بسبب تحكُّم سلطة رام الله في تلك الساحة، وبسبب وجود “التنسيق الأمني”، وكان في هذا التبرير الكثير من الوجاهة في الفترات الماضية، أما اليوم، وقد بات الجميع يلحظ التراجع الملموس لسيطرة سلطة رام الله الأمنية، بما في ذلك العدو ذاته، فهل يظل ذاك التبرير مقْنِعاً؟

لقد قدَّم قطاع غزة المحاصر أكثر مما تطيقه دولٌ بقدِّها وقديدها في السنوات الماضية، ولقد تحمل أعباء أربع حروبٍ كانت لتكسر جيوشاً كبرى، لولا أن في غزة من يصح فيهم قوله تعالى {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَٰنًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} (آل عمران – 173)

لذلك، يقع اليوم على عاتق فصائل المقاومة قاطبةً، استثمار البيئة الاستراتيجية الناشئة في الضفَّة والبناء عليها، وذلك عبر صياغة تكتيكاتٍ فاعلةٍ لتصعيد العمل المقاوم في تلك الساحة التي باتت مهيأة للاشتعال، ليس فقط لأن الضفَّة تمثل نقطة ضعف العدو الكبرى، ولا لأنها تمثل ساحة الاشتباك الأهم مع الاحتلال من المنظور الاستراتيجي على طريق التحرير، بل لأنه قد حان الوقت لتخفيف العبء عن قطاع غزة، وذلك من أجل الحفاظ على مقاومته، كقاعدةِ إسنادٍ حقيقيةٍ للعمل المقاوم في باقي ساحات فلسطين المحتلة.

وإلا فالوضع الفلسطيني أمام احتمالين، إمِّا حصول انتكاسةٍ في مسار العمل المقاوم عموماً، وإمَّا نشوء حالةٍ فصائليةٍ جديدةٍ في الضفَّة، تملأ الفراغ الذي لم تملأه الفصائل الموجودة في الساحة الفلسطينية حالياً، ولعل هذا الاحتمال الأخير يكون الأكثر ترجيحاً قياساً على تاريخ نضال الشعب الفلسطيني، وهذا هو التحدي الذي تمثله الضفَّة لقيادة فصائل المقاومة في هذه المرحلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى