تقارير

شقاء أوروبي واحتفال أمريكي!

الإباء / متابعة

أفضت أزمة الطاقة المتفاقمة بشكل غير مسبوق في أوروبا والأحداث المتجذّرة في “الجغرافيا السياسية للمنطقة” إلى مواجهات يتحدد الفائز فيها من خلال نهج المقاومة أمام العقوبات والتحديات.

كمثال على ذلك، في حرب أوكرانيا، علّقت كييف المصدر الغذائي للعديد من الدول، آمالها على أن يؤدي توقف تدفق الصادرات الغذائية من أوكرانيا إلى زيادة ضغط المجتمع الدولي على روسيا للتراجع عن حملتها العسكرية التي شنّتها على هذا البلد بهدف منع الناتو من التمدّد.

إلاّ أن روسيا ناورت بأفضل طريقة، وسارعت لفصل حسابات الحرب عن السياسة، ومن خلال السماح بشحن القمح الى أنحاء العالم، حرمت أوكرانيا من هذا التكتيك.

رغم أن 40٪ من الطاقة الأوروبية يعتمد على روسيا، إلاّ أن الدول هذا الاتحاد فرضت عقوبات على موسكو! وهو ما يكشف عن تخبّط سياسي كبير ستنعكس آثاره المدمرة على الأوروبين دون ادنى شك.

حيث ظنّ الاتحاد الأوروبي أن عصا العقوبات ضد روسيا ستُفضي إلى الضغط على الحكومة من قبل مواطني هذا البلد، وبالتالي إرغام موسكو على تقديم تنازلات في حرب أوكرانيا.

لكن خلافاً لما توقّعه، إلتفت روسيا على هذا الحصار وانتهجت مسارا مختلفا، حيث إتخذت إجراء مضادً يتمحور حول قطع إمدادات الغاز إلى أوروبا، نظرا لوجود عقوبات تعيق هذا الأمر.

أرادت روسيا من هذا الإجراء خلق أزمة طاقة في أوروبا، ونتيجة لذلك ، إرغام الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على الإنجرار وراء أمريكا في مسألة معاقبة موسكو.

في السياق، كتبت مجلة فورين بوليسي: “سعر الغاز الطبيعي أعلى بعشر مرات من المعتاد، الأمر الذي وضع الصناعات في أوروبا على المحك، وأثار غضب المستهلكين، وخوف السياسيين”.

ما يمكن أن نقوله، هو أن الحسابات الخاطئة للقادة الأوروبيين فيما يتعلق بحجم المقاومة للشعوب الخاضعة للعقوبات تسببت في مواجهة هذه القارة وضع تضخمي خاص، وكأنها دفعت خمسمائة دولار عن كل برميل نفط.

الطاولة إنقلبت على رأس الأوروبيين بعد فرض سياسة تقشّف حاد، وذلك نتيجة لقرار أوروبا استبدال الغاز السائل بالغاز الروسي وشراء غاز أغلى ثمناً بـمزيد من الاعتماد على أمريكا.

وتتفاقم الأزمات في أوروبا يوما بعد يوم، وباتت تداعياتها تثقل كاهل الأوروبين في ظلّ تفاقم أزمة التضخّم وارتفاع أسعار الطاقة الى مستويات قياسية، ويأتي هذا على خلفية العقوبات المرتدة التي فرضتها روسيا على العواصم الأوروبية، لاسيما في قطاع الطاقة.

ففي إيطاليا، أحرق العشرات من المحتجين فواتير الغاز والكهرباء وسط مدينة نابولي الإيطالية الجمعة، احتجاجا على ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء. وينتمي المتظاهرون بشكل رئيسي إلى حركة “العاطلون عن العمل في سكامبيا” وهي إحدى ضواحي نابولي حيث تجمع المتظاهرون أمام مكتب البريد المركزي وساروا لاحقًا نحو مبنى البلدية.

وقال أحد المتظاهرين: “لا نريد أن ندفع ثمن حربهم، أو أزمتهم، أو تكهناتهم”.  وقال متظاهر آخر: “بالإضافة إلى فواتير الطاقة، سنموت جوعاً لأننا لن نتمكن من وضع الطعام على المائدة لأبنائنا. لقد زادت أسعار الحليب والمعكرونة وزيت الزيتون. وكذلك صلصة الطماطم والفاكهة، لم نعد قادرين على شراء الفاكهة بعد الآن. أصبحت الفاكهة سلعة فاخرة”.
السياسة لا تهتم بالمواطنين

في ما قال ثالث: “السياسة لا تهتم بالمواطنين. وسائل الإعلام تعطي أخبارًا كاذبة، مع زيادة الناتج المحلي الإجمالي، وانخفاض البطالة. أين يرون هذا؟ إنهم يهتمون فقط بأعمالهم والحرب. سيخلقون وباءً جديدًا لكسب المزيد من المال. إنهم يقطعون إعانات البطالة. إنهم يطلبون منا بشكل أساسي أن نذهب ونقوم بالسرقة. إنهم يجبروننا على أن نصبح لصوص.

وفي بريطانيا، احتشد قرابة الـ 100 شخص أمام مقر إقامة ليز تراس رئيسة الوزراء البريطانية المنتخبة من حزبها “المحافظين” احتجاجا على ارتفاع أسعار الكهرباء. ووفقا فإن المتظاهرين رددوا شعارات مناهضة لتراس وسياسة رفع أسعار الكهرباء.

هذه التطورات، التي تلحق الشقاء بغالبية المواطنين الأوروبيين، ستكون بشرى سارة للسياسيين الأمريكيين. فقد يؤدي هذا الوضع الى تقليل مشاكل أمريكا الاقتصادية وزيادة ارتباط الدول الأوروبية بـسياسات أمريكا، وخضوعها لقرار واشنطن على الساحة الدولية.

كان من الأحرى على زعماء أوروبا أن يدركوا أنهم غير قادرين على ممارسة الضغط على الدول من خلال خلق احتياجات ثانوية يحتاجونها هم أنفسهم لتلبية احتياجاتهم الأساسية والحياتية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى