تقارير

كيف تجعل مسيرة الأربعين في العراق حدود العالم بلا معنى؟

الإباء / متابعة

توصف الثقافة في المجتمعات المختلفة بأنها الأساس الهيكلي والمشكِّل لنوع العلاقات الاجتماعية، والتي لا تعتمد قوتها على قضايا الأجهزة الصعبة، بل من خلال الاعتماد على الأدوات الناعمة وغير الملموسة.

بشكل عام، في المجال الثقافي، يعتمد العمل الرئيسي على قضايا البرمجيات، وبالتالي فإن قضايا البرمجيات دائمًا ما تكون ذات أهمية مضاعفة في مجال الثقافة.

في المجتمعات الإسلامية، تشكل الطقوس والاحتفالات الدينية جزءًا من ثقافة تلك المجتمعات، ويمكن أن يؤدي عقد هذه الاحتفالات إلى توسيع وقبول الطقوس الإسلامية بين المجتمعات الأخرى.

بمعنى آخر، ستوسع الممارسات الدينية والإسلامية مجال نفوذها من المجتمعات الإسلامية إلى المجتمعات غير الإسلامية، بتطبيقها المبدئي والصحيح، ويمكن ملاحظة هذا التأثير الثقافي في انتشار طقوس عزاء الإمام الحسين(عليه السلام) خلال شهر محرم من الدول الإسلامية إلى الدول الغربية والأوروبية، خلال العقود القليلة الماضية.

من ناحية أخرى، من بين الطقوس الإسلامية، استطاعت المسيرة السنوية لأربعينية الإمام الحسين(عليه السلام) في العراق، جذب الكثير من الاهتمام في السنوات القليلة الماضية.

خلال العقدين الماضيين، حيث تم الاحتفال بطقوس الأربعين بحرية، تأخذ هذه الطقوس أبعادًا أكبر كل عام، واليوم فإن إقامة هذه المسيرة المليونية بحضور جنسيات ومواطنين من مختلف دول العالم، تشير إلى أن مراسم الأربعين لم تعد مقصورةً على العراق، بل جذبت هذه الطقوس الدينية المعجبين حتى في أبعد الأماكن من كندا إلى أمريكا اللاتينية، الذين يذهبون إلى الأماكن المقدسة في العراق نهاية شهر صفر.

مسيرة الأربعين: من بين النخيل إلى الطريق العام

تقام مسيرة الأربعين بحرية في العراق منذ حوالي عقدين من الزمن، وقبل ذلك كانت ممنوعةً في عهد صدام.

في نهاية القرن الرابع عشر الهجري، عارض حزب البعث العراقي مسيرة الأربعين، وفي بعض الأحيان عومل المشارکون فيها بعنف. وكان آية الله السيد محمد الصدر قد أعلن وجوب السير إلى كربلاء في فترة ما.

حتى في أربعينية عام 1355 الهجري، حظر حزب البعث العراقي إقامة الاحتفالات والمواكب الدينية والسير إلى كربلاء، لكن أهالي النجف استعدوا لإقامة مراسم الأربعين في الـ 15 من صفر من ذلك العام واتجهوا نحو كربلاء.

قوبل هذا التحرك برد فعل حكومة صدام حسين وقتل عدد من الأشخاص واعتقال مجموعة. وحُكم على السيد محمد باقر الحكيم بالسجن المؤبد في هذه الانتفاضة، كما حُكم على بعض العلماء بالإعدام غيابيًا مثل العلامة العسكري، والسيد محمد حسين فضل الله، ممن هربوا من العراق.

يتحدث بعض العراقيين عن ذكرياتهم الخطيرة في عهد صدام، بسبب إقامة مسيرة الأربعين سراً والمرور بأشجار النخيل والحدائق. في ذلك الوقت، كان على الشيعة العراقيين المرور عبر أشجار النخيل والحدائق لإقامة هذه المسيرة، حتى لا يروا عملاء الحكومة.

كان صدام قلقًا جدًا من أن تصبح مسيرة الأربعين فرصةً للشعب العراقي، وخاصةً شيعة هذا البلد، ولذلك كان حريصًا جدًا على عدم عقد هذه المسيرة.

وبعد سقوط صدام، تمكن العراقيون من إقامة مسيرة الأربعين بحرية على الطريق السريع بين مدينة النجف وكربلاء، ولم تکن هناك القيود السابقة. لذلك، منذ عام 2003، تقام هذه المسيرة أكبر وأكثر مجداً وروعةً كل عام.

تجري هذه المسيرة، التي تقام في الأيام التي تسبق الـ 20 من صفر وعشية أربعينية الإمام الحسين(عليه السلام)، من مناطق مختلفة من العراق باتجاه كربلاء بهدف زيارة الأربعين. يذهب معظم الزوار إلى كربلاء من النجف، وعلى طول الطريق توجد أماكن لاستقبال الزوار تسمى المواكب.

يعتبر هذا الحدث أكبر تجمع ديني سنوي في العالم. وعن عدد المشاركين في هذه المسيرة، فقد تم ذكر إحصائيات تراوح بين اثني عشر مليوناً وعشرين مليون شخص.

قيم مسيرة الأربعين

لا شك أن مسيرة الأربعين، إضافة إلى قيمها الروحية والدينية، لها قيم أخلاقية لا حصر لها، وهذه القيم الأخلاقية، إضافة إلى جوانبها الروحية والدينية، تستقطب الملايين من الناس كل عام.

تشير إحصائيات وزارة الداخلية العراقية إلى أن ما لا يقل عن مليون و300 ألف زائر أجنبي قدموا إلى العراق، وشاركوا في مسيرة الأربعين عام 2013.

وحسب إحصائيات الحكومة العراقية لعام 2018، فقد وصل هذا العدد إلى أكثر من مليون وثمانمئة ألف شخص، ومن المتوقع أن يصل عدد الزوار الأجانب المشاركين في مسيرة الأربعين هذا العام، إلى أكثر من عدة ملايين من الأشخاص.

وأعلن موقع العهد العراقي في أكتوبر 2018، أن ما يقرب من عشرين مليون شخص شاركوا في مسيرة الأربعين هذا العام من الخامس إلى العشرين من شهر صفر(4 إلى 19 أكتوبر 2019)، 17 مليونا منهم مواطنون عراقيون من داخل وخارج البلاد، أي حوالي 40 في المئة من سكان العراق، أو حوالي 75 في المئة من السكان الشيعة في البلاد. وهکذا، فقد حدث أكبر وأضخم تجمع بشري وأكثره شمولاً في تاريخ العالم والعصر الحديث.

والقيمة المهمة الأخرى لمسيرة الأربعين، هي جمع مواطنين من أكثر من 20 دولة مختلفة في العالم. في مسيرة الأربعين عام 2021، تم الإعلان عن قدوم أكثر من ثلاثة ملايين زائر إيراني ونصف مليون باكستاني ونصف مليون شخص من دول أخرى في العالم، وخاصةً الهند،جمهورية أذربيجان، تركيا، أفغانستان، لبنان، الكويت، البحرين، السعودية ودول أخرى، وهذا يعني أكبر تجمع بشري أجنبي في بلد ما في عدة أيام.

نوع التفاعلات والعلاقات الاجتماعية التي تشكلت في مسيرة الأربعين، يُظهر أعظم مشاعر وعواطف البشر تجاه الناس الآخرين. کما يُظهر وجود الآلاف من مراكز استقبال الأشخاص جنبًا إلى جنب مع تقديم مئات الخدمات التطوعية، أنه بغض النظر عن الجنسية واللغة والعرق، يمكن للأشخاص مساعدة بعضهم البعض.

في الوقت نفسه، فإن النقطة المهمة في مسيرة الأربعين هي جانبها الشعبي والتطوعي، ولهذا السبب، يبدو أن مسيرة الأربعين تمكنت من إظهار الجوانب الإنسانية لحدث غير حكومي وغير سياسي على نطاق عالمي، وهذه القيم هي التي تجعل مسيرة الأربعين تتخطی حدود العراق، ويشارك في هذا الحدث كل عام مواطنون من جميع أنحاء العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى