تقارير

عقب تبادل استدعاء السفراء.. إلى أين تتجه العلاقات التونسية المغربية؟

الإباء / متابعة

علّقت وزارة  الخارجية التونسية على قرار المغرب مقاطعة ندوة طوكيو الدولية للتنمية في أفريقيا “تيكاد 8 المزمع إقامتها في تونس يومي 27 و28 أغسطس الجاري على خلفية استقبال رئيس الجمهورية قيس سعيد للأمين العام لجبهة البوليساريو ابراهيم غالي الذي جاء للمشاركة في مؤتمر طوكيو.

وأعربت الخارجية عن استغرابها الشديد ممّا ورد في بيان المملكة المغربية من تحامل غير مقبول على تونس ومغالطات بشأن مشاركة الوفد الصحراوي في الندوة المذكورة.

وأوضحت أنّ تونس حافظت على حيادها التام في قضية الصحراء الغربية التزاما بالشرعية الدولية، وهو موقف ثابت لن يتغير إلى أن تجد الأطراف المعنية حلاّ سلميا يرتضيه الجميع الى جانب التزامها بقرارات الأمم المتحدة، فإنّها مُلتزمة أيضا بقرارات الاتحاد الإفريقي التي تعدّ تونس من أحد مؤسّسيه

وبينت الخارجية أنه خلافا لما ورد في البيان المغربي، فقد قام الاتحاد الإفريقي في مرحلة أولى بصفته مشاركا رئيسيا في تنظيم ندوة طوكيو الدولية بتعميم مذكّرة يدعو فيها كل أعضاء الاتحاد الإفريقي بما فيهم “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” للمشاركة في فعاليات قمة تيكاد-8 بتونس.

كما وجّه رئيس المفوضية الإفريقية، في مرحلة ثانية  دعوة فردية مباشرة للجمهورية الصحراوية لحضور القمة، مشيرة إلى أن هاتين الدعوتين تأتيان تنفيذا لقرارات المجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي في اجتماعه المنعقد بلوزاكا/ زمبيا يومي 14 و15 جويلية 2022 -بحضور الوفد المغربي- حيث أكّد القرار على ضرورة دعوة كافة أعضاء الاتحاد الإفريقي للمشاركة في قمة تيكاد-8.

وأشارت إلى أنه سبق للجمهورية الصحرواية وأن شاركت في الدورة السادسة للتيكاد المنعقدة بنيروبي/كينيا سنة 2016 والدورة السابعة المنعقدة بيوكوهاما /اليابان سنة 2019، كما شاركت أيضا في اجتماعات إقليمية أخرى على غرار القمة الإفريقية-الأوروبية المنعقدة في فيفري 2022 ببروكسيل وذلك بمشاركة المملكة المغربية في جميع هذه القمم

وأكدت وزارة الخارجية أنه بناء على ما سبق من معطيات موثقة لدى الاتحاد الإفريقي، فأنّه لا وجود لأي تبرير منطقي للبيان المغربي، ولا سيما أنّ تونس احترمت جميع الإجراءات الترتيبية المتعلقة باحتضان القمة وفقا للمرجعيات القانونية الإفريقية ذات الصلة بتنظيم القمم والمؤتمرات واجتماعات الشراكات

وأكدت تونس حرصها على المحافظة على علاقاتها الودية والأخوية والتاريخية العريقة التي تجمعها بالشعب المغربي، رافضة بشكل قطعيّ ما تضمنه البيان المغربي من عبارات تتهم تونس باتخاذ موقف عدواني تجاه المغرب ويضر بالمصالح المغربية

وشدّدت على أنه انطلاقا من ثوابت سياستها الخارجية، على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام خياراتها، فإنها تؤكد أيضا على رفضها التدخل في شؤونها الداخلية وعلى سيادة قرارها الوطني، وعلى هذا الأساس فقد قررت تونس دعوة سفيرها بالرباط حالا للتشاور.

وجاءت الأزمة الدبلوماسية بين المغرب وتونس الجمعة لتثير عاصفة من النقاشات والجدل في الفضاء الإلكتروني، امتزجت فيها قضية الصحراء الغربية بالأزمة السياسية في تونس بجانب توتر العلاقات بين الرباط والجزائر.

وكانت الحكومة المغربية قد عزت قرارها باستدعاء السفير ومقاطعة تجمع دولي في تونس إلى مشاركة زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي في ندوة “تيكاد” اليابانية الإفريقية.

وكان الرئيس التونسي قيس سعيد، قد استقبل غالي ،على غرار رؤساء دول وحكومات آخرين حضروا القمة، وتحدث معه في القاعة الرئاسية بالمطار.

واعتبرت الرباط استقبال غالي للمشاركة في القمة الإفريقية اليابانية “عملاً خطيراً وغير مسبوق يجرح بشدة مشاعر الشعب المغربي”.

وأضافت إن تونس قررت “خلافا لنصيحة اليابان وفي انتهاك لعملية الإعداد والقواعد المعمول بها من جانب واحد دعوة الكيان الانفصالي”.

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، بدت آراء المغردين تعكس الأجواء السياسية المتوترة بين البلدين، إذ رأى قطاع من المغردين أن ما حصل هو خطوة “خطرة” ومن شأنها أن “تزج تونس في لهيب الصراعات وتهديد ما تبقى من استقرار البلاد”.

وانتقد تونسيون رئيس البلاد، معتبرين إن سعيد يضم تونسي إلى “جوقة الدول التي تبتز المغرب”، معبرين عن قلقهم من تداعيات الأمر على البلاد.

وفي المقابل، دافع آخرون عن سيادة تونس و”حقها بأن يكون لها آراء ومواقف واستقبال أي كان”. وشيد مغردون وسم #تونس_سيدة_قرارها للدفاع عن الموقف التونسي.

وبرأي الباحث في العلاقات الدولية، بشير الجويني، فقد “أصبح واضحاً انخراط تونس في سياسة المحاور، على الرغم أن السياسة التونسية معروف عنها تاريخياً أنها حرصت على تجنب ذلك“.

وبيّن أن “تونس خرجت نهائياً من موقف الحياد في هذا الملف، ومن مواقف الدبلوماسية التونسية الحكيمة والرصينة”، مشيراً إلى أن “الشجاعة لا يجب أن تكون تهوراً، ولا بد من مراعاة المصالح الداخلية والخارجية، وعلاقتنا مع المغرب ستتضرر للأسف، وانخراط تونس في سياسة المحاور سندفع ثمنه بالتأكيد“.

بدوره عبد الفتاح البلعمشي، أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة القاضي عياض بمراكش، يرى أن هذه الخطوة التي أقدمت عليها تونس “سيكون لها ما بعدها بالنظر للوضعية التي تعيشها قضية الصحراء وتعديل مواقف عدد من الدول لمواقفها لمصلحة الطرح الوطني المغربي في حل هذا النزاع“. 

الجامعي، الذي يرأس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات بالرباط، أضاف إن بلاغ الخارجية يفهم منه “أن أزمة تلوح في الأفق بين المغرب وتونس وأن خطوات موالية ستقدم عليها المملكة قد تصل إلى قطع العلاقات الدبلوماسية”. البلعمشي يرى، أيضا، أن ما يثير حفيظة المغرب هو “أن تونس بهذا القرار تتبنى بالمطلق الموقف الجزائري بشكل لم تجرؤ أي دولة من دول الجوار المغاربي القيام به من قبل ما يعطي مؤشرات جديدة على مستقبل العلاقات المغاربية ويهدد مستقبل الاتحاد المغاربي أكثر من أي وقت مضى“.

من جهته قال الدبلوماسي ووزير الخارجية التونسي السابق أحمد ونيّس، إن تونس تلقت البيان المغربي باستغراب شديد، مشيرا إلى أن تونس تفاجأت بدورها من قدوم وفد عن الصحراء الغربية إليها وكان في الاستقبال “بالصدفة” رئيس الجمهورية التونسية ورئيسة الحكومة اللذان كان يستقبلان الوفود المشاركة في القمة.

ولفت ونيّس إلى أن الجانب التونسي تأكد من أن الجهة التي دعت هذا الوفد هي الاتحاد الأفريقي الذي تولى عملية اختيار الوفود المشاركة في القمة، قائلا إن هذه الزيارة لن يكون لها استتباعات وأنها ستنتهي بانتهاء القمة.

وأضاف: “نحن نأسف للخطوة المغربية التي كان من الممكن لتونس تجنبها، خاصة وأنه سبق لملك المغرب أن دعا جميع الدول في خطاب 20 أغسطس/آب الجاري إلى توضيح موقفها من قضية الصحراء وألا تبقى في موقف الضبابية والحياد“.

ويرى ونيّس أنه كان يتوجب على تونس أن تدرس أبعاد هذه الحساسة المغربية العالية التي سبق وأن تسببت في خلاف بين المغرب وإسبانيا وألمانيا، قبل أن تتراجع هاتين الأخيرتين عن مواقفها تجاه ملف الصحراء الغربية.

ونقل ونيّس احترازه من اقتصار زيارة الرئيس التونسي قيس سعيد إلى الجزائر دونًا عن المغرب، بالرغم من أن المملكة المغربية كانت أول من استجاب لحاجة تونس إلى مساعدات لمجابهة جائحة كورونا، مشيرا إلى أن هذا الأمر فُهم على أنه تقرب من الجزائر على حساب المغرب. ومع ذلك، يرى الدبلوماسي أنه بإمكان تونس، إثر انتهاء قمة “تيكاد”، أن تطرح قضية استعادة السفراء إلى عواصمهم واستعادة العلاقات الطبيعية بين البلدين المبنية على الأخوة وعلى المستقبل المشترك، مشيرا إلى أن “الأخوة العميقة بين تونس والمغرب تمكن من تجاوز هذه العقبة“.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى