مقالات

احتواء الأزمة العراقية.. مفاعيل الخارج لتعزيز حراك الداخل

عادل الجبوري

بعشر صفحات كاملة، استعرض وزير المال العراقي علي عبد الأمير علاوي في خطاب استقالته إلى رئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته مصطفى الكاظمي مجمل تفاعلات ومجريات المشهد العراقي بشقيه الاقتصادي والسياسي في العامين الماضيين بالدرجة الأساس، أي منذ تأليف الحكومة الحالية التي تولى حقيبة المال فيها في حزيران/يونيو عام 2020، وعقد علاوي جملة مقارنات بين وضع الوزارة في عهده ووضعها في عهود أسلافه، وتطرق إلى كثير من الجزئيات والتفاصيل، من دون الخوض في الأسماء والمسميات، إلا بصورة عابرة في بعض السطور.

من غير الممكن قراءة استقالة أحد أبرز وزراء حكومة الكاظمي، بعيداً من مجمل ما جرى ويجري من وقائع وأحداث في الساحة العراقية، بل إن تلك الاستقالة، تعد في جانب منها نتيجة، وفي جانب آخر سبباً. فجزء كبير من الأزمة-المشكلة، يحمل طابعاً اقتصادياً، كانت وزارة المال معنية ومساهمة و”متورطة” فيه، ولعل عملية الإصلاح التي تنادي بها اليوم أوساط سياسية ومحافل شعبية واسعة هي في واقع الأمر اعتراضات وتحفظات واستياء ورفض لبعض سياسات الوزارة الاقتصادية-المالية من قبيل رفع قيمة الدولار الأميركي في مقابل الدينار العراقي، والورقة الإصلاحية البيضاء، وقانون الأمن الغذائي، وقرارات أخرى غير قليلة، التي أكد الوزير في خطاب استقالته المطول، أن التأثيرات والضغوط السياسية-الحزبية، ألقت بظلالها على عمل وأداء وزارته، وتالياً على حيز كبير من عمل وأداء الحكومة.

وقد برزت قراءتان لاستقالة الوزير علاوي، الأولى تتمثل في أنه وصل إلى نتيجة مفادها أنه لم يعد في الإمكان القيام بشيء عملي مفيد في ظل الواقع السياسي المتأزم، فضلاً عن أن فرص استمرار الحكومة الحالية وبقائها باتت ضئيلة جداً، وحتى لو كتب للكاظمي تولي رئاسة الحكومة مجدداً -وإن كان ذلك مستبعداً-فعليه أن يأتي بوزراء جدد. والقراءة الثانية، تتمثل في أن علاوي، يمكن أن يكون قد وصل إلى طريق مسدود، ولم يعد قادراً على العمل والتقدم إلى الإمام وفق رؤاه وتصوراته وقناعاته، وهذا ما أشار إليه وأوضحه في خطاب الاستقالة.

ولا شك في أن القراءتين، فيما لو صحّتا، تلتقيان على كثير من النقاط التي تتمحور حول حقيقة، أن الانسداد السياسي وغياب الأفق الإيجابي المثمر، لن يقتصرا على مساحات سياسية معينة ومحددة، وإنما سيتسعان وتمتد آثارهما السلبية الخطرة إلى مساحات تتعدى وتتجاوز المساحات السياسية التقليدية.

ولأن الاستقالة، جاءت متزامنة وحراكاً سياسياً وشعبياً محتدماً، وخيارات غامضة للمرحلة المقبلة، فمن الطبيعي جداً أن تُعَدَّ جزءا ًمن ذلك الحراك، أو حصيلة له. ومن يدري، ربما يقدم وزراء آخرون على اتخاذ الخطوة نفسها، علماً أن تسريبات إعلامية أشارت إلى تقديم وزير الداخلية عثمان الغانمي استقالته، إلا أن الوزارة سارعت إلى نفيها رسمياً، في حين تؤكد أوساط مطلعة أن الغانمي أخبر الكاظمي شفهياً برغبته في الاستقالة، إلا أن الأخير رفض ذلك وطلب إلى بعض الجهات الضغط عليه وثنيه عن ترك الوزارة في هذا الوقت تحديداً، مع أن العلاقة بين الرجلين لم تكن طوال العامين الماضيين على ما يرام.

وتتخوف أطراف من إقدام علاوي على إماطة اللثام عما لم يكشفه في خطاب الاستقالة، لاسيما في حال غادر العراق وأصبح في مأمن من أي تهديدات ومخاطر على حياته، ولأن ما يمتلكه الوزير المستقيل في جعبته من أسرار غير خافٍ على الفرقاء السياسيين الكبار، لذا فمن الطبيعي أن تكون الاستقالة، وبما انطوت عليه من أبعاد، حاضرةً بقدر معين في مفاوضات وحراك الكواليس من أجل نزع فتيل الأزمة وإنهاء حالة الانسداد السياسي، والتوصل إلى صيغة توافقية تضمن خفض سقف التصعيد، والتفاهم على الحد الأدنى مما يمكن التفاهم عليه.

ومع أن أجواء التصعيد والتسقيط الإعلامي والسياسي بين التيار والإطار ما زالت تسير وتتحرّك بوتائر متسارعة، إلا أنه بحسب عدد من المعطيات والمؤشرات تشهد الكواليس مصارحات ومكاشفات تهيّئ لأجواء تهدئة نسبية، بعد بلوغ الأزمة ذروتها، ومن بين تلك المعطيات والمؤشرات، إعلان زعيم التيار الصدري تأجيل التظاهرة المليونية التي كان قد دعا إليها وحدّد موعداً لها في العشرين من شهر آب/أغسطس الجاري حتى إشعار آخر، مخاطباً خصومه “إن كنتم تراهنون على حرب أهلية، فأنا أراهن على الحفاظ على السلم الأهلي، والدم العراقي غالٍ، بل أغلى من كل شيء، وسيبقى الشعب العراقي على اعتصامه حتى تتحقق مطالبه”.

ويبدو أن مقتدى الصدر وجهات أخرى، رأت أن تواصل وتزايد الشد والاحتقان الشعبي بين التيار والإطار، قد يفجّر الوضع بحيث يخرجه عن السيطرة، وهو ما ينبغي كبح جماحه إلى أقصى قدر ممكن، وتراجع الصدر عن التظاهرة المليونية جاء في هذا الاتجاه.

المسألة الأخرى في هذا السياق، اجتماع الحوار الوطني الذي دعا إليه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وشارك فيه مختلف القوى والزعامات والشخصيات السياسية، ما عدا التيار الصدري الذي أكد في بيان رسمي له “أنه وبجميع عناوينه وشخصياته السياسية لم يشترك فـي الحوار السياسي الذي دعا إليه السيد رئيس مجلس الوزراء .. لا عن طريق مباشر ولا غير مباشر”.

وواضح جداً أن مخرجات الاجتماع وحجم المشاركة فيه، لاسيما من قبل حلفائه السابقين من الكرد والسنة، أغضب جميعها الصدر، وبدا ذلك الغضب جلياً من خلال تغريدات له أو لوزيره صالح محمد العراقي بهذا الشأن.

ووفق البيان الصادر عن المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء العراقية، “عبر المجتمعون عن التزامهم الثوابت الوطنية، وإيجاد حل لكل الأزمات من خلال الحوار واعتماد روح الأخوّة والتآزر، حفاظاً على وحدة العراق وأمن شعبه واستقراره، وديمومة النظام الديمقراطي الدستوري الذي يحتكم إليه الجميع، وتغليب المصالح الوطنية العليا، والتحلي بروح التضامن بين أبناء الوطن الواحد، لمعالجة الأزمة السياسية الحالية”.

وأشار المجتمعون إلى أن “الاحتكام مرة جديدة إلى صناديق الاقتراع من خلال انتخابات مبكرة ليس حدثاً استثنائياً في تاريخ التجارب الديمقراطية عندما تصل الأزمات السياسية إلى طرق مسدودة، وأن القوى السياسية الوطنية تحتكم إلى المسارات الدستورية في الانتخابات”.

وكذلك، دعا المجتمعون الإخوة في التيار الصدري إلى “الانخراط في الحوار الوطني، لوضع آلياتٍ للحل الشامل بما يخدم تطلعات الشعب العراقي وتحقيق أهدافه”، واتفقوا على “استمرار الحوار الوطني، من أجل وضع خريطة طريق قانونية ودستورية لمعالجة الأزمة الراهنة”.

ودعا المجتمعون إلى “وقف كل أشكال التصعيد الميداني، والإعلامي، والسياسي، مؤكدين ضرورة تقوية مؤسسات الدولة والعودة إلى النقاشات الهادئة بعيداً من الإثارات والاستفزازات التي من شأنها أن تثير الفتن، وناشدوا وسائل الإعلام والنخب دعم مسار الحوار الوطني، والسلم الاجتماعي، بما يخدم مصالح الشعب”.

ولعل هذه المواقف لا تنسجم ورؤية زعيم التيار الصدري، بيد أنها تحتم عليه -ولا نقول مراجعة مواقفه-إبداء المرونة فيها، خصوصاً أن هناك إجماعاً أو شبه إجماع على طبيعة المسارات المطلوبة لما يريده الصدر، المتمثل في حلّ البرلمان والذهاب إلى انتخابات برلمانية مبكرة أخرى.

إلى جانب ذلك، فإن رئيس تحالف الفتح هادي العامري، أجرى حراكاً متعدد الاتجاه على قوى وشخصيات سياسية من مختلف المكونات، خصوصاً الكردية منها، ويراهن ويعول البعض على حراك العامري، آملين أن ينتهي إلى عقد لقاء مع زعيم التيار الصدري في مقره بمنطقة الحنّانة بمدينة النجف الأشرف، والمراهنة ترتبط بطبيعة العلاقة الإيجابية الجيدة بين الرجلين.

وهناك أيضاً حراك المبعوثة الأممية في العراق جينين بلاسخارت، التي حضرت اجتماع الحوار الوطني. وترى أوساط سياسية عديدة أن الدور الأممي في هذا المنعطف الخطر، مهم وضروري جداً، خصوصاً أنه مدعوم بقوة من الفرقاء الإقليميين والدوليين، أمثال إيران والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والاتحاد الأوربي، وربما أطراف أخرى.

وقد لا تخرج زيارة رئيس تيار الحكمة السيد عمار الحكيم للمملكة العربية السعودية أخيراً عن سياق الجهود والمساعي المبذولة لاحتواء الأزمة. وسواء ذهب الحكيم بناء على دعوة رسمية من الرياض أو من دونها، وأياً يكن برنامج زيارته والموضوعات المطروحة للبحث والنقاش، فما لا شك فيه أن الملف العراقي بتفاعلاته المحتدمة كان حاضراً بقوة.

ومع أن مسيرة العلاقات العراقية-السعودية لم تكن طيبة طوال العقدين المنصرمين، إلا أن علاقات السعودية الإيجابية بزعيم التيار الصدري الذي زارها في أواخر شهر تموز-يوليو الماضي، وكذلك العلاقات الإيجابية لها بالحكيم بنهجه الوسطي وخطابه المعتدل، التي تعود جذورها إلى عهد عمه رئيس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي الأسبق، الشهيد السيد محمد باقر الحكيم، قد تتيح للرياض الدخول على خط الأزمة، في إطار العمل لحلحلة المواقف المتصلبة.

إن ما يحتم على الجميع، وليس على الفرقاء العراقيين فقط، البحث عن حلول وسط، هو أن تجربة الأشهر العشرة الماضية التي أعقبت الانتخابات البرلمانية، أثبتت أن منهج الاشتراطات والإملاءات غير مجدٍ، وأن ليس في إمكان أي طرف السير والتقدّم في خياراته بعيداً من الطرف الآخر، وأن الإصرار والتشبّث بالمواقف والمطاليب والتوسل بورقة الشارع يمكن أن يقطع الطريق على الخصم، لكنه لا يمكّن صاحبه من تحقيق ما يريده ويرغب فيه ويخطّط له، ما يبقى الجميع تالياً يدور في حلقة مفرغة ويعيش هواجس أسوأ الخيارات وأخطرها، لاسيما أن استقالة علاوي هي أول الغيث لا آخره!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى