مقالات

ترسيم الحدود البحريّة اللبنانية واحتمالات الحرب

زياد ناصر الدين

عندما قررت شركة “توتال” في عام 2020 إيقاف أعمال الاستكشاف في البلوك الرقم 4، الواقع قبالة الساحل اللبناني، وإخراج سفينتها مع ما تحمله من معدات منه بصورة مفاجئة، لم يكن ذلك وليد الصدفة، وخصوصاً أنّ الشركة الفرنسية لم تسلّم لبنان تقريراً تفصيليّاً عن نتائج عملها بعد تعليقه.

لاحقاً، بدأت ترد إشارات تؤكد خروج “توتال” نتيجة أمر سياسي صادر عن الولايات المتحدة، وأثبتت الشركة نفسها الأمر عندما بعثت رسالة إلى لبنان، تؤكد فيها أنّها ستعود فوراً إلى العمل عند الانتهاء من الاتفاق على ترسيم الحدود مع “إسرائيل”، مع العلم بأنّ البلوك الرقم 4 بعيد أكثر من 70 كلم بحرياً عن إشكال الحدود.

شينكر واعترافاته بحصار لبنان

عشية الانتخابات النيابية اللبنانية في أيار/مايو الماضي، أدلى مساعد وزير الخارجية الأميركية السابق لشؤون الشرق الأوسط، ديفيد شينكر، خلال ندوة في “معهد واشنطن”، بتصريحات خطيرة اعترف خلالها بالدور الكبير الذي أدّته الإدارة الأميركية في أزمة لبنان.

تحدّث شينكر حينها عن العقوبات التي فرضتها واشنطن على البلاد وعلى “جمّال ترست بنك”، والتي زامنتها عمداً مع قيام وكالات التصنيف الائتماني بخفض تصنيف لبنان. والهدف من الخطوة الأميركية كان ضرب الاقتصاد اللبناني. تزامن ذلك أيضاً مع حركة نقدية مُريبة أدّت إلى ضرب الواقع، مالياً واقتصادياً ونقدياً.

إنّ ما حدث من فرض لهذا الحصار الاقتصادي كان هدفه المباشر إجبار الدولة اللبنانية على التنازل بالكامل فيما يتعلق بملفي ترسيم الحدود البحرية والنفط والغاز، وإخضاعها للسياسات الأميركية بكل تفاصيلها.

مراوغة هوكستين

اعتمد الوسيط الأميركي بشأن ترسيم الحدود آموس هوكستين أسلوب الشيطان الكامن في التفاصيل الاقتصادية، وذلك عبر:

1-   محاولة جرّ لبنان خلال التفاوض إلى التطبيع الاقتصادي مع الكيان المؤقت من خلال طرح “الاستخراج المشترك” و”صندوق الاستثمار المشترك”.

2-  الابتزاز في ملف الكهرباء، عبر ربط ساعتَي تغذية كهربائية بترسيم الحدود.

3-  طرْح الخروج من الأزمة الاقتصادية و”التفكير المتطوّر” وعدم المطالبة بالحقوق. ومن أجل ذلك، حاول استخدام الإخضاع الاقتصادي لتقديم التنازلات.

4-  الإصرار على التنازل المتبادل مع الأخذ في الاعتبار مصلحة الكيان الموقت أولاً، في البلوكين الـ8 والـ9.

إلّا أنّ هذه الأساليب الأربعة، التي اعتمدها هوكستين للتعاطي مع لبنان خلال زياراته، باءت جميعها بالفشل.

المقاومة تدخل المعادلة

إنّ منع لبنان من معرفة ما يمتلك من مصادر طاقة ليس مستجداً، بل بدأ في عهد الانتداب الفرنسي عام 1926، إلّا أنّ دخول المقاومة على خط النفط والغاز، وحاجة أوروبا الملحّة إلى مصادر الطاقة في المتوسط، بعد خلافها مع روسيا بشأن الحرب في أوكرانيا، قَلَبا المعطيات.

باختصار، اقتحمت المقاومة معادلة النفط والغاز، مطيحةً معادلةَ “الشيطان والاقتصاد” التي أسّسها هوكستين، فارضة معادلة “الحق والاقتصاد” بسبب إدراكها حاجة لبنان الفعلية إلى ثروته والمؤامرة التي تحاك لسرقتها، وقررت طرد شياطين هوكستين من التفاصيل، وخصوصاً بعد صدور كلام في واشنطن والكيان المؤقت بشأن خطأ كبير ارتُكب عبر حصار لبنان وإغراقه اقتصادياً، وتنفيذ خطة وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو من أجل إفلاسه من خلال سياسة الضغوط القصوى. فهذا الوضع أدّى إلى تركيز لبنان على ملف النفط والغاز بعد 13 عاماً من المراوغة الأميركية – الإسرائيلية بهدف سرقة الغاز من المنطقة المعتدى عليها، والممتدّة من الخط الرقم 1 إلى الخط الرقم 29، الذي يتضمّن حقل كاريش.

الاحتمالات والمعادلات

إنّ احتمالات حرب قريبة بين لبنان و”إسرائيل” تقع بين معادلتين: الأولى أميركية، والثانية تخص المقاومة:

1-   ترى الولايات المتحدة أنّ المقاومة لن تذهب إلى معركة أو حرب مع “إسرائيل” على الرغم من إرسالها مسيّرات إلى حقل “كاريش”، معتمدة في ذلك على اعتقادها أنّ مجتمع المقاومة وبيئتها الحاضنة غير حاضرين للحرب.

كما تصرّ واشنطن، في معادلتها وتقييمها، على الاستمرار في سياسة الضغوط القصوى على الاقتصاد اللبناني، لا بل تشديدها، في الأشهر المقبلة، على اعتبار أنّها تسيطر على لعبة الدولار في الداخل، وتعلم بتداعياته على الواقع الاجتماعي والقطاعين العام والخاص في البلاد.

2-   تسعى المقاومة لفرض معادلة “استخراج في مقابل استخراج”، ليس من “كاريش” وحده، بل من كلّ الحقول؛ أي أنها تعدّ أن أيّ استخراج للنفط والغاز في الحقول الإسرائيلية التسعة مرتبط بالسماح للبنان بالاستكشاف والتنقيب والاستخراج من حقوله العشرة، خلافاً للخطوط الحُمر التي ترسمها الولايات المتحدة بشأن هذا الأمر.

كما تريد المقاومة أن يتمّ ذلك في أسرع وقت ممكن، ليتمكّن لبنان من إدخال النفط والغاز ضمن بنيانه الاقتصادي، وتحديد طريقة نقله إلى أوروبا خارج خط منظمة منتدى شرقي المتوسط. ومن أساسيات هذه المعادلة أيضاً، رفع الحصار الاقتصادي عن لبنان بصورة فورية، ووقف التلاعب بالدولار في السوق السوداء.

إذاً، نحن أمام المعادلة الأصعب في سواحل المتوسط، وبالتأكيد سيكون هناك غالب ومغلوب. وفرص وقوع الحرب قد تصل إلى 100%، وخصوصاً بعد كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بشأن “اختبار” في شهر أيلول/سبتمبر على مستوى المتوسط.

وفي الشهر نفسه، هناك اختبار آخر على مستوى أوروبا، وهو تجديد عقود الغاز الروسية، بالإضافة أيضاً إلى اقتراب الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة. وبين احتمالات الحرب واللاحرب، فإنّ الأمر يرجع إلى الأميركي. فهل “يكسر الشر” ويفك حصاره عن لبنان؟ أم أنّه سيستمرّ في منعه من استكشاف ثرواته واستخراجها وتصديرها، ويقود المنطقة، بالتالي، إلى حرب جديدة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى