مقالات

عودة المياه إلى مجاريها بين تركيا وسوريا.. ما الذي أغضب أوساط المعارضة؟

الإباء / متابعة

غضب كبير في أوساط المعارضة السوريّة، عقب تصريحات تشاوش أوغلو أظهرت وداً غير مسبوق مع دمشق ودعت للمصالحة بين دمشق والمعارضة لتحقيق سلام دائم، ناهيك عن البيان التركيّ الذي صدر عن المتحدث باسم وزارة الخارجية التركيّة تانجو بيلغيتش والذي أشار فيه إلى أن أنقرة ستواصل المساهمة بقوة في الجهود الرامية لإيجاد حل دائم للحرب في سوريا بما يتماشى مع توقعات الشعب السوريّ وغيرها من التصريحات التي اعتبرت أنّها عودة المياه إلى مجاريها مع دمشق، حيث خرج عشرات الآلاف من المتظاهرين في مناطق شمال سوريا رفضا لقرار المصالحة بين تركيا وسوريا.

شهد يوم الجمعة الماضي تظاهرات من قبل آلاف السوريين المعارضين في مناطق تسيطر عليها الفصائل المتشدّدة التابعة لتركيا في شمال وشمال غرب سوريا، منددين بتصريحات وزير الخارجية التركيّ مولود تشاوش أوغلو، حيث اعتبروا أنّها بمثابة تخل تركيّ عن المعارضة السوريّة بعد سنوات طويلة من الدعم لتحقيق المصالح الداخليّة والحزبيّة وخاصة أنّ الملف السوريّ يعد واحداً من أهم الملفات المؤثرة بشكل كبير على تركيا من أكثر من جانب.

“علينا أن نصالح النظام والمعارضة في سوريا، وإلا لن يكون هناك سلام دائم، هذا ما ركّزت عليه تصريحات تشاوش أوغلو الذي كانت بلاده في بداية الحرب على سوريا عام 2011 من أبرز داعمي المعارضة السورية سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً، وهذا ما دفع بالآلاف من السوريين المعارضين في كبرى مدن الشمال السوري كأعزاز والباب وعفرين وجرابلس التي تسيطر عليها القوات التركية وفصائل المعارضة السورية التابعة لها، لإطلاق شعار “لن نصالح”، كما شهدت مدينة إدلب الواقعة في الشمال الغربيّ ومحيطها الواقعة تحت سيطرة جبهة النصرة أو ما تُعرف نفسها به حاليّاً “هيئة تحرير الشام” وفصائل أخرى أقل نفوذاً، تحركات مماثلة، فيما أحصى ما يُسمى “المرصد السوريّ لحقوق الإنسان” خروج تظاهرات في أكثر من ثلاثين نقطة في الشمال السوريّ مع توثيق إطلاق دعوات لتظاهرات أُخرى.

“ضامن وليس وصياً”، هكذا وصف المتظاهرون دور تركيا كضامن لوقف إطلاق النار في مناطق الشمال السوريّ، أيّ العدوان والاحتلال التركيّ للأراضي السورية الذي يعتبره كثير من السوريين خرقاً كبيراً لمبادئ وميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن التي تدعو للحفاظ على وحدة واستقلال سوريا، وخاصة القرار رقم (2254)، ناهيك عن أنّه تهديد مباشر للأمن في المنطقة وللأمن والسلم الدوليين، حيث وصلت الأمور مع المتظاهرين لإحراق العلم التركيّ وإزالته من مدن عدة، وهذا ما أدانته ما يمكن تسميتها مؤسسات المعارضة التابعة أساساً لتركيا.

وفي ظل الانتصارات العظيمة التي حققتها سوريا في الميدان العسكريّ بعد دحر الجيش السوريّ وحلفائه المجموعات الإرهابيّة المسلحة من أغلب المناطق السورية وسيطرته على معظم مساحة البلاد، ومع بدء عودة بعض الدول التي حاربت وقاطعت دمشق لمدّة طويلة عبر الطريق الدبلوماسيّ، رأى معارضون في تصريحات تشاوش أوغلو تحولاً كبيراً في الموقف التركيّ، في الوقت الذي تستضيف فيه تركيا أكثر من 3,6 ملايين لاجئ سوري على أراضيها منذ بدء الحرب السوريّة الشيء الذي تسبّب بمقتل نحو نصف مليون شخص وألحق دماراً هائلاً بالبنى التحتية والقطاعات المنتجة وأدى إلى نزوح وتشريد ملايين السكان داخل البلاد وخارجها، حسب تقارير دوليّة.

وفي تغير غير متوقع في هذا التوقيت من الناحيّة السياسيّة، قال تشاوش أوغلو إنه بعد مرور 11 عاماً على اندلاع الحرب السورية، مات كثيرون وغادر عديدون بلدهم، يجب أن يتمكن هؤلاء من العودة، بمن فيهم الموجودون على الأراضي التركيّة، لهذا، يتعيّن أن يكون هناك سلام دائم، واعتبر المسؤول التركيّ البارز أن مسار أستانا موجود من أجل التوصل الى حلّ عبر الدبلوماسية والسياسة في سوريا، حيث إنّ التقارب بين سوريا وتركيا يعد سابقة في مجريات الأحداث السوريّة وخاصة أنّ الأخيرة كانت ولا تزال من أكثر الدول عدواناً على السوريين، كما مولت الجماعات الإرهابيّة هناك، وسعت بكل قوتها لإسقاط النظام الحاكم في البلاد، وبالطبع فشلت كل التحالفات السياسيّة والعسكريّة في مشاريعها التدميريّة، وهذا ما جعلهم اليوم يعودون إلى طريق الصواب.

ومن الجدير بالذكر أنّ أنقرة تجري منذ سنوات محادثات مع حلفاء دمشق، أيّ طهران وموسكو، في إطار مسار أستانا الهادف الى إيجاد تسوية سياسية للحرب، بموازاة جهود الأمم المتحدة في جنيف، وأدت اتفاقات تهدئة ضمن هذا المسار حسب تقارير لوقف حملات عسكرية واسعة للجيش السوري وخصوصاً في إدلب، وتنفي تركيا وجود أيّ تواصل مباشر في الوقت الراهن بين الرئيس التركي ونظيره السوري، رغم مطالبة روسيا بذلك منذ زمن طويل، لكن أنقرة أكّدت عودة التواصل مؤخراً بين أجهزة استخبارات البلدين بعد انقطاع على حد قولها.

إضافة إلى ذلك، كشفت تركيا عن لقاء قصير جمع وزير الخارجيّة التركيّ مع نظيره السوري فيصل المقداد في بلغراد في تشرين الأول/أكتوبر أكد خلاله أن “الحل السياسي هو السبيل الوحيد للخروج” من الأزمة، مؤكّداً في الوقت ذاته على ضرورة “القضاء على الإرهابيين”، وتلوّح تركيا منذ أيار بشنّ هجوم على منطقتين تحت سيطرة المقاتلين الأكراد في شمال سوريا، وأكد تشاوش أوغلو أن بلاده “ستواصل قتالها ضد الإرهاب في الميدان في سوريا”، بموازاة جهودها للتوصل الى حل سياسيّ.

في النهاية، دخلت سوريا بالفعل مرحلة مفصليّة من الانتصارات السياسيّة ولو مبدئيّاً، والتي تلت مرحلة الانتصارات العسكريّة الميدانيّة بدعم من حلفائها وبالأخص محور المقاومة، وإنّ الدول التي طالبت بإسقاط الحكومة السوريّة من خلال الحرب العسكريّة المباشرة، توصلت إلى استنتاج مفاده بأنّ عليها تغيير وجهة نظرها من حكومة دمشق والانخراط معها في تفاهمات عدة، وإنّ تلك الانتصارات هي نتيجة طبيعية لصمود وتضحيات الشعب السوريّ الذي ذاق الأمرّين، بعد أن ساهمت تلك الدول بشكل مباشر في افتعال وتدويل الأزمة لتدمير بلادهم ومؤسساته وتحقيق مصالحها في المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى