تقارير

14 آب 2006: جنوح التاريخ وتصحيحه

الإباء / م تابعة

ايهاب زكي

هناك معارك تغيّر مجرى التاريخ، وإن لم تغيّر الخرائط أو الحدود، أو حتى وإن لم تكن المعركة الأخيرة، لكنها على الأقل تحدّ من جنوح التاريخ. ووجود الكيان المؤقت كان جنوحًا تاريخيًا، كما بقاؤه جنوحٌ تاريخي، كما انتصاراته كانت جنوحًا للتاريخ، بينما كانت المعركة في تموز 2006، بمثابة وضع حدٍّ للجنوح التاريخي، حيث انهزم الكيان، بل دخل عصر الهزائم، ولم يعد بقاؤه بديهياً.

منذ الرابع عشر من آب/ أغسطس 2006، الوقت الذي كان فيه الكيان يوقع على اتفاق وقف النار، لم يكن يدرك أنّه يوقع على ما لا يمكن استدراكه، وأنّها لم تكن مجرد كبوة، إنّما كسرٌ لخط الصعود، أدّى به للمنحدر مباشرةً، وكلما حاول رتق المنفتقات عبر المناورات، وتغيير الحسابات، ازدادت فتقاً.

اكتشف الكيان المؤقت أنّ هذا الجندي لم يعد مقاتلاً، إنّما موظف برتبةٍ عسكرية، وقدراته النفسية والجسمانية لا تؤهله ليكون مقاتلاً حقيقياً، وقد استمات الكيان لإعادة بثّ الروح في أوصال جنوده، ليصبحوا مقاتلين حقيقيين، لكنه عبثاً حاول ويحاول، وهؤلاء فقدوا قضيتهم، أو كأنّهم فقدوا الرغبة في البقاء.

كما اكتشف أنّ هذه الترسانة الهائلة من السلاح، مجرد أكوامٍ من الخردة، وفي أفضل الحالات هي آلات تدمير، كأيّ شركة تمتلك معداتٍ ضخمة للهدم، وهذه لم تعد ميزة كبرى، في منازلاتٍ مع أعداءٍ يمتلكون القدرة على إحداث الدمار، وبالتالي لم تعد القدرة على التدمير مرادفة للنصر، كما أنّ تكديس الكيان للسلاح كماً ونوعاً، لم يعد يخوّله لأن يكون قادراً على تغيير المعادلات.

كذلك اكتشف الكيان أنّه يعاني من قصورٍ معيب في انتاج القادة، على المستويين السياسي والعسكري، وهو الشيء الذي لاحظه تقرير “فينوغراد”، ومنذ آب/أغسطس 2006، تراوح الكيان بين مُرّين، كدليلٍ على هذه المعضلة المزمنة، بين مرّ نتن ياهو ومرارة التيه الانتخابي، وأزمة القيادة تجعل الكيان يعيش حرباً أهلية، لكن دون سلاح، وهذا التيه ليس مرشحاً للانتهاء بعد الانتخابات المرتقبة في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

وأيضاً اكتشف حجم هشاشة جبهته الداخلية بشكلٍ صادم، وأنّها تستوطن فلسطين على حرفٍ، وأنّ أياديها أقرب لمقابض الحقائب منها إلى الزناد، وباءت كل محاولات تماسكها بالفشل، كما باءت كل محاولات حمايتها عبر قبابٍ حديدية بالفشل.

ولا ننسى اكتشافه أنّه يعاني من عمى استخباري، حيث إنّه في الوقت الذي ظنّ فيه أنّه قام بتدمير مخازن الصواريخ ومنصات الإطلاق، كان بالفعل يقوم بتدمير مجسماتٍ للتمويه صنعتها المقاومة، دون الحديث عن الفشل بإيقاع اغتيالٍ قيادي أثناء العدوان.

هذا في الماضي، أمّا في المستقبل فالأمر أكثر سوداويةً وأشد خطراً، حيث إنّ المعلومات التي يمتلكها العدو عن المقاومة، تكفي لردعه عن شنّ العدوان، بينما المفاجآت التي تخبئها المقاومة، يعرف أنّها أكثر ردعاً وأشد رعباً، وهي مفاجآت قد تجعل منه مجرد عابرٍ في لحظةٍ عابرة.

بعد ستة عشر عاماً من عدوان تموز 2006، وبعد كل محاولات العدو لسحق المقاومة ومحورها، بالحروب الداخلية والتفتيت والتقسيم والشرذمة، وبالحصار والعقوبات والإفقار، يدرك العدو أنّه لم يعد من ملاذٍ آمن، ولم يعد هناك من طريقةٍ سوى القتال المباشر، وهو ما يتجنبه، ولكن تأجيل المصيبة لا يعني أنّها لن تأتي، ومصيبة الفناء تنتظر الكيان، خلف كل بابٍ سيفتحه للحرب.

مع كل دقيقةٍ تمر منذ ذلك التاريخ، تراكم المقاومة القوة والقدرات، فيما يراكم العدو الوهن على الوهن، وهذا التراكم على الجهتين، ستكون آثاره حتمية مهما تأجلت، ولن يستطيع العدو استدراك ما فاته، لأنّ التاريخ لم يعد جانحاً، وأنّ هناك من وضعه على السكة الصحيحة في 14 آب/ أغسطس 2006.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى