مقالات

لماذا تهرول “إسرائيل” نحو التطبيع الرياضي في المغرب؟

خالد البوهالي

هناك مثل شائع بين المغاربة، يُقال عندما يقوم شخص ما بتصرف مشين: “الزين يَحْشَمّ عْلَى زِينُو والخَايبْ غِيرْ إِلا هدَاه الله”. المقصود هنا أن جميل الوجه يخجل من أن يأتي بأفعال مشينة تسيء إلى جماله. لذا، يستحي. أما قبيح الوجه أو الذميم (الخايب)، فلن يخجل إلا إذا هداه الله.

هذا المثل نسبي لعدة اعتبارات لا مجال لذكرها هنا، إلا أنه ينطبق على الكيان الصهيوني الذي أعلن وزير العدل فيه، جدعون ساعر، أنه توصّل إلى اتفاق مع الوزير المنتدب لدى وزير المالية المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، الذي يشغل في الوقت نفسه منصب رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم، يقضي بإجراء مباراة في كرة القدم بين المنتخب الوطني للشبان والمنتخب الصهيوني في أيلول/سبتمبر المقبل.

من الناحية الإدارية، كان على الاتحاد الصهيوني لكرة القدم، باعتباره الجهاز الوصي على هذه الرياضة، أن يبعث بطلب في الموضوع إلى الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، كما هو متعارف بين الاتحادات الرياضية الوطنية في العالم، لا أن يقوم بذلك وزير العدل الذي يقتصر عمله على قطاع العدالة وما يدور في فلكها، وهذا إن دلَّ على شيء، إنما يدل على استخفاف الكيان الصهيوني بالبروتوكولات والأعراف في التعامل مع مؤسسات الدول الأخرى.

من الناحية التقنية، قد يعتبر البعض أنّ هذه المباراة تندرج في إطار رفع جاهزية المنتحب المغربي استعداداً للاستحقاقات القارية المقبلة، والاحتكاك مع المدرسة الصهيونية في كرة القدم، وإقامة شراكات كتلك التي أُبرمت مع الجامعة الملكية المغربية لكرة السلة.

أولاً: لا يوجد تاريخ كروي يذكر لكرة القدم الصهيونية، رغم أن أنديتها تلعب في أوروبا في كأس عصبة الأبطال وكأس الاتحاد الأوروبي، وبعضها لا يتجاوز حتى الأدوار التمهيدية، وفي أحسن الأحوال الدور الأول، كما أنَّ منتخب الكيان الصهيوني لكرة القدم لم يترك أبداً أيّ بصمة، باستثناء كأس أمم آسيا في ستينيات القرن الماضي قبل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم.

ثانياً: إن المنتخب المغربي للشبان ليس بحاجة إلى المباريات مع هذا الكيان الصهيوني، بل بحاجة إلى المزيد من المباريات مع منتخبات أفريقية وعالمية قوية، لاكتساب المزيد من الخبرة والتجربة والوقوف على مكامن الخلل لإصلاح الثغرات في خطوط الفريق قبل خوض غمار أي منافسات رسمية، لأن مثل هذه المباراة سيفيد المنتخب الإسرائيلي أكثر من المنتخب المغربي للشبان.

 زد على ذلك أنَّ المنتحب المغربي للشبان كانت له صولات وجولات مشرفة في العديد من التظاهرات القارية والدولية، مثل فوزه بكأس أفريقيا للشبان عام 1997 تحت قيادة المدرب رشيد الطاوسي، ومشاركته في كأس العالم في السنة نفسها في ماليزيا، فضلاً عن احتلاله المرتبة الرابعة في كـأس العالم التي أقيمت في إيطاليا عام 2005، إذ احتل المرتبة الرابعة بعد أن أزاح العديد من الفرق العالمية المرشحة إلى الظفر باللقب، وبالتالي فهو يتفوق على المنتحب الصهيوني تفوقاً ساحقاً، من دون إغفال فوزه بكأس فلسطين في العام 1989 وكأس العرب 2011.

كما أنَّ المغرب بصفة عامة له ماضٍ مشرفٍ في جميع الرياضات، سواء في كرة القدم وألعاب القوى أو الرياضات الأخرى كفنون القتال، إذ يعتبر المنتحب المغربي أول فريق أفريقي وإسلامي يتأهل إلى الدور الثاني في كأس العالم في مكسيكو 1986، وهو يتأهل للمرة السادسة إلى كأس العالم الذي سيقام في قطر في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، غير أن السؤال الذي يطرح نفسه: أين ستجري المباراة الودية في حال إجرائها؟

هنا، سنكون أمام فرضيتين:

الفرضية الأولى: إجراء المباراة في المغرب، لكنّها ستكون حتماً بلا جمهور أو بعدد قليل منه، وتحت حراسة أمنية مشددة، كما حصل في المباراة السابقة في كرة السلة بين المنتحب النسوي المغربي والمنتخب الصهيوني، التي جرت في مدينة سلا على مقربة من العاصمة المغربية الرباط.

لا يُتصور أن تحضر الجماهير الغفيرة – هذا إذا حضرت – إلى المدرجات من دون الهتاف لفلسطين ورفع الرايات والأعلام الفلسطينية، وهي التي اعتادت رفعها في كل مشاركة في البطولة الاحترافية والاستحقاقات القارية، ما سيصيب “إسرائيل” بالإحباط.

الفرضية الثانية الأكثر احتمالاً: إجراء المباراة في عاصمة الكيان “تل أبيب” أو في إحدى مدن فلسطين المحتلة، إذ سيعتبرها الإعلام الصهيوني سابقة تاريخية في علاقاته مع دول العالم الإسلامي والعربي، وسيمنحها الكثير من الزخم والتهليل الإعلامي، باعتبار أن المغرب أول دولة إسلامية وعربية تجري مقابلة رياضية مع “إسرائيل”، كتأكيد على الاعتراف بها، واستكمالاً لمسلسل التطبيع معها.

في كلتا الفرضيتين، ستكون “إسرائيل” خاسرة، لأن هدفها من التطبيع الرياضي هو التقرب إلى الجماهير المغربية، وجرّها إلى صفوفها على أمل اختراقها مستقبلاً، وهو ما تصبو إليه بعدما فشلت في استمالة الشعوب التي طبّعت مع أنظمتها في مصر والأردن.

لذا، كان على “إسرائيل” أن تخجل من نفسها وهي تطلب هذا الطلب، وأن تستوعب أن رياضييها ومستوطنيها سيظلون منبوذين لدى أبناء الشعب المغربي، لأنهم غير مرحب بهم، وهي التي تقوم كلّ يوم بأبشع الجرائم بحق أبناء الشعب الفلسطيني، من قتل وتهجير وسرقة لأراضيهم عنوة، منذ أن قامت في العام 1948.

ختاماً، إذا كانت “إسرائيل” ترغب في التقرب إلى شعوب العالم الإسلامي والعربي من خلال الرياضة أو غيرها، فهي تحلم حتماً، أو كما يقول المصريون: “عَشَمْ إبليس في الجنة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى