الدين و الحياة

إثبات نبوّة الرسول الأعظم محمّد صلى الله عليه وآله (1).. السيد محمد باقر الصدر

الإباء | متابعة

كما ثبت الصانع الحكيم بالدليل الاستقرائي ومناهج الاستدلال العلمي كذلك تثبت نبوّة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدليل العلمي الاستقرائي وبنفس المناهج التي نستخدمها في الاستدلال على الحقائق المختلفة في حياتنا الاعتيادية وحياتنا العلمية.
ولنمهّد لذلك بأمثلة أيضاً
إذا تسلّم الإنسان رسالةً من أحد أقاربه، وكان هذا القريب صبيّاً يدرس في مدرسة ابتدائية بأحد الأرياف، فلاحظ الإنسان الذي تسلّم الرسالة أنّها قد كتبت بلغة حديثة وبعبارات مركّزة وبليغة وبقدرة فنيّة فائقة على تنسيق الأفكار وعرضها بصورة مثيرة، إذا تسلّم الإنسان رسالةً من هذا القبيل فسوف يستنتج أنّ شخصاً مثقّفاً واسع الاطّلاع قوي العبارة قد أملى الرسالة على هذا الصبي، أو شيئاً من هذا القبيل. وإذا أردنا أن نحلّل هذا الاستنتاج والاستدلال نجد أنّ بالإمكان تجزئته إلى الخطوات التالية:
الأولى: أنّ كاتب الرسالة صبي ريفي ويدرس في مدرسة ابتدائية.
الثانية: أنّ الرسالة تتميّز بأسلوب بليغ ودرجة كبيرة من الإجادة الفنّية وقدرة فائقة على تنسيق الأفكار.
الثالثة: أنّ الاستقراء يثبت في الحالات المماثلة أنّ صبيّاً بتلك المواصفات التي تقدّمت في الخطوة الأولى لا يمكنه أن يصوغ رسالةً بالمواصفات التي لوحظت في الخطوة الثانية.
الرابعة: يُستنتج من ذلك إذن أنّ الرسالة من نتاج شخص آخر استطاع ذلك الصبيّ بشكل وآخر أن يستفيد منه ويسجّله في رسالته.
ومثال آخر للفكرة نفسها من الأدلّة العلمية وهو الدليل الذي أثبت به العلماء الإلكترون، فقد درس بعض العلماء نوعاً معيّناً من الأشعة ولّدها في أنبوبة مغلقة، ثمّ سلّط على وسط الأنبوبة قطعة مغناطيس على شكل نعل الفرس، فلاحظ أنّ الأشعّة تميل إلى القطب الموجب من المغناطيس وتبتعد عن القطب السالب منه، وكرّر التجربة في ظروف مختلفة حتى تأكّد من أنّ تلك الأشعّة تنجذب بالمغناطيس، وأنّ القطب الموجب في المغناطيس هو الذي يجذبها. ولمّا كان هذا العالم يعرف باستقرائه ودراسته للإشعاعات الأخرى كالضوء الاعتيادي أنّها لا تتأثّر بالمغناطيس ولا تنجذب إليه وأنّ المغناطيس يجذب الأجسام لا الأشعة، أمكنه أن يدرك أنّ انجذاب الأشعة المعيّنة التي كان يجري عليها تجاربه وميلها إلى القطب الموجب من المغناطيس لا يُمكن أن يفسّر على أساس المعلومات المفترضة. ومن هنا اكتشف عاملاً إضافياً وحقيقةً جديدة، وهي أنّ هذه الأشعة تتألّف من أجسام دقيقة سالبة موجودة في جميع المواد، لأنّها تنبعث من مختلف المواد، وسمّيت هذه الجسيمات بالإلكترونات.
وتتلخّص عملية الاستدلال في كلا هذين المثالين مثال الرسالة ومثال الإلكترون في أنّه كلّما لوحظت ظاهرة معيّنة ضمن عوامل وظروف محسوسة، ولوحظ استقرائياً أنّ هذه العوامل والظروف المحسوسة في الحالات المماثلة لا تؤدّي إلى نفس الظاهرة، فيدلّ ذلك على وجود عامل آخر غير منظور لا بدّ من افتراضه لتفسير تلك الظاهرة.
وبكلمة أخرى: أنّ النتيجة إذا جاءت أكبر من الظروف والعوامل المحسوسة بحكم الاستقراء للحالات المماثلة كشفت عن وجود شيء غير منظور وراء تلك الظروف والعوامل المحسوسة.
وهذا ما يصدق تماماً على نبوّة الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم والرسالة التي أعلنها على العالم باسم السماء، وذلك ضمن الخطوات التالية:
الأولى: أنّ هذا الشخص الذي أعلن رسالته على العالم باسم السماء ينتسب إلى شبه الجزيرة العربية، التي كانت من أشدّ أجزاء الأرض تخلّفاً في ذلك الحين من الناحية الحضارية والفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وينتمي إلى الحجاز بالذات من أقطار تلك الجزيرة، وهو قطر لم يمرّ حتى تأريخياً بمثل الحضارات التي نشأت قبل ذلك بمئات السنين في مواضع أخرى محدّدة من تلك الجزيرة، ولم يعرف أيّ تجربة اجتماعية متكاملة. ولم ينلْ هذا القطر من ثقافة عصره على الرغم من انخفاضها عموماً شيئاً يذكر، ولم ينعكس على أدبه وشعره شيء ملحوظ من أفكار العالم وتيّاراته الثقافية وقتئذ، وكان منغمساً من الناحية العقائدية في فوضى الشرك والوثنية، ومفكّكاً اجتماعياً تسيطر عليه عقلية العشيرة، وتلعب فيه الانتماءات إلى هذه العشيرة أو تلك الدور الأساسي في أكثر أوجه النشاط بكلّ ما يؤدّي إليه ذلك من التناقضات وألوان الغزو والصراع الرخيص، ولم يكن البلد الذي نشأ فيه هذا الرسول قد عرف أيّ شكل من أشكال الحكم سوى ما يفرضه الولاء للقبيلة من مواصفات.
ولم يكن وضع القوى المنتجة والظروف الاقتصادية في ذلك الجزء من العالم يتميّز عن أكثر بقاع العالم المتخلّف حينذاك.
وحتى القراءة والكتابة ـ بوصفها أبسط أشكال الثقافة ـ كانت حالةً نادرةً نسبياً في تلك البيئة، إذ كان المجتمع أُميّاً على العموم: ﴿هُوَ الَّذي بَعَثَ في الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبِين﴾1.
وكان شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمثّل الحالة الاعتيادية من هذه الناحية، فلم يكن قبل البعثة يقرأ ويكتب، ولم يتلقّ أيّ تعليم منظّم أو غير منظّم: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذاً لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾2. وهذا النصّ القرآني دليل واضح على مستوى ثقافة الرسول قبل البعثة، وهو دليل حاسم حتى في حقّ من لا يؤمن بربّانية القرآن، لأنّه على أيّ حال نصّ أعلنه النبّي على بني قومه، وتحدّث به إلى أعرف الناس بحياته وتأريخه، فلم يعترض أحد على ما قال، ولم يُنِكر أحد ما ادّعى. بل نلاحظ أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يساهم قبل البعثة حتى في ألوان النشاط الثقافي الذي كان شائعاً في قومه من شعر وخطابة، ولم يؤثَر عنه أيّ تميّز عن أبناء قومه، إلاّ في التزاماته الخُلُقية وأمانته ونزاهته وصدقه وعفّته. وقد عاش أربعين سنةً قبل البعثة في قومه دون أن يحسّ الناس من حوله بأيّ شيء يميّزه عنهم سوى ذلك السلوك النظيف، ودون أن تبرز في حياته أيّ بذور عملية أو اتّجاهات جادّة نحو عملية التغيير الكبرى التي طلع بها على العالم فجأةً بعد أربعين عاماً من عمره الشريف.
﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾3.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ولد في مكّة وظلّ فيها طيلة الفترة التي سبقت البعثة ولم يغادرها إلى خارج الجزيرة العربية إلاّ في سفرتين قصيرتين إحداهما: مع عمّه أبي طالب وهو صبي في أوائل العقد الثاني والأخرى: بأموال خديجة وهو في أواسط العقد الثالث.
ولم يتيسّر له بحكم عدم تعلّمه للقراءة والكتابة أن يقرأ شيئاً من النصوص الدينية لليهودية أو المسيحية، كما لم يتسرّب إليه أيّ شيء ملحوظ من تلك النصوص عن طريق البيئة، لأنّ مكّة كانت وثنيةً في أفكارها وعاداتها، ولم يتسرّب إليها الفكر المسيحي أو اليهودي، ولم يدخل الدير إلى حياتها بشكل من الأشكال، وحتى أولئك الحنفاء الذين رفضوا عبادة الأصنام من عرب مكّة لم يكونوا قد تأثّروا باليهودية أو المسيحية، ولم ينعكس شيء من الأفكار اليهودية والمسيحية على ما خلّفه قسّ بن ساعدة أو غيره من تراث أدبيّ وشعري.
ولو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بذل أيّ جهد للاطّلاع على مصادر الفكر اليهودي والمسيحي للوحظ ذلك، إذ في بيئة ساذجة ومنقطعة الصلة بمصادر الفكر اليهودي والمسيحي ومعقدة ضدّها لا يمكن أن تمرّ محاولة من هذا القبيل دون أن تلفت الأنظار، ودون أن تترك بصماتها على كثير من التحرّكات والعلاقات.
الثانية: أنّ الرسالة التي طلع بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم على العالم متمثّلةً في القرآن الكريم والشريعة الإسلامية تميّزت بخصائص كثيرة:
منها: أنّها جاءت بنمط فريد من الثقافة الإلهية عن الله سبحانه وتعالى وصفاته وعلمه وقدرته، ونوع العلاقات بينه وبين الإنسان، ودور الأنبياء في هداية البشرية ووحدة رسالتهم، وما تميّزوا به من قيم ومثل، وسنن الله تعالى مع أنبيائه، والصراع المستمرّ بين الحقّ والباطل، والعدل والظلم، والارتباط الوثيق المستمرّ لرسالات السماء بالمظلومين والمضطهدين، وتناقضها المستمرّ مع أصحاب المصالح والامتيازات غير المشروعة. وهذه الثقافة الإلهية لم تكن أكبر من الوضع الفكري والديني لمجتمع وثني منغمس في عبادة الأصنام فحسب، بل كانت أكبر من كلّ الثقافات الدينية التي عرفها العالم يومئذ، حتى إنّ أيّ مقارنة تبرز بوضوح أنّها جاءت لتصحّح ما في تلك الثقافات من أخطاء، وتعدّل ما أصابها من انحراف وتعيدها إلى حكم الفطرة والعقل السليم.
وقد جاء كلّ ذلك على يد إنسان أمّي في مجتمع وثنيّ شبه معزول، لا يعرف من ثقافة عصره وكتبه الدينية شيئاً يذكر، فضلا عن أن يكون بمستوى القيمومة والتصحيح والتطوير.
ومنها: أنّها جاءت بقيم ومفاهيم عن الحياة والإنسان، والعمل والعلاقات الاجتماعية، وجسّدت تلك القيم والمفاهيم في تشريعات وأحكام. وكانت تلك القيم والمفاهيم وهذه التشريعات والأحكام – حتى من وجهة نظر من لا يؤمن بربانيتها – من أنفس ومن أروع ما عرفه تأريخ الإنسان من قيم حضارية وتشريعات اجتماعية. فابنُ مجتمع القبيلة ظهر على مسرح العالم والتاريخ فجأةً لينادي بوحدة البشرية ككلّ، وابن البيئة التي كرّست ألواناً من التمييز والتفضيل على أساس العرق والنسب والوضع الاجتماعي ظهر ليحطّم كلّ تلك الألوان، ويعلن أنّ الناس سواسية كأسنان المشط، و﴿إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُم﴾4، وليحوّل هذا الإعلان إلى حقيقة يعيشها الناس أنفسهم، ويرفع المرأة الموءودة إلى مركزها الكريم كإنسان تكافئ الرجل في الإنسانية والكرامة.
وابنُ الصحراء التي لم تكن تفكّر إلاّ في همومها الصغيرة وسدّ جوعتها والتفاخر بين أبنائها ضمن تقسيمها العشائري، ظهر ليقودها إلى حمل أكبر الهموم، ويوحّدها في معركة تحرير العالم وإنقاذ المظلومين في شرق الدنيا وغربها من استبداد كسرى وقيصر.
وابن ذلك الفراغ الشامل سياسياً واقتصادياً بكلّ ما يضجّ به من تناقضات الربا والاحتكار والاستغلال، ظهر فجأةً ليملأ ذلك الفراغ ويجعل من ذلك المجتمع الفارغ مجتمعاً ممتلئاً، له نظامه في الحكم، وشريعته في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، ويقضي على الربا والاحتكار والاستغلال، ويعيد توزيع الثروة على أساس أن لا تكون دولة بين الأغنياء، ويعلن مبادئ التكافل الاجتماعي والضمان الاجتماعي التي لم تنادِ بها التجربة الاجتماعية البشرية إلاّ بعد ذلك بمئات السنين.
وكلّ هذه التحوّلات الكبيرة تمّت في مدّة قصيرة جدّاً نسبياً في حساب التحوّلات الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى