مقالات

قمة سوتشي: هل يكون الاقتصاد في خدمة السياسة؟

هدى رزق

جاءت الحرب الروسية الأوكرانية في وقت صعب على أنقرة، فالتبعات الاقتصادية الكبيرة ألحقت خسارة كبيرة بالتبادل التجاري التركي في كلا البلدين، إلى جانب سيطرة روسيا على البحر الأسود في الشمال، مع الحفاظ على قواتها في دولة تحدّ تركيا من الجنوب، هي سوريا.

خلقت هذه الحرب واقعاً جديداً، مثّل فرصة لأنقرة لإعادة رسم علاقتها بروسيا بما يوافق مصالحها ويتجاوز التحالف القائم.

علاقة تركيا وروسيا قامت على عدم الثقة المتبادلة، إلا أنها تراعي المصالح المتبادلة، وقد يسمح هذا الوضع بإقامة توازن جديد بين البلدين، كما أن طبيعة تحالفات روسيا في الوقت الراهن، تساهم في تعزيز علاقتها بأنقرة.

لا تعكر مسيّرات بيرقدار التركية التي تسيّرها أوكرانيا ضد روسيا الوساطة التي قامت بها أنقرة في أنطاليا وإسطنبول بين البلدين، ومع أنها لم تكلّل بالنجاح، بسبب استنكاف كييف وتراجعها وفق ما قالت أنقرة، تقوم تركيا بتوظيف موقعها الاستراتيجي ووجودها ضمن دول الناتو لتظهير حيادية وساطتها من أجل إخراج الحبوب عبر البحر الأسود، مستندةً إلى شرعية الأمم المتحدة، فتحصد خطواتها مباركة الغرب، وعلاقة ودية بموسكو عزّزتها قمة سوتشي التي أتت بعد أقلّ من أسبوعين على قمّة ثلاثية روسية-إيرانية-تركية في طهران.

مزايا الاقتصاد ومنافعه

برنامج اللقاء في سوتشي بدأ مثقلاً بمشروعات التعاون التركي الروسي وهو متعدّد الأبعاد، يتضمّن مواصلة تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية، وتنفيذ مشروعات استراتيجية مشتركة في قطاع الطاقة والسياحة.

وصف الرئيس التركي القمة بأنها قمة الاتفاقيات الجديدة التي تضع روسيا وتركيا على خريطة المصالح من البلقان إلى القوقاز، ومن آسيا الوسطى إلى ليبيا وسوريا.

تتداخل المصالح الروسية-التركية في بضعة ملفات إقليمية ودولية. أحد أبرز القواسم المشتركة بين البلدين، الاتفاقيات الخاصة بإنشاء المحطات النووية، على رأسها أوكويو في مرسين، وكذلك تعميق التعاون الاقتصادي والتجاري الثنائي، خصوصاً أن تركيا لا تشارك في العقوبات التي فرضتها الدول الغربية على روسيا.

موسكو كانت السبّاقة إلى تغيير قواعد التعاون مع أنقرة قبل القمة، عندما صرحت بأن 20 مليار دولار ستأتي من روسيا، أول 5 مليارات استحقت، وسيجري استخدامها للإنفاق على محطة الطاقة Akkuyu، الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في منطقة جولنار في مرسين. أما 15 ملياراً المتبقية فستسلم في غضون 3 أسابيع ويحتفظ بها في تركيا كسندات خزانة.

وكانت شركة روساتوم الروسية، الشركة الفرعية لمحطة Akkuyu للطاقة النووية، قد أنهت العقد مع الشريك التركي، لكن الأمر أثار المعارضة التركية التي سارعت إلى الاعتراض، كذلك فعلت الشركة التي فُضّت الشراكة معها، أصبحت روساتوم مالكة ومشغل أكويو بنسبة 100% فكان اقتراح إردوغان في القمة تأليف لجنة تحكيم من الطرفين للنظر في موضوع عزل الشركة.

كان للموضوع التجاري حصة كبيرة في اللقاء، فالتجارة الثنائية التي تريدها تركيا ليست بالدولار ولا باليورو، إنما بالليرة التركية والروبل، حيث يمكن أن تشتري تركيا الغاز الطبيعي “جزئياً” بالروبل وليس بالدولار.

أشاد بوتين بفعالية “تورك ستريم” وعلى الغرب أن يكون ممتناً لتركيا لضخّها الغاز إلى أوروبا، حيث تريد تركيا من خلاله الحفاظ على موقعها “كجسر اتصال بين روسيا والغرب”، كما تريد روسيا الحفاظ على هذا الجسر لأسباب جيوسياسية واقتصادية.

نظام تنسيق شحنات الحبوب من أوكرانيا إلى العالم بدأ بنجاح، يريد بوتين من تركيا أن تكون وسيطاً في نقل الحبوب الروسية أيضاً إلى الأسواق العالمية، هذه تطورات ستفيد تركيا على المدى الطويل، كما أن إردوغان صرح بأن 5 مصارف تركية تستعد للعمل مع نظام الائتمان الروسي، ما يسهّل على السياح الروس الإنفاق في تركيا.

إذا تمكن الطرفان من إيجاد طرق تجارية خارج قنوات النظام المصرفي الأميركي، فسيؤدي ذلك إلى إعفاء بوتين اقتصادياً من دون التعرض للعقوبات، وستدخل إلى تركيا أموال جديدة في إطار اتفاقية الليرة–الروبل، ومن الممكن أيضاً أن تنتقل بعض المصانع التي كانت تصدر من روسيا إلى الدول الأوروبية إلى تركيا وتواصل نشاطاتها.

سيذهب الروس إلى مزيد من الاستثمار في المستقبل في تركيا إذا جرى إنشاء مزيد من مناطق التجارة الحرة، خصوصاً على سواحل البحر الأسود. سيخلق الأمر منافسة بين تركيا والإمارات العربية المتحدة في مكان وكيفية الاحتفاظ بالأموال الروسية المتداولة في العالم واستخدامها، ميزة الإمارات أنها متطورة تكنولوجيا، أما ميزة تركيا فبقربها جغرافياً من روسيا وأوروبا من حيث فرص الإنتاج والتصدير، وأنه على الرّغم من كونها عضواً في الناتو، إلا أنها تستطيع مقاومة الضغط الأميركي المحتمل أكثر بكثير من الإمارات.

وسيستفيد القطاع الزراعي التركي كذلك من تصدير الأسمدة التي تنتجها روسيا وتحل مشكلات الزراعة.

هل من تأثير للتعاون الاقتصادي في سياسة البلدين تجاه سوريا

لسوريا الحيز الأكبر من القمة، روسيا باتت تتفهم قلق إردوغان الذي لا يستطيع الخروج من سوريا إلا بقدر من الإنجازات، وهو على أبواب انتخابات بعد 10 أشهر في ظل وضع داخلي متدهور، حيث سيحدّد مصير حزبه ومستقبله السياسي.

يدرك بوتين جيداً محنة إردوغان ويحاول استغلالها. كما يدرك إردوغان جيداً مشكلات بوتين ويحاول استغلالها. تعد الانتخابات في تركيا أيضاً عاملاً في هذه المعادلة، سيرغب بوتين في استمرار الشراكة المصيرية مع إردوغان، التي وصلت إلى مرحلة جديدة في سوتشي.

روسيا تتفهم مصالح تركيا الدولية التي جرى التطرّق إليها، كذلك تتفهم الخطوات التي تتخذها تركيا لحماية حدودها وأمنها القومي. لا يتميز رأي بوتين من رأي المرشد الإيراني علي خامنئي، أي ضرورة الانفتاح بين الرئيسين السوري والتركي وحل المسألة معاً، فإردوغان استعاد علاقات مع خصوم له، فلمَ لا تكون هناك إعادة قراءة للواقع في سوريا!

تعهدت تركيا وروسيا بقتال كل أنواع التنظيمات الإرهابية معاً في سوريا، لكن أي تنظيمات؟ لا يرى إردوغان فصائل الإخوان إرهابية، ولا هيئة تحرير الشام، لكنه يرى أن حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية، أما موسكو فهي تصنّف بعض التنظيمات الجهادية التي تدعمها تركيا ضد قوات النظام في سوريا منظمات إرهابية.

أوضح إردوغان أن جهاز الاستخبارات التركي على تواصل مع الاستخبارات السورية حول هذه المسائل فعلاً “لكن المهم هو الوصول إلى نتيجة”. يؤكد بوتين أنه يقف إلى جانب تركيا دائماً في مكافحة الإرهاب، وفي الوقت نفسه يلمح إلى أنه “في حال سلكت تركيا طريق التعاون مع النظام في سوريا لحل هذه المسائل (التنظيمات الإرهابية) فإن ذلك سيكون أكثر صواباً، ما دام ذلك ممكناً”.

إردوغان طلب من جهته إلى موسكو تنفيذ اتفاقيات ضد التنظيمات الإرهابية، أي “قسد” التي لا تزال تصول وتجول على الرّغم من قيام تفاهم بين الاستخبارات التركية والاستخبارات السورية. لا شك في أن المحادثات عبرت عن ضرورة التفاهم سياسياً لكن بضمانة روسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى