مقالات

أحداث السويداء الأخيرة: واقعٌ خطر وتداعيات أخطر

جو غانم

بقيَت محافظة السويداء بعيدة عن العمليات الحربيّة الرئيسية طيلة سنوات الحرب على سوريا، غير أنّ جهات عديدة دأبت على محاولات تحريك ساحتها في وجه الدولة السورية منذ السنة الأولى من عمر تلك الحرب، وذلك تحت عناوين عديدة بدأها بعض الأفراد الذين صرّحوا بمعارضتهم الدولة بشعارات “الثورة” التي لم تجد رواجاً يُذكر بين سكان المنطقة، ثم عنوان “الحياد” الذي رفعه ضابط الصفّ المتقاعد من قوى الأمن، وحيد البلعوس، لدى تأسيسه حركة “رجال الكرامة” التي قامت على عنوان رئيسيّ يتمثّل برفض إرسال شباب المحافظة إلى الخدمة في الجيش والقتال على الجبهات بذريعة “حرمة الدم السوريّ”.

وكانت تلك أوّل محاولة للفصل المعنويّ والواقعيّ بين محافظة سوريّة تضمّ شريحة اجتماعية بارزة، وواقع الدولة التي تتبع لها تلك المحافظة، والتي تواجه محاولة إسقاط وتفتيت دمويّة ومدمّرة، تشارك فيها حكومات بلدان تقع في الركن الأبعد من هذا العالم، وتستقطب عشرات الآلاف من المقاتلين الغرباء الذين تقاطروا إليها مدجّجين بالسلاح من جنبات الأرض الأربع.

جهدت الدولة السوريّة في استيعاب تلك المحاولة وعدم تمكينها من التطوّر إلى ما هو أبعد من ذلك، حين سمحت بأنْ يقضي أولئك الشبّان خدمتهم العسكريّة داخل الحدود الإداريّة للمحافظة، للدفاع عنها إلى جانب الجيش العربيّ السوريّ في وجه خطر المجموعات المسلّحة التي انتشرت من جهة الجنوب والغرب والبادية السوريّة المتاخمة.

وقد خاض هؤلاء معارك عديدة ضدّ تلك الجماعات خلال سني الحرب، لعلّ أبرزها التصدّي لهجوم كبير شنّه تنظيم “داعش” الإرهابي على مدينة السويداء وريفيها الشماليّ والشرقي في تمّوز/يوليو 2018، والذي أسفر عن سقوط عشرات الشهداء من أبناء البلدات والقرى، وفي صفوف المدافعين عنها.

لاحقاً، جرت محاولات جديدة للتصعيد وتفجير الساحة في المحافظة، إمّا تحت عناوين المطالب المعيشية بعد اشتداد الحصار الأميركيّ والغربيّ والعربيّ على البلاد وأهلها، وخصوصاً بعد سريان قانون العقوبات الأميركيّ “قيصر”، أو تحت عنوان مواجهة الفلتان الأمنيّ الذي ساهمت تلك الشرائح والمجموعات المحليّة ذاتها في تغذيته وتفعيله، حين عملت بجهد على إضعاف مؤسسات الدولة السورية في المحافظة، والإصرار على التدخّل في عملها في كل صغيرة وكبيرة، وتخييرها بين المواجهة وبين الرضوخ أو الاستيعاب، وفرض حكم الأمر الواقع العشائريّ والاجتماعي المسلّح بالبندقيات والأعراف و”الخصوصيّة”.

ونظراً إلى الأهمية الجغرافيّة والديموغرافيّة للمحافظة، لجهة وقوعها في الجنوب السوريّ الذي نشطت فيه غرفة “موك” ومجموعاتها المسلحة التي تديرها الاستخبارات البريطانية والأميركية والصهيونيّة وتوابعها العرب، ومتاخمتها للبادية، حيث قاعدة “التنف” الأميركية والنقطة العسكرية والاستخبارية البريطانيّة وأداتهما “داعش”، ووجود وشائج وصلات اجتماعية مع أهلنا في الجولان المحتل، حيث تنشط استخبارات العدو، وفي لبنان، حيث قوى لبنانية منخرطة بوضوح في المشروع الأميركيّ، فإنّ كلّ محاولات إشعال الساحة في السويداء لم تكن ذات أبعاد وأسباب محليّة خالصة أبداً.

إنّ الملاحظ بوضوح أنّ كلّ محاولات التفجير التي جرت وتجري في المحافظة، تزامنت مع مراحل تصعيد للمشروع الأميركي الغربي الإسرائيليّ في الساحة السورية، وارتبطت بعضها ارتباطاً وثيقاً بمستجدات ذلك المشروع، ومن ذلك الأحداث الدامية الأخيرة التي شهدتها المحافظة، والتي لم تنتهِ مفاعيلها وتداعياتها حتى اللحظة.

من الضّروريّ قبل الخوض في تفاصيل الأحداث الأخيرة وأسبابها وتداعياتها، التطرّق إلى ذكر أبرز المجموعات الفاعلة في المحافظة، والتي انخرطت بشكل مؤثّر في الحدث الأخير وفي المقدمات التي أوصلت إليه:

– حركة “رجال الكرامة”: هي المجموعة التي أسّسها وحيد البلعوس عام 2013، الذي أعلن معارضته للدولة السوريّة ورفضه مشاركة شباب المحافظة في الدفاع عنها والانخراط في وحدات الجيش المقاتلة.

ساهم البلعوس ورجاله في الفترة الأولى في الضغط على مؤسسات الدولة السورية والسعي إلى إضعافها، إلى أنْ قُتل باستهداف سيارته بعبوة ناسفة في منطقة عين المرج عام 2015، ليتسلّم شقيقه رأفت قيادة الحركة التي اضمحلّ نشاطها وصولاً إلى العام 2017، حين تنحّى رأفت البلعوس لمصلحة الشيخ أبو حسن يحيى الحجّار الذي يقود الحركة منذ ذلك الحين، إذ عادت إلى النشاط في المنطقة، لكن من دون أنْ تتورّط في أيّ مواجهات عسكرية مع الدولة السورية وأجهزتها العاملة هناك، بل اعتمدت وسيلة التحشيد الاجتماعي والضغط الشعبيّ في وجه تلك المؤسسات والأجهزة لفرض تحقيق مطالب معينة، أبرزها إطلاق سراح موقوفين مطلوبين للأجهزة الأمنية.

وقد نجحت الحركة في ذلك مرّات عديدة، لأنّ الأجهزة الأمنية تجنّبت التصعيد والمواجهة كي تفوّت الفرصة على الجهات التي تعمل على تسعير حالة العداء مع الدولة، واستغلالها في تنمية الدعوات الانفصالية أو المرتبطة بمشروع تقسيم سوريا وهدم الدولة الوطنية فيها.

– حزب اللواء و”قوة مكافحة الإرهاب”: هو الحزب الذي أعلن رجل الأعمال السوريّ مالك أبو الخير تأسيسه في الأول من شهر تموز/يوليو 2021. وفي حين عرّف أبو الخير حزبه بأنّه “حزب علمانيّ جامع”، لم ينفِ الرجل الذي يتحدر من السويداء ويقيم في فرنسا، علاقاته مع الإسرائيليين والأميركيين والبريطانيين ودعمهم السياسيّ والماليّ له، بل إنّه تبنّى كل شعاراتهم المرتبطة بالحرب على سوريا، وفي طليعتها التحريض على الدولة السورية وعلى إيران والمقاومة الإسلامية في لبنان – حزب الله وروسيا، والادّعاء بمواجهة مشاريع إيرانية مزعومة في جبل العرب.

وقد نشطت الماكينة الإعلامية للحزب على هذا الصعيد، وروّجت لكلّ ما من شأنه بثّ الشائعات التحريضية على إيران والمقاومة على وجه الخصوص. كما لم يجهد أعضاء الحزب وذراعه العسكريّة “قوة مكافحة الإرهاب” التي أسسها وقادها المدعو سامر الحكيم في إخفاء علاقتهم مع قاعدة “التنف” الأميركية في البادية، حيث جرى تدريبهم وتسليحهم هناك، بل شاركت بعض مجموعات “قسد” في تدريب جماعة الحكيم، لتصبح واحدةً من أبرز الجماعات التي تنشط بوضوح على خطّ الفتنة والتحريض على الدولة في محافظة السويداء.

– حركة “قوات الفجر”: هي إحدى المجموعات التي تشكّلت تحت عناوين الدفاع عن المحافظة وأهلها ضد المجموعات الإرهابية، وحظيت بدعم الدولة السورية وأجهزتها في بداية الأمر، لكنها انحرفت منذ سنوات، وبدأت بممارسة نشاطات معادية للدولة والمجتمع، ودأبت في الآونة الأخيرة على القيام بعمليات خطف مدنيين وعسكريين على حد سواء، لمبادلتهم بموقوفين مطلوبين للأجهزة الأمنية أو تحصيل إتاوات مقابل الإفراج عن المخطوفين.

وقد سعى قائدها المدعو راجي فلحوط في السنة الأخيرة إلى فرض واقع جديد من خلال تعويم نفسه اجتماعيّاً وماليّاً، إذ بدأ بتقديم خدمات اجتماعية لبعض المواطنين تزامناً مع تورّطه بعمليات تهريب ممنوعات نحو الداخل السوريّ والخارج، ليجري توقيفه من قبل الأجهزة الأمنية قبل أقلّ من عام من الآن على أحد الحواجز القريبة من مدينة دمشق، وتقوم مجموعته بخطف ضباط وجنود لمبادلته بهم.

مرّة أخرى، سعت الدولة السورية لعدم الانجرار إلى المواجهة مع تلك القوى المحلية والعشائرية، كما فعلت مع الجميع هناك، وجرت مبادلة الفلحوط بالمخطوفين العسكريين، ليعود بعد فترة وجيزة إلى تصعيد نشاطه الخطر المتعلّق بتهريب الممنوعات وترويجها، الأمر الذي أحدث غضباً اجتماعيّاً متزايداً، وصولاً إلى قيامه بعمليات خطف مواطنين من مدينة “شهبا”، بذريعة تلقّيهم أموالاً من الخارج لتمويل المجموعات المرتبطة بقاعدة الاحتلال الأميركيّ في “التنف”، ما أدّى إلى انتفاض أهل شهبا في وجهه، لترتفع الأصوات التي تطالب بمواجهته وجماعته والقضاء عليهم.

وهنا، برز دور “حزب اللواء” وذراعه العسكرية “قوة مكافحة الإرهاب” في التحريض على القتال وبث الشائعات، كذلك تقدّمت “حركة رجال الكرامة” صفوف المهاجمين على مقرّات الفلحوط وجماعته، لتبدأ أوّل مواجهة دموية مسلّحة بين مجموعات وشرائح محلية عسكرية وعشائرية ومجتمعية في المحافظة، انتهت مرحلتها الأولى بالقضاء على مجموعة الفلحوط والسيطرة على مقرّيها الرئيسيين في بلدتي “سْليم” و”عتيل”.

لم تتوقّف عمليات التحريض التي تزعمها حزب اللواء ومجموعته العسكريّة، بل تشعّبت لتشمل اتّهام أحد الأجهزة الأمنية بحماية الفلحوط وجماعته، واتّهام “حركة رجال الكرامة” بالدخول في صفقات مع الرجل أدّت إلى تسهيل هربه.

وقد بلغت ذروة الأمر صباح يوم الجمعة التالي ليوم الهجوم، حين استفاق السكّان ليجدوا جثث 6 رجال من مجموعة الفلحوط ملقاة على قارعة الطريق قرب ساحة “المشنقة” في المدينة، لتتوزّع الاتهامات يميناً وشمالاً ضد الجميع، في محاولة لإثارة أكبر قدر من الفوضى والشغب والمواجهات الاجتماعية والعشائرية في المحافظة.

البارز هنا هو دور المجموعة المرتبطة بالأميركيين والبريطانيين والإسرائيليين (قوة مكافحة الإرهاب)، الذي تزامن مع التصعيد الأميركي في عموم الجنوب والشرق السوريّيْن والبادية، والذي أعقب قمّة طهران الثلاثيّة والمساعي المبذولة لإحداث انفراجات وتسويات في الشمال والشرق، حيث عمدت واشنطن – تساعدها الاستخبارات البريطانية والإسرائيلية وبعض العربية انطلاقاً من الأردن – إلى إعادة خلط أوراق الميدان السوري في وجه التقدم الروسيّ الإيراني على خطّ التسويات مع تركيا والكرد، لتعود الضغوط والإغراءات الأميركية إلى ذروتها مع الكرد في الشرق، بالتوازي مع تفعيل دور ونشاط المجموعات الإرهابية العاملة في البادية، حيث جرى تدريب مجموعات التنف (مغاوير الثورة) على أحدث الأسلحة الأميركية.

وتصاعدت عمليات اغتيال الضباط والعسكريين السوريين في محافظة درعا، مع تصاعد الحديث الأردني عن فراغ خطر في الجنوب، لتشتعل الساحة في السويداء في اللحظة الأميركية ذاتها، مع تنامي التحريض والشائعات المرتبطة بإيران والمقاومة في منطقة الجنوب السوريّ، ما يؤشّر بشكل واضح إلى الدور الخارجيّ المعادي للدولة السورية ومحور المقاومة هناك، والساعي إلى إحداث فتنة كبيرة في المحافظة، بعدما عملت دمشق وشرائح واسعة من مجتمع الجبل وفعالياته الدينية والاجتماعية إلى منعها طوال سنوات الحرب.

ولأنّ هذه المرحلة المستجدة من المشروع الأميركيّ الذي يُنازع في سوريا لا تملك أدوات النجاح، فإنّ خطورة انقياد بعض المجموعات في السويداء وتوريطها في تصعيد العداء مع الدولة السورية وقوى المقاومة وتغليب منطق العشائرية والثأرات الاجتماعية سينعكس بشكل سلبيّ كبير على المجتمع الذي لن يجد في النهاية من يحميه سوى الدولة ومؤسساتها وقوانينها، وهو ما يجب أن تلتفت إليه هذه الشرائح قبل فوات الأوان، وخصوصاً حركة “رجال الكرامة” ومن يرتبط بها.

أمّا المجموعات التي فضّلت العمل بشكل صارخٍ وفق أجندات خارجية معادية للدولة ولمجتمعها ذاته، وعلى رأسها جماعة “حزب اللواء” وذراعه العسكريّة، والتي تجرّأت أكثر فأكثر في الآونة الأخيرة من خلال رفعها شعارات انفصاليّة، فلن يكون لها مستقبل في بيئة الجبل، صاحب التاريخ المشرّف في الدفاع عن سيادة سوريا ووحدة أراضيها.

وستجد هذه الجماعات نفسها في النهاية وجهاً لوجه أمام الجيش العربي السوريّ وأهله في السويداء، ولن يكون مصيرها أفضل من مصير مجموعات كثيرة فرّخت وتآمرت واشتغلت على أجندات انفصاليّة على امتداد الساحة السورية طوال السنوات العشر الماضية، وفي ظروف معادية أقوى من هذه الظروف بكثير، ثم انتهت إلى الفناء والعدم بسبب صمود الشعب والجيش والدولة في البلاد.

والمؤكّد الآن في هذه المرحلة الخطرة أنّ أمام الدولة السورية والفعاليات السياسية والدينية والاجتماعية في جبل العرب مسؤوليات جسيمة وكبيرة في مواجهة الحالة التي أفرزتها الأحداث الدموية الأخيرة، لجهة استيعاب وطمأنة وحماية الشرائح الاجتماعية المتضرّرة من المجموعات التي خرجت عن القانون وقامت بممارسات خطرة ومرفوضة، وفرض منطق وقانون الدولة والمؤسسات، والتشدّد في وجه من يعوق عمل الدولة هناك، لمنع الانجرار نحو سيادة أعراف الثأر والانتقام والتقاتل، إلى جانب ضرورة الانخراط السريع والمدروس للحكومة في دعم الأمن الاقتصاديّ للمجتمع وتنميته، للحدّ من البطالة والفقر واضطرار البعض إلى العمل مع جهات مشبوهة بداعي الحاجة.

ومن جهة أخرى، التصرّف بقوّة وحزمٍ مع المجموعات المرتبطة بالمشاريع الخارجية الداعية إلى الانفصال والعداء للدولة الوطنية وحلفائها، وهو أمر لا يمكن المماطلة أو التساهل فيه، لأنّه مشروع إسرائيليّ موجّه ضد أهل الجبل، كما ضد سوريا الدولة، وعلى الجميع مواجهته معاً بالقوّة اللازمة، ومن دون إبطاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى