مقالات

عدوانٌ صهيونيٌ على غزة والهدف الضفة الغربية

عمرو علان 

بدأ العدو الصهيوني بعدوانٍ جديدٍ على قطاع غزة في الخامس من الشهر الجاري، وأتى هذا العدوان في ظاهره على أنه خارج السياق، إذ شهدت جبهة غزة هدوءاً طوال الأشهر الماضية، ولم تشهد غزة في هذه المدة أي تطورٍ داخليٍ يستدعي قيام العدو بعدوانٍ آخر، هذا إضافةً إلى أن فكرة القضاء على فصائل المقاومة في غزة لم تَعُدْ أمرًا واقعيًا، ضمن التوازنات الحاكمة للمشهد في هذه الحقبة على أقل تقديرٍ، فيصير السؤال المطروح: لماذا إذن يفتح الكيان الموقّت جبهة على قطاع غزة في هذا التوقيت؟ 

لم يَعُدْ الاحتلال قادرًا على الفصل بصورةٍ كليةٍ بين ساحات فلسطين المحتلة، وذلك عقب معركة “سيف القدس” في رمضان 2021، التي وحَّدت بين جبهة غزة وساحات القدس والضفة الغربية وأراضي فلسطينيي الداخل. 

ومذ ذاك الحين، شهدت الضفة الغربية تطورًا ملحوظاً في العمل المقاوم ضد الاحتلال، كانت تجلِّياته في ظهور “كتيبة جنين” و”كتيبة نابلس” في الضفة الغربية، اللتين مثَّلتا تحديًا للاحتلال من حيث قدرته على التعامل معهما، وذلك بصورةٍ تنهي هاتين الظاهرتين كلياً، على غرار ما فَعَله سابقًا مع الظاهرة المسلحة التي نشأت في مخيَّم جنين عام 2002.

ويُدْرِك العدو مدى خطر تجذُّر تجربتي “كتيبة جنين” و”كتيبة نابلس” المسلَّحتين، ما يفتح الباب واسعًا على تمدُّد هذه التجربة المسلحة إلى مناطق أخرى في الضفة الغربية، وما يضع الاحتلال أمام تحدٍ حول كيفية الخلاص من هذه التجارب المسلحة الصاعدة قبل تجذُّرها. 

ويُعَد تعاظم قوة فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، من أهم الأسباب التي تُعقِّد مهمة الاحتلال في القضاء على كتيبتي جنين ونابلس، إذ إن قيامه بعملية اجتياح واسعة لمخيّم جنين أو مدينة نابلس، كما فَعَل عام 2002، يمكن أن يؤدي إلى تفجُّر الأوضاع شعبيًا في عموم الضفة الغربية، التي تعيش حالة ثورية متصاعدة، باتت ملحوظة من تعداد العمليات الفدائية المتكررة في الأعوام القليلة الماضية. 

ويتيح انفجار الأوضاع في الضفة الغربية فرصة مواتية لغزة للدخول على خط المواجهات، إذ كانت الفصائل المسلحة في غزة قد ألمحت سابقًا إلى هذا الاحتمال. 

وفي حال تحقُّق هذا السيناريو، فسيجد الاحتلال نفسه في مواجهة جبهتين مشتعلتين في وقت واحد، فكيف ستكون حاله حينذاك، وهو الذي لم يَعُدْ يطيق التعامل مع جبهة واحدة؟

ولهذا، يبدو أن العدو الصهيوني لجأ إلى تكتيك يأمل أن يمكّنه من تفكيك الجبهات والاستفراد بها، كلٌ على حدة، فالاشتباك بالسلاح مباشرةً مع فصائل غزة يقلّل من احتمالية تحرّك الوضع الشعبي في الضفة الغربية، وذلك قياساً على الحروب السابقة التي خاضها على قطاع غزة، والتي كان فيها تحرّك الضفة الغربية خجولًا. 

ولعل ادّعاء الاحتلال أنه يخوض هذه الجولة التصعيدية ضد حركة “الجهاد الإسلامي” فقط، بعيداً من حركة “حماس”، لعل ذلك يصبّ ضمن تكتيك فصل الجبهات، بل محاولة الفصل بين حركات المقاومة نفسها.

ويمكن أيضاً الربط بين العدوان المستجد على غزة والضفة الغربية، في كون هذا العدوان جاء مباشرةً عقب تنفيذ الاحتلال بضع عمليات محدودة في الضفة الغربية، استهدفت الأخيرة منها، قبل أيام، قياديًا بارزًا في حركة “الجهاد الإسلامي” في الضفة الغربية.

لذلك، يبدو أن العدو الصهيوني في عدوانه على غزة هذه المرة، يستهدف بالدرجة الأولى الحال المقاوِمة في الضفة الغربية، بمحاولته كسر شوكة فصائل غزة، وردعها في حال قيامه مستقبلًا باجتياحاتٍ واسعة لمناطق الضفة الغربية، ومن ناحيةٍ أخرى بمحاولته قطع الطريق على أي تحرك شعبي واسع في ساحة الضفة الغربية، في الوقت الذي يكون فيه مشتبكًا مع جبهة غزة.

وفي هذه الحال، يصير إشعال ساحات الضفة الغربية بانتفاضةٍ شعبية واسعة، التكتيك الأفضل الذي يمكن أن يتبنّاه الشعب الفلسطيني لمواجهة هذا العدوان المستجد، فالضفة الغربية هي الهدف الحقيقي منه في نهاية المطاف، فضلاً عن أن اشتعال ساحات الضفة سيربك مخططات العدو ويبعثِر أوراقه، ويخفف عن غزة عبء التصدي لهذه الهجمة الجديدة. 

ويتيح هذا التكتيك، على أقل تقدير، تحقيق إنجازاتٍ أكبر بتكلفةٍ أقل لكلٍ من المقاومة الفلسطينية في ساحتي غزة والضفة الغربية معًا، هذا إن لم تُطوِّر المقاومة الفلسطينية فعلها الدفاعي في هذه المعركة إلى إستراتيجية هجومية طويلة النَّفَس، تُحقِّق إنجازاتٍ ملموسة على طريق التحرير الكامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى