مقالات

الملف العراقي وحزب الله اللبناني.. المواقف والثوابت

عادل الجبوري

تناول الأمين العام لحزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله في الحوار المطوَّل الذي أجرته معه شبكة الميادين الإعلامية جملة قضايا وملفات داخلية (لبنانية) وإقليمية ودولية، وكان للعراق حيّز في حديثه. ومما قاله في هذا الشأن: “ليس لدى الحزب مشروع خاص في العراق، ونحن لا نتبنى جهة على حساب الجهات الأخرى، والدور الذي كان حزب الله حريصاً دائماً على القيام به في العراق هو تقريب وجهات النظر”.

لم يأتِ حديث الأمين العام لحزب الله عن العراق منفصلاً عن مجمل حديثه بخصوص ملفات المنطقة، بحكم تداخل تلك الملفات وتشابكها وتأثر وتأثير بعضها في البعض الآخر، إذ إنَّ تفاعلات المشهد السياسي العراقي طوال العقدين الماضيين كانت –وما زالت- تمثل جزءاً من تفاعلات المشهد الإقليمي العام، وطبيعة معادلات الصراع والتنافس بين الفرقاء، والإسقاطات الكبيرة والثقيلة على العراق جراء ذلك، والتي انعكست واضحة وجلية بظهور العديد من التنظيمات والجماعات الإرهابية التكفيرية، من قبيل تنظيم “القاعدة”، وبعده تنظيم “داعش”، وكذلك التقاطعات والاحتقان والخلافات بين المكونات السياسية -وحتى المجتمعية- المختلفة في الساحة العراقية.

وبما أنَّ إيران لم تكن بعيدة -ولم يكن بإمكانها أن تبقى بعيدة حتى لو أرادت ذلك- عن العراق، ارتباطاً بظروف وعوامل تاريخية وجغرافية ودينية وثقافية وعقائدية وسياسية وإنسانية، فقد كان من الطبيعي جداً أن تلقي تعقيدات العلاقة بينها من جهة، وبين الولايات المتحدة الأميركية وأطراف دولية وإقليمية من جهة أخرى، بظلالها على الواقع العراقي.

وبقدر ما كانت طهران تتعاطى إيجابياً مع جارها الغربي العراق، كانت تواجه المزيد من الضغوطات السياسية والاقتصادية والإعلامية. ولأنها باتت مع مرور الوقت محور جبهة المقاومة ومرتكزها وقطب الرحى فيها، ولأنَّ العراق أصبح يصنف ضمن هذه الجبهة، ولا سيما بعد الحرب على تنظيم “داعش” الإرهابي وما أفرزته من حقائق ووقائع على الأرض، ولأن حزب الله اللبناني كان يمثل أيضاً أحد أبرز عناوين جبهة المقاومة وأطرافها الضاربة، فإنَّ الخلط والتشويه والتزييف يمكن أن يكون حاضراً في شتى المنابر السياسية والمحافل الفكرية ووسائل الإعلام المعادية لجبهة المقاومة.

في مقابل ذلك، فإنَّ توضيح الحقائق والمواقف، وتشخيص حدود العلاقات ومحدداتها بين أي طرفين من الأطراف، سيكون ضرورياً وملحّاً للغاية. ولعل هذا ما فعله السيد نصر الله، سواء ما يتعلق بالعراق أو الأطراف الأخرى، مثل إيران أو اليمن -حركة أنصار الله- أو حركات المقاومة الفلسطينية أو سوريا وما سواها.

وفي ضوء ما قاله الأمين العام لحزب الله اللبناني، يمكن الإشارة إلى الحقائق والمعطيات الآتية:

أولاً: إنَّ حزب الله اللبناني أرسى منذ تأسيسه عام 1982 علاقات إيجابية طيبة مع مختلف القوى والشخصيات السياسية العراقية التي كانت تمارس العمل السياسي المعارض لنظام حزب البعث حينذاك من المهاجر والساحات المختلفة في إيران وسوريا ولبنان وأوروبا.

وما ساعد في إرساء تلك العلاقات الإيجابية الطيبة هو انحدار قيادات وكوادر حزب الله من المدرسة نفسها التي ولدت من رحمها القيادات والكوادر السياسية والجهادية الإسلامية العراقية.

ثانياً: بحكم القواسم الدينية والعقائدية المشتركة، والثوابت السياسية بين حزب الله وطيف كبير وواسع من المكونات الاجتماعية والسياسية العراقية، كانت التحديات والمخاطر واحدة أو متشابهة، وهو ما أوجد ظروفاً ملائمة -وملحّة في كثير من الأحيان- للتعاون والتنسيق وتبادل التجارب والخبرات، وبالتالي التأسيس لمناهج عمل وتحرك ذات طابع استراتيجي يتجاوز الأهداف الآنية المرحلية والحسابات والآفاق الضيقة.

ثالثاً: تعاطى حزب الله اللبناني مع مجمل أحداث الساحة العراقية بعد سقوط نظام صدام في ربيع عام 2003، وخضوع البلاد للاحتلال الأميركي، بشكل عقلاني ودقيق، فهو في الوقت الذي لم يقحم نفسه في تفاصيل الخلافات والاختلافات الداخلية، فإنه أكَّد مواقفه المبدئية التي لا تعد بأيّ حال من الأحوال تدخلاً في الشؤون الداخلية، من قبيل رفض وجود الاحتلال والتعبير عن الدعم والتأييد السياسي للقوى المناهضة له والساعية إلى إنهائه.

ويُشكِل البعض على حزب الله اللبناني اهتمامه الاستثنائي بالملف العراقي، من خلال تعيينه مسؤولاً وقيادياً كبيراً لإدارة هذا الملف، وأنَّ ذلك المسؤول والقيادي يزور العراق باستمرار، ويلتقي مختلف القيادات والشخصيات السياسية العراقية، ويبحث معهم مجمل القضايا، وخصوصاً ما يتعلق منها بتشكيل الحكومة بعد مرحلة الانتخابات.

ولا شكّ في أنّ مسألة التواصل مع مختلف الفرقاء السياسيين العراقيين، وتقريب وجهات النظر بينهم -كما أشار السيد نصر الله- والعمل على تجسير خلافاتهم، شيء إيجابي ومحمود، ولا يعكس في أيّ حال من الأحوال تدخلاً، ولا ينطوي على إملاءات معينة.

ليس بالضرورة أن يستبطن كلّ اهتمام استثنائي جوانب سلبية، كتلك التي يحاول الخصوم الدوليون والإقليميون تسويقها. من جانب آخر، إنَّ اهتمام حزب الله بالشأن العراقي مردّه إلى العوامل والظروف والتحدّيات والمخاطر نفسها التي أشرنا إليها آنفاً.

وما يعزز هذه الحقيقة ويعطيها بعداً أشمل يتعدى البعد السياسي البحت المتعلق بتشكيل الحكومات، هو أن حزب الله اللبناني وضع كل خبراته وتجاربه العسكرية القتالية والأمنية، من خلال المستشارين والخبراء في شؤون المعارك والحروب، بين أيدي العراقيين، بعد اجتياح تنظيم “داعش” وصدور فتوى الجهاد الكفائي للسيد علي السيستاني في 13 حزيران/يونيو 2014.

 وقد كان لدور حزب الله الداعم والمساند، ومعه الدور الإيراني، الأثر الكبير في تطوير القدرات القتالية لمقاتلي الحشد الشعبي، وفي المساهمة بوضع الخطط العسكرية الناجعة لتسريع إلحاق الهزيمة بتنظيم “داعش”.

في واقع الأمر، انطلق الدعم والإسناد الاستشاري من حزب الله للعراق في حربه ضد “داعش” من حقيقة أنَّ العراق لم يكن المستهدف الوحيد، بل إنَّ المخطّط الداعشي التكفيري كان يستهدف منظومة إقليمية واسعة، بدولها وشعوبها ومكوناتها المتعددة والمتنوعة، ولم يقتصر على مكون مذهبي معين، وإن كان المكون الشيعي في إطاره العام يعد أكبر وأكثر المستهدفين.

رابعاً: النقطة الأخرى الّتي تشكّل أحد أبرز القواسم المشتركة وأهمها، أو بتعبير آخر الثوابت المبدئية، بين حزب الله والعراق، تتمثل بالرفض القاطع للتطبيع مع “إسرائيل” بكلّ أشكاله ومظاهره وصوره، ومساندة القضية الفلسطينية بأقصى الإمكانيات، فضلاً عن المواقف المتقاربة أو المتطابقة من الملفين السوري واليمني، وملف إيران النووي، وملفات وقضايا أخرى.

وإذا كان هناك من يتحدَّث عن وجود أجندة أو أجندات خاصة لحزب الله اللبناني في العراق، فإنَّ كلاماً من هذا القبيل يبدو فضفاضاً وعائماً، ويفتقر إلى أدلة ومصاديق محكمة، إلا إذا كان من يقول بذلك يعني دعم الحزب لخطوات وجهود مناوئة الاحتلال الأميركي بالوسائل والأدوات السياسية والإعلامية، أو يقصد علاقاته الإيجابية مع مختلف القوى والشخصيات السياسية، واستثماره تلك العلاقات الإيجابية في التخفيف من حدة الاحتقان والتشنجات وسوء الفهم بين بعض الفرقاء، من دون ترجيح كفّة طرف على طرف آخر.

طوال أعوام، لم ترشح مواقف أو ردود أفعال سلبية حيال حراك مسؤول الملف العراقي في حزب الله على مختلف الزعامات والقوى السياسية العراقية. وما كان يظهر هنا وهناك لا يخرج عن سياق الحملات السياسية والإعلامية الممنهجة ضد توجهات ومواقف معينة، سواء كانت صادرة عن العراق أو إيران أو لبنان أو أي مكان آخر.

ليس هذا فحسب، بل إنَّ العراق كان حاضراً دوماً في خطابات السيد نصر الله وكلماته، في إطار إبراز المواقف المتعلقة بمجمل أحداثه، والتأكيد على الثوابت، والتأشير إلى الحلول والمخارج الواقعية المطلوبة، فضلاً عن التواصل المستمر مع العديد من قياداته ورموزه السياسية والدينية المعنية بشؤون البلاد، ضمن مساحات القواسم والهموم والتحديات المشتركة. وما قاله السيد مؤخراً ليس إلا تأكيداً لما هو مؤكد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى