مقالات

قراءة في “كتيبة نابلس” وأحداث البلدة القديمة

عمرو علان

لم يسترعِ ما يحصل في مدينة نابلس، لا سيما البلدة القديمة، اهتماماً كافياً في المنصات الإعلامية. لعل ذلك يعود إلى عدم ملاحظة البعض أهمية الاشتباكات المسلحة التي جرت مؤخراً بين مقاومين فلسطينيين وقوات الاحتلال، وعدم وضع تلك الاشتباكات في سياقها الأعم.

ما حصل كان ظهور مجموعة مجاهدين مسلحين في الأشهر القليلة الماضية، أطلقت على نفسها اسم “كتيبة نابلس”. وقد ظهر من أداء عناصرها في الميدان، لكونهم ممن يحسنون استخدام السلاح، وممن أتيح لهم التدرّب عليه، ما يعدّ مؤشراً على كون عناصرها من خلفيات حزبية تنتمي إلى حركة “فتح”، إذ لا يتوفر لباقي فصائل المقاومة الفلسطينية فرصة التدرب على استخدام الأسلحة النارية، وذلك في ظل وجود سلطة رام الله التي تعدّ مقاومة الاحتلال جريمة، في الوقت الذي ترى فيما يُسمى “التنسيق الأمني” أمراً مقدّساً.

خاضت “كتيبة نابلس” في الأشهر الماضية عدة اشتباكات مسلحة مع الاحتلال. وكانت قد نفذت أكثر من عمليةٍ ضد جنوده، تركّزت عند قبر يوسف في مدينة نابلس، وأوقعت خلال تلك العمليات البطولية عدة إصابات في صفوف العدو ما بين قتيل وجريحٍ.

وقد كان آخر هذه الاشتباكات ما وقع فجر يوم الأحد 24 تموز/يوليو الجاري في البلدة القديمة، قبل أن تمتدّ تلك الاشتباكات مع قوات الاحتلال إلى ساحاتٍ أخرى في مدينة نابلس، إذ قامت قوة كبيرة من قوات الاحتلال بدهم البلدة القديمة فجراً، لكنها جوبهت بتصدٍ قويٍ من المجاهدين، وإطلاق نار كثيف امتدّ ليشمل مناطق أخرى في نابلس والضفة الغربية.

ورغم استشهاد مجاهدَين في تلك الاشتباكات، فإنَّ عملية الاحتلال يمكن وصفها بالفاشلة من عدة أوجهٍ، إذ إنه أخفق في الوصول إلى الشخص الرئيسي المستهدف، كما صرَّحت وسائل إعلام العدو، لكنّ الأمر الأهم كان توسع رقعة الاشتباكات المسلحة بشكلٍ أكبر من العمليات السابقة، إضافة إلى القوّة الأكبر التي تصدّى بها المجاهدون لجنود الاحتلال، وفي هذا مؤشرٌ على زيادة قوة “كتيبة نابلس” مع مرور الأيام، على عكس ما حاول المحتل تحقيقه من خلال هذا الاقتحام وما سبقه من اقتحامات مماثلة للبلدة القديمة، التي يمكن توقع أنها كانت تهدف  إلى القضاء على ظاهرة “كتيبة نابلس”.

من هنا تأتي أهمية ما تشهده مدينة نابلس والبلدة القديمة في السياق الأشمل لمقاومة الاحتلال في الضفة الغربية، إذ إنَّ تجربة “كتيبة نابلس” تعدّ امتداداً لتجربة “كتيبة جنين”، فقد بات يوجد اليوم في الضفة الغربية المحتلة مناطق يمكن وصفها بالرمادية من ناحية سيطرة الاحتلال عليها، ونجد أنَّ الاحتلال بات يتهيّب القيام بعمليات كبرى للقضاء على هذه الظواهر، بدايةً من مخيّم جنين واليوم في نابلس، وذلك على عكس ما قام به ضد مخيّم جنين في اقتحام 2002 مثلاً، عندما قام بعملية اجتياحٍ واسعةٍ، نجم عنها هدم غالبية مبانيه، واستشهاد عددٍ كبيرٍ من المقاومين، والقضاء بالكامل على الظاهرة المسلحة فيه آنذاك، رغم المقاومة الباسلة التي خاضها مجاهدو المخيّم في ذلك الوقت.

لا يزال الاحتلال يتفوق عدداً وعدّةً على المجاهدين الذين باتوا ينتشرون في أنحاء الضفة الغربية المحتلة، إلا أن ما تغيّر يكمن في مدى التراجع الذي يعانيه الكيان المؤقت جراء الحروب الفاشلة التي خاضها في السنوات الماضية منذ عام 2006، والذي بات يعبر عن اختلال في موازين القوى التي باتت تحكم المشهد الفلسطيني والإقليمي، ولا تصب في مصلحة الكيان المؤقت.

قوى المقاومة العربية والإسلامية في الإقليم، التي يعبر عنها “محور القدس”، لا سيما فصائل المقاومة المسلحة الفلسطينية في قطاع غزة بصورةٍ أساسيةٍ، باتت تشكّل عنصراً ضاغطاً على الاحتلال في قراراته نحو القيام بعمليات اجتياحٍ كبرى في مناطق الضفة الغربية المحتلة، وذلك بسبب خشيته من انفجار الأوضاع في مناطق الضفة، بما يُحتمَل أن يشكِّل صاعق تفجيرٍ في الجبهة الجنوبية مع فصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة، وهذا أمرٌ يحاول الاحتلال تجنّبه، كما بات جلياً من تجارب السنوات القليلة الماضية.

وفي أهمية ما تشهده مدينة نابلس والبلدة القديمة، ضمن السياق الأشمل لمقاومة الاحتلال في الضفة الغربية، يمكن أن يُقرأ حدوث تغيُّرٍ في المزاج العام عند الشارع الفلسطيني، إذ إنَّ عودة تأجج النّفَس الثوري في الضفة الغربية المحتلة باتت واضحة، وذلك بدايةً من العمليات الفردية البطولية الشِّبْه يومية، وهبّات الأقصى المتتالية، وليس نهايةً بظاهرتي كتيبتي مخيّم جنين ونابلس.

ويمكن ملاحظة أن هذا النَّفَس الثوري بدأ يعود أيضاً بين شرائح لا يُستهان بها في صفوف حركة “فتح”، ففشل مسار أوسلو المشؤوم، والدرك الأسفل الذي وصلت إليه سلطة رام الله في “التنسيق الأمني” مع الاحتلال ضد أبناء الشعب الفلسطيني، دفعا الكثير من أبناء حركة “فتح” إلى إعادة تقييم المرحلة السابقة؛ هذا التقييم الذي إذا ما جرى بطريقةٍ نزيهةٍ، لن يفضي إلا إلى نتيجة واحدة: لا حل مع هذا الاحتلال الغاشم سوى المقاومة، وفي طليعتها المقاومة المسلحة.

بالأمس كانت “كتيبة جنين”، واليوم “كتيبة نابلس”. هاتان التجربتان، في حال نجاحهما واستمرارهما، سترسمان مرحلة جديدة في تاريخ الضفة الغربية المحتلة، مرحلةً لن يكون للاحتلال قدرة على تحمُّلها طويلاً، قبل أن تُحقِق إنجازاتٍ ملموسة وحقيقية لشعبنا الفلسطيني الصامد المجاهد ضمن هذه الحقبة التي يعيش فيها الكيان المؤقت تراجعاً واضحاً واختلالاً في توازنات القوّة لمصلحة قوى المقاومة في فلسطين والإقليم عموماً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى