مقالات

حريق السودان

محمد حسب الرسول

شهدت ولاية النيل الأزرق السودانية، الواقعة في الجنوب الشرقي من السودان، هذا الأسبوع، أحداثاً دامية غريبة، راح ضحيتها نحو 300 بين قتيل وجريح، وشُرِّد في إثرها نحو 16 ألف مواطن، أُبعِدوا قسراً عن بيوتهم وقراهم، في سياق جريمة تصفية عرقية كاملة الأركان، بحيث استُهدف مواطنو هذه الولاية المنتمون إلى قبيلة الهوسا، إحدى أكبر القبائل الأفريقية التي استوطن منها نحو نصف مليون نسمة في أنحاء متعددة من السودان، الذي هو الطريق الأوحد والأقرب إلى أرض الحجاز التي يَؤُمّونها لأداء فريضة الحج، قادمين من نيجيريا والنيجر، حيث موطنهم الأصلي.

ظلت حركة حجاج غربي أفريقيا ووسطها إلى أرض الحجاز حركة دؤوبة عبر القرون، إذ لم يعرف العالم وقتها السفر بالطائرات أو وسائل النقل الحديثة، فآل الراغبون في أداء الفريضة على أنفسهم السفر من بلادهم حتى السودان سيراً على الأقدام في رحلة تستمر أعواماً، يُمْضونها بين التنقل صوب البحر الأحمر والعمل في مجال الزراعة وغيرهما من الأعمال التي تدر عليهم دخلاً يمكّنهم من الانتقال إلى محطة أخرى من محطات الرحلة الطويلة التي يبدد الشوق إلى زيارة الحرمين تعبها.

استمرت هذه الحركة على هذا النحو منذ مئات الأعوام، وأفرزت ارتباطاً وجدانياً بين أهل هذا المسار وأهل السودان وأرضهم، التي اجتذبت أعداداً من عابري السبيل، فاستوطنوا فيها، ثم تجنّسوا وأقاموا بها، وقد طاب لهم المقام.

اشتُهرت قبائل الهوسا والفولاني بالتديّن، كما اشتُهرت بالخُلق الحسن والاستقامة والجنوح إلى السِّلم، مثلما اشتُهرت بحب العمل والإخلاص فيه. ومكّنتها تلك القيم من ولوج سوق العمل، التي فتحت لها أبوابها، وبصورة خاصة العمل في مجال الإنتاج الزراعي الذي يتطلب صبراً على مشاقّه، وعزماً على الوفاء بمتطلباته من معرفة وإخلاص ومهارة عُرِفت بها هذه القبائل، فعمَّرت أراضيَ زراعية شاسعة في معظم ولايات السودان، وكانت سبباً من أسباب التطور في مجال الإنتاج الزراعي.

ظلّت هذه القبيلة متمسكة جداً بقيمها التاريخية، وعصية على محاولات إعادة الهندسة الاجتماعية التي يشتغل عليها الغرب، بمعاونة بعض الجهات السياسية السودانية، وكان ذلك سبباً من أسباب استهدافها من خلال حملة التطهير العرقي، التي شهدتها ولاية النيل الأزرق هذا الأسبوع. فالمشروع الغربي المراد فرضه على المجتمع السوداني مشروع نقيض لقيم هذا المجتمع الرافض بالفطرة للقيم الغربية، التي تهدف إلى تفكيك الأسرة، وضرب المجتمع، واستبدال موروثاته التي تعبّر عن هويته الحضارية ووجدانه الوطني الأصيل.

استهجن المجتمع السوداني ودان ما تعرضت له قبيلة الهوسا في النيل الأزرق، واستهجن قيام بعض المنتسبين إلى المشروع الغربي في نسخته التي عُرفت تارة بمشروع السودان الجديد، وعُرفت تارة أخرى بمشروع التغيير الجذري الشامل الذي يستهدف “تحرير” السودان من العروبة والإسلام، بصفتهما يشكلان هوية البلد وعنوانه وبوصلته الحضارية، كما يستهدف وحدة السودان، ثم موقعه ودوره التاريخيَّين تجاه القضايا العربية، ودوره الاستثنائي في عملية التلاقح الثقافي والتفاعل الحضاري بين العرب وعمقهم الأوحد المتمثل بالقارة الأفريقية، التي هي موطن الموارد وموئل الثروات، في عصر الصراع الدولي على الثروات.

جاءت أحداث النيل الأزرق ضد قبيلة الهوسا بعد أن أُشعلت حرائق الصراع القبلي في كل أطراف السودان. وشهد السودان، خلال الأعوام الثلاثة الماضية، حروباً قبلية في كل أطرافه، بدءاً بولاية شرقي السودان: البحر الأحمر، وكسلا، والقضارف، ثم في ولايات كردفان، وخصوصاً في جنوبيها، مروراً  بولايات دارفور الخمس، التي سجلت خلال عمر الفترة الانتقالية أصعب حالات الردة إلى الصراع والاحتراب القبليَّين، بعد أن شهدت حالة من الاستقرار الذي أعقب إبرام الحكومة اتفاقية سلام في الدوحة في عام 2010، مع معظم الحركات التي كانت تحمل السلاح.

يجيء مسلسل الاحتراب الأهلي هذا في أطراف السودان المتعددة، ومؤسسات الدولة تعاني وتئن من حالة الضعف الذي أصابها بعد عمليات التفكيك المدروسة التي استهدفتها، فأصابت الخدمة العامة، في شقيها المدني والعسكري، في مقتل، أو كادت. فالمؤسسة العسكرية، التي هي صِمَام أمان السودان وضامن وحدته واستقراره، طالها ما طال المؤسسة العسكرية في العراق في عهد بريمر، بحيث فُصِلت منها أعداد كبيرة جداً من أكفأ القادة والضباط، وطالت عمليات التفكيك كذلك مؤسستي الشرطة والأمن، وأُطلقت حملات سياسية وإعلامية تدعو إلى تفكيكها وإبدال منتسبيها بمنتسبي حركات التمرد المرتبطة بالمشروع الغربي. وطالت عمليات التفكيك أيضاً الخدمة المدنية التي باتت تعاني العجز وفقدان القدرة على الاستجابة للتحديات والقيام بواجباتها الوظيفية.

لقد استنسخت السلطة الانتقالية والقوى الغربية، التي شكّلتها، تجربةَ تفكيك الدولة في العراق، وطبّقتها في السودان بحذافيرها.

والسودان، الذي تشتعل الحرائق في أطرافه، تطبيقاً لنظرية شد الأطراف، تسيطر القوى الغربية فيه على القرار والتوجهات السياسية في عدد معتبر من منظوماته السياسية، التي فرضتها على المشهد السياسي، في تكرار لتجربة العراق بعد احتلاله، وتمارس البعثة الأممية، “يونتامس”، فيه الوصاية والانتداب، وتتحكّم في المشهد، إلى حد كبير، وتعلن من دون مواربة انحيازها إلى منظومة وتحالف سياسيَّين معيَّنين، وتضع العراقيل أمام مساعي التوافق الوطني، وأمام أي محاولة لحشد طاقات الوطن لمواجهة التحديات التي يقابلها السودان خلال هذه المرحلة المفصلية من تاريخه.

وفي ظل تلك الأوضاع، أُدخلت للخرطوم العاصمة المنظوماتُ العسكرية التابعة للحركات المسلحة، وتم تعزيز الدورين السياسي والعسكري لمثيلاتها من الميليشات الأخرى. وفي الوقت الذي يعاني الجيش الوطني حالات الضعف والإنهاك والانفتاح الواسع على أطراف السودان البعيدة، يتعزز الوجود العسكري الآخر في الخرطوم، وتتضافر جهود الخارج، في بعديه الغربي والإقليمي، مع جهود الشركاء المحليين من أجل إحداث التغيير “الجذري”، الذي سيضع العالم أمام مشهد سوداني جديد، تتفتت فيه الجغرافيا، وينقسم فيه المجتمع، ويتقاتل فيه السكان، وتتبدَّل فيه خرائط الإقليم، وتتغيّر فيه معالم المنطقة. إنه المشهد الأسوأ الذي يلزم العمل المخلص لمنع تحققه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى