مقالات

السودانيون المغتربون: هل يتعب الجناح؟

محمد المحجوب

منذ بزوغ القرن العشرين، وبدء موجات الهجرة والاغتراب من أطراف العالم العربي إلى مركزه، ومن مركزه إلى أوروبا وأميركا اللاتينية، تطلَّع السودانيون المحكومون بقبضة الاحتلال الإنكليزي الذي يحصي أنفاسهم ويضيق معايشهم، وخصوصاً أولئك الذين امتلكوا شيئاً من التعليم أو المال أو كليهما، إلى السفر والاغتراب بحثاً عن حياة أفضل، حاملين معهم آمالاً وتصورات، خاب بعضها، وصدق بعضها، لكن الطيور المهاجرة من بلاد النيلين كانت تجد دوماً طرائقها للتكيف والتأقلم، من صقيع أوروبا إلى قيظ الخليج، جيلاً بعد جيل، حتى تحولوا اليوم إلى شعب بذاته، يعيش ويكبر خارج حدود وطنه بتحديات جسام وتكاليف عظام، فما قصة السودانيين في المهجر والمغترب؟

أول الروّاد: من هم؟ ومن أين؟ ولِمَ اغتربوا؟

لمعرفة القصّة، من الطّبيعي أن نعود بالزمن إلى الوراء قليلاً، إلى قرن من الزمان، إلى بدايات القرن العشرين. وقتئذ، كان الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من التاريخ، فقد خرج الأتراك العثمانيون، وأكمل المحتلون الأنكلوفرنسيون احتلال ما تبقى من رقعة الجغرافيا، مدخلين آلات ونظماً وطرائق إنتاجية وتعليمية وإدارية جديدة، مغيّرين شكل الدولة والعمل ومفهومهما، ولاحقاً المجتمع.

 في ذلك الوقت، كان السودان المدمَّر بفعل آلة الحرب الإنكليزية التي أضرمت النار في بلد بأكمله للتخلّص نهائياً من كابوس ثورة المهدية ودراويشها المقاتلين بشغف مرعب نحو الموت يرزح تحت وطأة وضع معقّد.

ومع استحداث النظم الإدارية الجديدة، وهجرة أعداد أكبر من الريف إلى المدن، انتشرت الفكرة لدى شباب ذلك العصر بالهجرة شمالاً، أي بالمشي مع النيل، إلى حيث يشيخ ويتعب ويصب، إلى الطرف الآخر من الوادي: مصر التي كانت بدورها تعيش تحوّلاتٍ جذرية تدريجية بطيئة بعض الشيء، غير أنها فاعلة.

كانت مصر دوماً مرتبطة في الخيال السوداني بلقطات معينة: الأزهر برواقاته ونظامه وعلمائه النافذين، والسراي بباشاواته وبكواته وآغواته المتعصبين، والبحر المتوسط، البوابة نحو بلاد الشام واليونان، حيث تنتظرهم حياة أخرى.

مع عشرينيات القرن الماضي، وبعد اختمار تأثيرات ثورة 1919م في مصر وتوأمها عام 1924م في السودان، وصدور قوانين وتعديلات جديدة انطلقت من التحديث العام لمصر، بدأت موجات من السودانيين بالهجرة بشكل منظّم إلى مصر، وخصوصاً إلى الدلتا، إلى المثلت الخصيب، حيث السلطة والثروة والقوة وفرص التعليم والعمل.

كان أول من هاجر بحكم المسافة والطبيعة هم الشماليين، أي النوبيين الذين يرون في خط 29 عرض الّذي خطه المحتل الإنكليزي نوعاً من الرسم المبتذل، لا يعني لهم شيئاً ولا يحفلون به، ففي الجانب الآخر من ذلك الخط، أهل وأنسباء وأصدقاء ومعارف.

كان النوبيون أوّل من خرجوا من أراضيهم مغتربين. أخرجهم التصحر، وضيق الأراضي، وشح الموارد، ونقص التعليم الرسمي، وظلم المستعمر الذي ركّز سلطته العسكرية في الخرطوم تاركاً مصر بيد البيروقراطية الإنكليزية وربائبها من المصريين، فخرجوا أول ما خرجوا إلى مصر، آملين رحلة اغتراب قصيرة لا تقطعها اضطرابات أو يكدرها خبر محزن من الوطن، فكانت فترة ما بين الحربين العالميتين فترة تعرَّف فيها السودانيون إلى مصر أخرى بدأت تتغير وتتشكل؛ مصر “الأزبكية” و”الملكة نازلي” و”المسامرات” الصاخبة التي تبدو كدائرة من دوائر ضواحي باريس، حيث الاضطرابات السياسية اليومية والحركة الثقافية المشتبكة دائماً والنزوح الريفي نحو المدينة، وهو عالم مغاير للعالم الذي أتوا منه.

في سودان العشرينيات والثلاثينيات من القرن المنصرم، ربما يُفرض عليك أن تقطع مسافة كتلك التي تفصل برلين عن باريس من أجل أن تسجّل طفلك في دائرة النفوس، أو تستخرج شهادة عدلية وما إلى ذلك، فالدولة مركزية وثقيلة الحركة، وهناك دائماً “الكونستابل” الإنكليزي الغليظ، القصير النفس والإدراك، الذي يظن أنَّ السودان بمساحة اسكتلندا أو ويلز، فيعيدك خاوي اليدين لتصحّح خطأ مطبعياً أو تكمل ختماً ناقصاً، وهو ثقل حركي ورّثته السلطة الاستعمارية لمن خلفها في حكم السودان.

الهجرة: رفاهية في الضرورة

 ولأن للناس فيما يعشقون مذاهب، تعددت أسباب وأعذار المراهقين والشباب وقتها للهرب من شبح العمل في الزراعة التقليدية، أو التجارة الموسمية، أو العسكرية التراتبية المخيفة، تماماً كما تعددت أعذار أقرانهم المصريين للتهرب دوماً من دفع الجباية والخدمة في العسكرية “الجهادية” المرعبة التي لا تنتهي.

ومع تعدد الأعذار، تتعدد الوسائل، لم يكن صعباً الهرب ليلاً إلى زورق نيلي تحت جنح الظلام نحو الشمال، أو الالتحاق بظهر شاحنة (وقليلاً ما كانت تمرّ وقتها)، والهرب معها حيث تدور محركاتها…

ولكنَّ الغربة لا تعني دائماً حلماً محققاً. ولما كانت عودة الناس خالي الوفاض أمراً أكثر مشقة من الانتحار، استقرّ عدد من أولئك الشباب، مندمجين تدريجياً، في حياة “البندر”، مقلّدين طابع حياة يرونها في السينما حقيقة، ويرونها في الحقيقة سينما، وفي زمن كزمن الكساد الكبير -لا العظيم كما تصنّفه بعض المراجع، فلا عظمة في إفساد حياة الملايين حول العالم- ما أصعب الحصول على وظيفة في مكتب “بواسطة” البريد أو “تلغرافة” البرق! وظائف يتقاتل عليها أبناء المحتل قبل أبناء البلد نفسه. صحيح أنها تؤمن مركزاً اجتماعياً لشاغرها، لكن ما نفع المركز والمجتمع يهتاج يوماً بعد يوم؟

هنا، كان سلاح “الهجّانة”، حيث الزي العسكري الإنكليزي الضيق الملون، والسياط الملهبة، والحلاقة المستمرّة، والنظام الصارم، جذاباً لعدد لا بأس به ممن استقطبتهم الأرستقراطية العسكرية الشركسية المتمصرنة التقليدية، والذين خاض بعضهم لاحقاً أضرى معاركهم في خضم الحرب الثانية ضد الإيطاليين، ولاحقاً الإنكليز أنفسهم، مكرّرين هاجس الثورة المهدية وأشباح دراويشها مرة أخرى، لتلاحق الإنكليز حتى خروجهم ورحيلهم عن وادي النيل.

وكانت حراسة الأبنية السكنية الحديثة واحتراف الطهي لدى “الأغاريق” اليونانيين مدخلاً لعالم آخر؛ عالم تملأه الحفلات الراقصة والصحف الفنّية الأجنبية الملونة، والملابس والأزياء المزركشة المخمليّة، والأغاني و”غراموفوناتها” المدهشة، أي أنّك تعيد حياة غجري في قصر ملكيّ فرنسي نحو القرن الرابع عشر. هكذا دائماً تمكّنت الطبقات المحيطة بالمستعمر من أن توجد لنفسها مجتمعاً تجذب إليه من المهمشين من تتمكّن منه.

على النقيض، تمكّن البعض من تحقيق نصر معرفي، فالتحق عدد مقدر بالأزهر الشريف؛ المنارة العلمية المميزة لمصر، متمكنين بذلك من ارتداء القفطان والعمة، ونيل “العالمية” التي تحوّل حاملها إلى شخص مبجّل في قرى وادى النيل، حيث لا مكانة كمكانة الشيخ القاضي محفظ القرآن ومقسم المواريث وخطيب الجمعة ووجيه البلدة؛ مكانة كتلك القائمة في الشام واليمن وغيرها.

 بعض هؤلاء الأزهريين ساهم لاحقاً في الحركة الوطنية السودانية، وعملوا في المدارس الأهلية التي كانت عماداً رافعاً للتعليم يسدّ نقص المدارس الحكومية، فيما انطلق بعضهم إلى ما هو أبعد، ونذروا أنفسهم لغرض التعليم الديني والعمل الدعوي في أميركا الشمالية وأوروبا وإندونيسيا.

أتت نسبة كبيرة منهم أيضاً من مناطق كسنار التي كان رواقها في الأزهر رافعة لتقدمها العلمي، ومن غرب السودان، حيث كانت الزعامات التقليدية القبلية تشجّع أبناءها على الالتحاق بالدراسة الأزهرية كذلك، وشكلوا طليعة المعلمين المعارين للدول المجاورة التي بدأت وقتها بإنشاء أنظمة التعليم وبنيته التحتية لديها.

في أقصى الشمال، في الإسكندرية، انخرط كثيرون في العمل في المرافئ، فكان مرفأ الإسكندرية واحة اقتصادية جمعت الباحثين عن كل شيء، وكان عمال الإسكندرية أكثر العمال تنظيماً ونشاطاً، ليس بسبب الاحتكاك المباشر بنظرائهم من عمال جنوب أوروبا المؤدلجين الواعين بحقوقهم فحسب، إنما لتعدد فرص العمل وتنوع أوصافها أيضاً.

انتهى المطاف بالكثير منهم في الشاطئ الآخر للمتوسط، بعد معركة التأميم وعدوان 56م الثلاثي، فيما اتجهت مجموعة منهم إلى الشام، وخصوصاً لبنان، حيث شاركوا في تأسيس النادي السوداني في بيروت، والتحقوا بالجامعة الأميركية فيها، أحدهم سليل أسرة أزهرية، وطالب نجيب اسمه إسماعيل الأزهري، كان لاحقاً هو الزعيم الوطني نفسه الذي ترأس أول مجلس وزراء حكومة سوداني، ورجل الجلاء وبطل الاستقلال، وغيره من مشاهير الفن والسياسة. ومن جنوب السودان، كان للتعليم نصيبه أيضاً، بعيداً عن النشاط الإرسالياتي في غابات الجنوب وأحراجه. كان الجنوبيون المبتعثون يتعرفون إلى عالم جديد كلياً في دول محيطهم.

 قسم مقدّر من باقي المغتربين أتى من شرق السودان كذلك، غير أنَّ وجهتهم كانت في الغالب نحو الشرق مرة أخرى، هذه المرة، إلى الجانب الآخر من البحر الأحمر، ساحل الحجاز واليمن، منشطين بذلك حركة تجارية ثقافية تمتد إلى آلاف السنين، انتقل عبرها المثقفون والتجار والحرفيون، وحتى المهربون، من وإلى شاطئ البحر الأحمر، فكنتَ تجد سودانياً من أصل يماني أو يمانياً من أصل هندي مغترباً في مصر، ثم مع السبعينات إلى جنوب اليمن. كانت حركة طبيعية تبادلية حملتها “السنابك” الخشبية عبر أمواج البحر والتاريخ، وزادها تفرداً تنوع الثقافات وتعددها على ساحليه.

المهاجرون: الطيور أقوى في سربها

تركت الموجات والدفعات الأولى من المهاجرين السودانيين بصمةً وانطباعاً حسناً عن مجتمعهم في مهاجرهم، وعن الرجل الشرقي المتمسك بهويته، الجاد في عمله، والمحافظ من دون تزمت، والمتكاتف مع زملاءه.

وقد زاد هذه الصورة سمة ميزت الجاليات السودانية في العديد من الدول، وهي جمعيات المغتربين، الرابطة الأقوى التي تجمع في صفوفها المغتربين السودانيين في بلد ما، وتنظّم شؤونهم، وتقوى علاقاتهم، وتوصل صوتهم.

قامت هذه الجمعيات في تلك الدول بدور تفوّق على الدور الرسمي المنوط بالجهات الدبلوماسية المعنية، وخصوصاً في أوقات الأزمات السياسية العصيبة التي دائماً ما كان يصاحبها ركود وخمول مؤسساتي ناتج من الشلل الهرمي في الدولة، وسهلت إيجاد فرص عمل للشباب الملتحقين حديثاً بركب الهجرة، وأطلقت حملات طوعية وإلزامية لجمع التبرّعات للداخل، وبشكل خاص في مواسم الجفاف والفيضانات الموسمية للنيل، حيث يتأخّر الدعم الحكومي دوماً أو يصل شحيحاً غير مجزأ.

جيل جديد.. مشاكل قديمة

بحلول سبعينيات القرن الماضي، ومع أزمة النفط والكساد الجزئي الناتج منها ومن تبعات حرب تشرين 73م على الاقتصادات العالمية، تراجعت الاقتصادات غير النفطية في العالم العربي. وفيما انفجر برميل الحرب الأهلية في لبنان، وترنّح الاقتصاد المصري أمام موجات الانفتاح “السداح” على السوق الغربي، كان اليمن (الجنوبي) والعراق والخليج، ولاحقاً ليبيا، وجهة بديلة للمغتربين من جيل السبعينيات المتمرّد؛ الجيل الذي تفتّح وعيه السياسي على موجات الستينيات الاحتجاجية وإعصار 6819م وانقلاب أيار 6919م الذي قرّب السودان أكثر إلى المحيط العربي بسياساته القومية، فكان الجيل الجديد من المغتربين متمسكاً بهذه النزعات الصاخبة، منتقلاً للعمل في دول ذات اقتصادات ناشئة، مع طفرة النفط وسياسات التأميم والدعم الحكومي.

في الواقع، لم يشكل العمّال الأجانب دعامة اقتصادية لتلك الدول فحسب، بل شكّلوا أيضاً حاضرها وجزءاً كبيراً من مستقبلها، وذلك للأسباب نفسها التي دفعت الجيل السابق إلى الهجرة. فعلاً، هاجر هذا الجيل حاملاً معه أفكاره الثوريّة أنى ذهب.

مع ذلك، استمرّت الهجرات وتوسّعت إلى الهند، ومجدداً إلى أوروبا، مع افتتاح وجهات جديدة في الجانبين الثقافي والتعليمي شرق أوروبا، حيث دول الكتلة الاشتراكية سابقاً التي دأبت خلال تلك الفترة على تقديم منح تعليمية للطلاب من الشرق الأوسط، فاتحة بذلك مجال الدراسة للعديد من الشباب، الذي يعدّ فرصة ثمينة لنيل تعليم عالٍ جيد وتعلّم لغة جديدة، فكانت يوغوسلافيا ورومانيا بعلاقاتها المميزة مع نظام “مايو” من أوائل الدول، وإلى جانبها ألمانيا الشرقية، ذات التخصصات التقنية والعسكرية الذائعة وغيرها.

أزمات مركّبة

وإلى الثمانينيات، واندلاع الحرب الأهلية مجدداً في الجنوب، واشتعال أزمات الشرق والغرب، وعزلة نظام مايو، ولاحقاً سقوطه السريع، استقبلت فرنسا بوجه خاص، وكذلك ألمانيا، عدداً من طلاب تلك المناطق، كجزء من برنامج مخطط لاستيعابهم هناك، فيما تحوّل الأقباط الأرثوذوكس إلى الكومونويلث في كندا وأستراليا وغيرها تحت وطأة حصار داخلي وخارجي ازداد احتقاناً مع نهاية الثمانينيات.

في تلك الفترة، لم يعد الاغتراب قراراً شخصياً أو نزعة فردية جزئية، بل صار التزاماً وتكليفاً يقع عادة على عاتق الابن الأكبر للأسرة من الطبقة المتوسطة، فلم تخل أسرة ومنزل في تلك الفترة من مغترب بعيد عنها، ما خلق فراغاً إدارياً وتعليمياً واجتماعياً مخيفاً لم تلتفت إليه بشكل جدّي الحكومات المتعاقبة، الّتي كانت واقعة بين مطرقة الحرب الأهلية التي طرقت أبواب العاصمة وسندان الضغط الدولي والأزمة المالية.

 وقد تزايد عدد المهاجرين رغم سياسات التشجيع على العودة والتحفيز على العمل أو الاستثمار في الداخل، من إعفاء جمركي وخطط سكنية عمرانية، وبقيت العملة الصعبة في يد المغتربين سلاحاً ينتعش به الاقتصاد، وتنجو به الحكومات من ديونها، والطبقة الوسطى من شبح خط الفقر.

ومع التسعينيات والعزلة التي اشتدت، فصارت مقاطعة، ثم غدت حصاراً شبيهاً بذلك الذي ضُرب على العراق، تنوّعت أشكال الاستجلاب الجبائي على المغتربين، وأعملت الحكومات المتتالية لنظام الإنقاذ العسكري جهدها الفني والعقلي لاستنباط وسائل مدرّة للعملات الصعبة من مدّخرات المغتربين، حتى وصلت في أوجها إلى فرض ضريبة قدوم (وصول) إلى المطار، قُدرت بعشرة دولارات أميركية للفرد، فُرضت على كل سوداني مغترب يعود إلى السودان في إجازة.

ولأن النظام الحاكم كان معزولاً عن جواره، تحوّلت أبسط الإجراءات القنصلية للمغتربين إلى مهمة شاقّة وعسيرة لا تنجز إلا بالتي واللتيا، فكان صادماً استيعاب حقيقة أنه مع وصول عدد السودانيين في المغترب والمهجر إلى الملايين لم تتحرك الدولة لتنظيم شؤونهم وتعزيز الخدمات التي يمكنها تقديمها إليهم، وعلى الأقل إيصال صوتهم إلى الجهاز الإداري للدولة، بل اكتفت بإنشاء جهاز خدماتي ريعي سمّي “جهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين في الخارج”، كديوان خدمة عمومي تابع وملحق بشكر مباشر بديوان رئاسة الجمهورية (لاحقاً، ضم لاختصاصات ديوان مكتب رئاسة مجلس وزراء الحكومة الاتحادية)، يقوم في معظم نشاطه على تنظيم الضرائب والرقابة على نشاط المغتربين وفرض رسوم إضافية أو جديدة عليها، حتى بلغت رسوم الدراسة المفروضة على أبناء المغتربين في وطنهم أسعاراً باهظة.

وتبلورت تلك المشكلة ليكون الحل لدى مسؤولي ذلك الجهاز، من موظفين محليين عتيقين ومغتربين سابقين، بإنشاء جامعة لأبناء المغتربين السودانيين. وفي دول المهجر، تم تقديم خدمات لتسهيل أداء الطلبة امتحان الشهادة الثانوية العليا “البكالوريا” في سفارات السودان في الخارج، فيما لا يزال المغتربون مطالبين بشيء ما يشبه ذلك الموجود في المغرب على سبيل المثال، أو بشكل أوضح في سوريا ولبنان، حيث للمغتربين وزارة وإدارة، وجالياتهم تلقى ولو حداً أدنى من التنظيم والرعاية، وهو مطلب ملحّ وسهل إذا ما قورن بمشاريع المخططات السكنية السحرية التي عمرت أحياء سكنية في شرق العاصمة، كالرياض والطائف، والتي بيع كثير منها لاحقاً تحت وطأة الأزمة الخانقة التي سحقت العديد من أسر الطبقة الوسطى، ومشاريع كشركة الهاتف “سوداتيل” وسوق الأوراق المالية الرسمي “شهامة” الذي سوقت له الحكومة لسنين طويلة، ومشروع “سكر كنانة” الطموح الذي واجهته صعوبات تقنية وفنية سببها في الدرجة الأولى استمرار الحصار المفروض على البلاد، والذي حرمها من تغيير وتبديل قطع الغيار الصناعية، محطماً بذلك القطاع الصناعي المحلّي.

بعدها، جاءت طفرة النفط المحلية واستثمار الشركات الصينية، حين جازف بعض المغتربين بالمساهمة في مشاريع النفط، غير أنها لم تكن دائماً مغامرة خاسر في نمط مختلف للتنظيم الحكومي للاغتراب عن ذلك الموجود في دول كمصر الجارة الكبرى واليمن والمغرب، حيث ترفد جاليات المغتربين من مواطني تلك الدول خزاناتها الوطنيّة بمبالغ ضخمة من العملة الصّعبة مقابل تسهيلات حكومية.

بدايات غير مبشّرة

مع الألفية الجديدة وتفشي حمى الخصخصة، مضت بعض الدول التي توجد فيها جاليات سودانية وازنة ببرامج واسعة لخصخصة قطاعات حكومية و”توطين” بعض المهن والوظائف التي كانت هدفاً لموجات الاغتراب السالفة الذكر، ما دفع بعض المغتربين إلى الاغتراب أكثر إلى أميركا الشمالية والجزر البريطانية وأستراليا، حيث يصطدمون بنموذج مغاير للدولة والمجتمع اللذين تكيّفا عليهما.

وهنا، يمكن الحديث عن “الاستلاب الثقافي” لجيل قادم من المغتربين نشأ نشأة مترددة بين عواصم عدة، بفعل الانغماس الاندفاعي في الاغتراب، وهو رد فعل لانعكاس آثار الأزمات الداخلية في السودان على شريحة كبيرة من المجتمع الذي يشكل الشباب أصلاً قرابة 80% من تركيبته السكانية، فيما تزداد الأزمة قتامة لدى البعض باختلاط الحرب الاقتصادية بأخرى عسكرية.

يشمل ذلك السودانيين الذين كانوا في العراق عشيّة اندلاع حرب الخليج الثانية، والذين لم يتم تعويضهم حتى الآن، وأولئك الذين كانوا في ليبيا إبان اندلاع الحرب الأهلية وغزو حلف شمال الأطلسي في 2011م، وفي أوكرانيا، وغالبيتهم من الطلاب الجامعيين، وخصوصاً في المجالات الطبيّة، الذين علقوا في حرب العام الجاري 2022م، وغيرهم ممن ازدادت نقمتهم على سوء الأوضاع في وطنهم ومغتربهم على حد سواء، فيما يتكدّس المتحمسون الجدد المنطلقون إلى مغامرة الاغتراب في مصر وتركيا، ليصل بعضهم إلى وجهته، وبعضهم إلى حتفه، وتستمر بذلك حلقة من المعاناة، وأخرى من الأمل.

إلى اليوم، تظل معاناة السودانيين في المهجر مزدوجة، ما بين تعقيدات الهجرة والاغتراب وتحديات الاندماج والعمل والدور الحكومي تجاههم؛ معاناة يزيدها فشل إعلامي في التغطية وإيصال الصوت المهاجر، وتردٍ للوضع الداخلي الاقتصادي/السياسي، يدفع المتبقين دفعاً إلى الانضمام إلى ركب المغتربين.

في ثمانينات القرن الماضي، غنّى الفنان السوداني الرّاحل الكبير محمد وردي أغنية ملحميّة أثيرة كتبها له الشاعر الراحل صلاح أحمد إبراهيم، هي “الطير المهاجر”. تقول أبياتها الأخيرة الخالدة:

 وإن كان تعب

 منك جناح

 في السرعة زيد

ومنذاك وإلى الآن، يبقى هناك سؤال اعتراضي مبعثه القلق: هل تعب الجناح؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى