مقالات

تأصيل التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة و”إسرائيل”

أيمن الرفاتي

أعادت الزيارة، التي يجريها الرئيس الأميركي جو بايدن للمنطقة، تسليط الضوء على العلاقات الاستراتيجية بين الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة الأميركية، وخصوصاً بعد أن قال الرئيس الأميركي خلال الزيارة إنّه “صهيوني”، الأمر الذي فتح باب تساؤلات كبيراً عن مقصد بايدن والأهداف التي يريد تحقيقها.

لا يمكن فهم العلاقات بين “إسرائيل” والولايات المتحدة، في بُعدَيها المصلحي والاستراتيجي، إلّا عبر الرجوع إلى محدِّدَين يسببان الانسجام في العلاقات المتبادلة، هما:

الأول: تحالف الحركة الصهيونية مع التيار الأنجليكاني المسيحي.

الثاني: التوافق الاستراتيجي بين الطرفين.

منذ إقامة “دولة” الاحتلال، يقوم التحالف الصهيوني الأنجليكاني على عدد من العناصر، أبرزها: الأيديولوجية الصهيونية، التي تطالب بإعادة توطين اليهود وتجميعهم، وإقامة “دولة” خاصة بهم في فلسطين كحلّ للمسألة اليهودية.

ويقوّي العلاقات وجودُ المعتقدات الأنجليكانية التي يقف خلفها “التيار المسيحي الأنجليكاني”، الذي ينتشر في الولايات المتحدة، ويُعَدّ من أقوى التيارات الدينية المسيحية، التي تُقرُّ بأنّ “دعم إسرائيل فرضٌ ديني على كل مسيحي”، وأنّ عودة اليهود إلى الأرض المقدسة أمرٌ مُسلَّمٌ دينيّ ضمن نبوءة إنجيلية.

ترسَّخت هذه القناعة ضمن موروثات جماعية في أذهان صُنّاع القرار والرأي العام الأميركي، بينما برزت شخصيات ذات وزن كبير سياسياً وإعلامياً تدعم هذا التوجه، من ضمنها جيري فالويل، مؤسس “حركة الأغلبية الأخلاقية”، والذي قال إن “الوقوف ضد إسرائيل كالوقوف ضد الرب.. نحن نؤمن بأن الكتاب المقدس والتاريخ يثبتان أنّ الرب يجازي كل أمة بناءً على كيفية تعاملها مع إسرائيل”.

ومن أبرز الداعمين لهذا الطرح “المؤتمر الوطني للتيارات المسيحية من أجل إسرائيل”، و”القدوة الأميركية للتعاون المسيحي اليهودي”، وكل منهما يستند إلى معتقدات دينية توراتية إنجيلية.

وبحسب المراجع، فإنّ تأثير التيارات السياسية الأميركية برز خلال الحرب العالمية الأولى، بعد توظيفه من جانب الحركة الصهيونية، التي استغلت القواسم المشتركة بين القناعات الدينية الأنجليكانية والمعتقدات الصهيونية، بينما تكلل جهدها في كسب تأييد الإدارة الأميركية لوعد “بلفور”، القاضي بإنشاء “وطن قومي” لليهود في أرض فلسطين.

وتطورت العلاقات الدينية بعد ذلك إلى حالة توافق استراتيجي بين الولايات المتحدة و”إسرائيل”، إذ ارتبطت أهداف الحركة الصهيونية بالأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط بصورة وثيقة، منذ مؤتمر بازل السويسري عام 1897، على نحو يخدم مصالح الغرب في المنطقة العربية.

بعد انحسار دور بريطانيا، لجأت “إسرائيل” إلى التحالف مع فرنسا، وأبرمت اتفاقاً لتعزيز الأمن الإسرائيلي عام 1953، تعهدت بموجبه فرنسا تقديمَ مستلزمات بناء مفاعل “ديمونا”. كما أفضى التعاون إلى تزويد “إسرائيل” بصواريخ أرض – أرض بعيدة المدى، طورتها “إسرائيل” بعد ذلك وسمتها “أريحا”.

الهجمات الإسرائيلية على العرب عام 1967 وجهت ضربة قوية إلى العلاقات بينهما، بحيث ندّدت بها فرنسا وأوقفت تزويدها بالسلاح، الأمر الذي دفع “إسرائيل” إلى إعادة النظر في علاقاتها الخارجية، والتوجّه إلى تعميق العلاقات بالولايات المتحدة الأميركية.

أدرك قادة الحركة الصهيونية أنّ تعاظم القوة الأميركية، اقتصادياً وعسكرياً، سيسمح لـ”إسرائيل” بأداء دور كبير في الشأن الدولي. وبناءً عليه، سَعَوْا لدى قادتها لدعم قيام “دولتهم”، بحيث حصلوا على دعم وعد “بلفور” عام 1922، وظلّت العلاقة تتعاظم وصولاً إلى مؤتمر “بلتيمور” عام 1942، الذي أخرج قضية اليهود من التبعية المطلقة لبريطانيا.

ومع تعاظم قوة الولايات المتحدة وتزعُّمها قوى الرأسمالية العالمية، سعى قادة “إسرائيل” لتقديم “دولتهم” قاعدةً أمامية للدفاع عن المصالح الأميركية في المنطقة، وضمان تفوقها النوعي فيها، في ظل الضغط السوفياتي والقوى الثورية المؤيدة له في الشرق الأوسط.

من جهتها، أدركت الولايات المتحدة أهمية “إسرائيل” الاستراتيجية في وقت مبكّر من “قيام” هذه الأخيرة. فموقعها الاستراتيجي يُعَدّ ورقة رابحة، وهو بمثابة “الدولة” المحور في المنطقة.

الولايات المتحدة نظرت إلى “إسرائيل” على أنّها الوحيدة القادرة على مساعدتها بقواتها الجوية في حال تعرضت لهجوم سوفياتي في الشرق الأوسط. وبناءً عليه، دعمت امتلاك “إسرائيل” السلاح النووي، ووافقت عام 1955 على تقديم مساعدة مالية ومساعدة تقنية لإقامة “مفاعل رحيفوت” للأبحاث في ضواحي “تل أبيب”.

ساهمت أحداث “أيلول الأسود” عام 1970، بين الأردن والفصائل الفلسطينية، في تعزيز الإدراك الأميركي لأهمية “إسرائيل” في المنطقة، وأنّ تعزيز قوتها من شأنه حماية المصالح الأميركية في المنطقة، بعد أن نجحت في الدور المنوط بها، إذ دفعت الأردن إلى طرد الفصائل الفلسطينية منه. وقال وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر إن “طبيعة النظام الإسرائيلي وتشدّده يشكلان أوراقاً رادعة يمكن استغلالها”.

في فترة حرب عام 1973 دعمت الولايات المتحدة “إسرائيل”، ومكّنتها من استعادة توازنها، تعبوياً واستراتيجياً، بعد تقدم الجيوش العربية في الجولان المحتل وسيناء، بحيث أقامت جسراً جوياً، إلى درجة أنّ الحرب أصبحت عربية أميركية.

بعد “حرب أكتوبر” تعهدت واشنطن دعمَ حاجة “إسرائيل” إلى النفط لمدة 15 عاماً، ثم أتبعته بإنشاء المجلس الاستشاري الأميركي الإسرائيلي لدعم الشركات الأميركية والإسرائيلية في حقل البحث والتطوير.

مع سقوط نظام الشاه في إيران، زادت أهمية “إسرائيل” بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وهو ما فسّره جوزيف شوربا، أحد مستشاري ريغن، بالقول إن “إسرائيل، منذ تأسيسها، أدّت دور مانع صواعق، يُبعد اهتمام الراديكاليين بعيداً عنا”.

في تشرين الثاني/نوفمبر 1981، أُبرمت معاهدة الدفاع المشترك بين الجانبين، ونصّت على: إجراء مناورات مشتركة، وتخزين السلاح والعتاد الأميركيَّين في “إسرائيل”، واستخدام الطيران الإسرائيلي في حماية الأسطول البحري الأميركي السادس في البحر الأبيض المتوسط، وتأمين الخدمات الطبية.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر 1983، أُبرم التحالف الاستراتيجي بين الجانبين، متضمّناً ما يلي: القيام بمناورات عسكرية مشتركة، والتخطيط الأمني المشترك، وزيادة التعاون الاستخباري والتخزين العسكري والتخزين الطبي في “إسرائيل”، وزيادة المشتريات الإسرائيلية، واستعمال القوات الأميركية للقواعد العسكرية الإسرائيلية، وإعفاء “إسرائيل” من دفع القروض الأميركية وتحويلها إلى هِبات، وزيادة الاستثمارات لتحريك اقتصاد “إسرائيل”، ورفع القيود عن بيع “إسرائيل” للإنتاج العسكري لعدد من الدول الأفريقية.

وبعد انتهاء حرب الخليج الثانية، أوفت الولايات المتحدة بتعهداتها الاستراتيجية بشأن ضمان تفوق “إسرائيل”، وزوّدتها بكمية كبيرة من الأسلحة المتطورة والطائرات والقاذفات ومضادات الطائرات والدبابات المتطورة.

وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك “حلف وارسو” والقضاء على القوة العسكرية العراقية، لم يتوقف الحلف الاستراتيجي بين “إسرائيل” والولايات المتحدة. وبعد هذه الفترة، أدركت واشنطن أنّ الشرق الأوسط يمر في ضعف كبير. وبناءً عليه، طرحت مشروعاً سمته “الشرق الأوسط الكبير”، يشمل ترتيبات أمنية جديدة للمنطقة لخدمة أهدافها الخارجية، وتقضي بخلق نظام إقليمي جديد لتفكيك التحالفات القديمة المناوئة لمصالحها الخاصة، وعزل القوى الرافضة لمسار السلام الإسرائيلي – العربي، وتغيير بعض المفاهيم السائدة، مثل القومية والإسلام السياسي، وتفعيل دور “إسرائيل” كحارس لمصالحها في المنطقة.

في ظل ذلك، توصلت “إسرائيل” والولايات المتحدة إلى التوقيع على ميثاق تعاون استراتيجي وأمني متبادل، يشمل: المتابعة والرصد للمنظمات الراديكالية التي تهدد الجانبين، وتعزيز التعاون استخبارياً وفي مجال البحوث والتطوير، وفي شأن التدريبات المشتركة، وتبادل التكنولوجيات في ميدانَي الكشف والتأمين.

كما زوّدت “إسرائيل” بصواريخ باتريوت المضادة للصواريخ الباليستية، ودعمت منظومة “حيتس” الإسرائيلية المضادة للصواريخ عام 1997. وفي عام 1998، وقعت اتفاقية أمنية دفاعية لتوفير الحماية العسكرية لها في أي مواجهة مقبلة، وتشمل: تدخل واشنطن عسكرياً بصورة مباشرة ومشتركة في حال خاضت “إسرائيل” أي عملية عسكرية، ويكون التدخل دفاعياً ويَحُول دون تحقيق الأطراف الأخرى نوعاً من الانتصار العسكري على “إسرائيل”، وإيجاد شبكة أمان رادعة لمنظومة الصواريخ في المنطقة، وخصوصاً التي تمتلكها إيران والعراق وسوريا.

وتنصّ الاتفاقية على تزويد “إسرائيل” بأسلحة جديدة، وتعزيز قدراتها الدفاعية والردع الإسرائيلي، مع تقوية تبادل المعلومات الاستخبارية، بينما تمدها الولايات المتحدة بالمساعدات العسكرية في حال قررت شنّ عملية عسكرية ضد أي دولة أخرى، بشرط إطلاع واشنطن على تفاصيل العملية قبل اعتمادها، وأن تكون تلك الدولة تشكل خطراً على أمن “إسرائيل” واستقرارها. كما تنصّ على أنّ “إسرائيل” غير ملزمة بإرسال قواتها للعمل خارجها، قبل ترتيب وضعها الداخلي ضمن علاقات التعاون الاستراتيجي والعلاقات العسكرية، بينما تتعهد الولايات المتحدة توجيهَ ضربة عسكرية مؤثّرة بأسلحة فوق تقليدية ضد أي دولة تهاجم “إسرائيل”.

لقد حرصت الولايات المتحدة على إعفاء “إسرائيل” من إجراءات ضبط التسلح، والتي أقرّتها اللجان الخمس في المفاوضات المتعددة الأطراف في “مؤتمر مدريد” عام 1991، بينما حاصرت جهود التسلح لدى الدول العربية وإيران، الأمر الذي عزّز حالة الخلل في التوازن العسكري، وكرّس معه الاختلال الاستراتيجي القائم أصلاً لمصلحة “إسرائيل”.

توسَّعَ التأييد الأميركي لـ”إسرائيل” ليشمل لأول مرة المواجهات اللامتماثلة، مع تزايد الحركات والخلايا المقاومة، مثل “حزب الله” و”حماس” و”الجهاد الإسلامي”.

بعد هذه التحالفات حتى عام 2022، باتت قضية دعم “إسرائيل” وتزويدها بأحدث الأسلحة أمراً من المُسلَّمات الأميركية، وأحد القرابين التي يقدمها الرؤساء لتحسين أوضاعهم الانتخابية، عبر شراء رضا اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة. وباتت اتفاقيات التحالف الاستراتيجي تتجدد كل عامين، ومعها تتجدد عمليات تزويد “إسرائيل” بالصواريخ والطائرات والأسلحة المتطورة.

الخلاصة:

العلاقات الأميركية الإسرائيلية مرتبطة بشبكة وثيقة من الروابط الاستراتيجية، يدعمها الدافع العقائدي، الأمر الذي يجعل نظر الولايات المتحدة إليها متبايناً عن النظر إلى أي حليف آخر، ويجعل إمكان انفكاكها ضعيفاً وشبه مستحيل. فالنظرة الأميركية إلى “إسرائيل” تُبنى على أساس أنّها “بلد صديق، ديمقراطي، مجرّب، ثمين، وحليف للولايات المتحدة… فيها إجماع عام بشأن التوجه الموالي لأميركا يسود المستويات كافة، مهما يكن قادة الأحزاب السياسية، ومهما تكن الائتلافات الحكومية”. وهذا يفسّر الدعم الأميركي لها لمواجهة تحدياتها الداخلية والخارجية، على مدى الأعوام الماضية.

في المقابل، تضع “إسرائيل” الولايات المتحدة الأميركية في قلب نظامها الاستراتيجي، الذي يقوم على الحصول على العتاد العسكري الأكثر تقدماً بسعر خاص، وإشراك الولايات المتحدة في أمن الشرق الأوسط، وجعلها تقدّم ضمانات أمنية موثوقة أكثر بين الفترة والأخرى.

كل هذا يجعل “إسرائيل” تنخرط في الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، بحيث تكون الحليف الأهم والذي يُعتمد عليه لحماية المصالح الأميركية.

لا يمكن إيجاد نتيجة في العلاقة سوى أنّها تبادلية. فلكل طرف وظيفة استراتيجية يقوم بها، تُعَدّ مهمة وحيوية للطرف الثاني. فقوة “إسرائيل” لا يمكن أن تكون من دون غطاء أميركي، ولا يمكن المحافظة على المصالح الأميركية في الشرق الأوسط من دون وجود “إسرائيل” قوية. إذاً، العلاقة “تكاملية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى