الدين و الحياة

تذهيب وإصلاح قبة ومنارتي المرقد العلوي المطهر في التاريخ المعاصر

الإباء / متابعة

لقد جرت عدد من الإصلاحات على القبّة المنورة والمنارتين لمرقد الامام علي (عليه السلام) بعد فترة التذهيب الأولى في عهد “الملك نادر شاه افشار” ذُكرت في الكتب التي تحدثت عن تاريخ المرقد العلوي ولا سيما كتاب “ماضي النجف وحاضرها” للشيخ جعفر محبوبه وكتاب “تاريخ النجف الأشرف” للشيخ محمد حسين حرز الدين وكتاب “المفصل في تاريخ النجف الأشرف” للأستاذ الدكتور حسن الحكيم.

أما أهم الإصلاحات فهو ما قام به التاجر النجفي “الحاج محمد رشاد مرزه” الذي تبرَّع للقيام بترميم التصدّعات في القبّة المنورة وإعادة تذهيبها على نفقته الخاصة بعد نيله موافقة زعيم الطائفة يومذاك سماحة آية الله العظمى السيد محسن الحكيم قدّس سرّه. وقد ابتدأ العمل بالتذهيب في سنة 1388ه/1968م وانتهى في سنة 1391ه/1971م. وتمت إعادة تذهيب الصفائح للقسم البصلي العلوي من القبّة الذي يعلو الحزام فقط ولم يشمل العمل اعادة تذهيب الصفائح المغلّفة لرقبة القبّة. وقد تجاوزت كمية الذهب المصروف 50 كيلوغرام, وبلغت مصاريف العمل مليون دينار عراقي أي ما يعادل ثلاثة ملايين دولار في حينه (1) وقد وقفتُ على مدوّنة نُقشت على الجانب الخلفي لإحدى الصفائح الذهبية تؤرِّخ لعام اكتمال التذهيب ما نصه:(تبرع الحاج محمد رشاد مرزه بتذهيب القبة سنة 1391) .

وقد أرَّخ الشاعر الشيخ عبدالغفار الأنصاري عام الشروع بالعمل (1388هـ) بقوله:

قد تجلّت قبّةٌ بالمرتضى       ***      ولها اللهُ جلالاً قد وهبْ

بورك المحسنُ في تذهيبها    ***       فبها نال (الرشادَ) والإرَبْ

ولها من لُطفهِ أرِّخ           ***       (كسا من سنا نور عليٍّ بالذهبْ) (2)

 مشروع الأمانة العامة للعتبة العلوية المقدسة في إعادة التذهيب

في بداية ثمانينيات القرن الماضي قام النظام البعثي بقلع حزام القبّة وإنزال إكليلها الذهبي فضلاً عن خلع الأشرطة والصفائح الذهبية التي نُقشت عليها القصائد الشعرية بحق أمير المؤمنين عليه السلام بدافع طائفي وعنصري لأنَّ هذه المدوَّنات قد كُتبت باللغات الفارسية والتركية. وأُبدلت المدوّنات الأصلية بصفائح صقيلة سبّبت تشويهاٍ واضحاً في منظر الإيوان الذهبي الذي يُعد السِمة الأجمل في عمارة المرقد العلوي المقدس, أما الإكليل الذهبي الأصلي فقد تم تغييبه وإبداله فيما بعد بإكليل آخر يحمل لفظ الجلالة (الله), في حين ظلّت القبّة عارية من حزامها.

وبعد قيام الإنتفاضة الشعبانية في شهر آذار من عام 1991م قام النظام البعثي البائد بقصف مدينة النجف الأشرف بالصواريخ وقذائف المدفعية, فأصيبت القبّة الشريفة إصابات بالغة ولا سيما من الجهة الشمالية (جهة باب الطوسي), كما تضررت واجهة الإيوان الذهبي والباب الذهبية الكبيرة بفعل الرصاص وشظايا القذائف, ولم تراعَ حرمة المرقد العلوي المقدس من أزلام النظام الكافر, وبعد إخماد هذه الإنتفاضة تم ترميم الأضرار بشكل متسرع وغير دقيق

  وبعد زوال سلطة النظام البعثي الغاشم في عام 2003م تولت المرجعية الدينية الرشيدة في النجف الأشرف مهمة الإشراف على العتبات المقدسة، وأصدر مجلس إدارة العتبة العلوية المقدسة قراراً نصَّ على: ( إعادة كل ما رُفِع ورفع كل ما وُضِع في زمن النظام السابق ولأغراض سياسية بعيدة عن قدسية وتاريخ العتبة المقدسة وفي أي موقع منها) (3). وبناءً على ذلك قام المتخصصون في مجال ترميم اللوحات والكتائب التاريخية من لجنة إعمار العتبات المقدسة في إيران بتجديد الكتائب التي تمت إزالتها وتخريبها في عهد النظام البائد والتي كانت مرميّة في أحد مخازن الحرم العلوي الشريف.

  وتم ترميم وتجديد الصفائح الذهبية المطعمة بالمينا الزرقاء الخاصة بشريط القبّة العلوية، وأُعلن عن اكتمال العمل في 13 رجب 1430ه الموافق 6 تموز 2009م. أما كتائب الإيوان الذهبي فقد تمت صيانتها وترميميها وطلائها وأُرجعت إلى أماكنها الأصلية ابتداء من سنة 2013م. ومن المناسب أن نذكر هنا قيام الأمانة العامة للعتبة العلوية المقدسة بإنجاز صيانة وتذهيب أطواق المنارتين الشمالية والجنوبية في عام 1433ه/2012م.

 واستمراراً للنهج المتبع من قبل إدارة العتبة العلوية المقدسة المتمثل بالإهتمام بالتراث الثقافي المادي وغير المادي للمرقد العلوي المطهر وتوظيف جميع الطاقات والإمكانيات المتوافرة من أجل خدمة هذا المكان المقدس, وبإشراف مباشر من المرجع الديني السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله, تم وضع الحجر الأساس لمشروع إعادة تذهيب المرقد العلوي المطهر وذلك في  العاشر من ربيع الآخر 1434هـ الموافق 21 شباط 2013م.

  وتتمثل أهمية هذا المشروع في إصلاح التصدعات في جدران القبّة الخارجية وإصلاح الصفائح الذهبية المزينِّة للمرقد المطهر والتي تضررت بسبب الظروف الجوية والأحداث العسكرية, إذ انَّ من أهم الاولويات هو الحفاظ على التراث العمراني والثقافي والشواهد التاريخية للعمارة العلوية الحالية. ومن الجدير بالذكر انَّ مشروع إعادة التذهيب قد تمت الموافقة عليه بعد اطّلاع المرجعية الدينية العليا على جميع التفاصيل وإعطائها التوجيهات اللازمة وتأكيدها على ضرورة الحفاظ على الصفائح الذهبية الأصلية وضرورة صيانتها وطلائها وإعادتها إلى أماكنها الطبيعية من أجل الحفاظ على الجوانب التراثية والتاريخية للمرقد المقدس.   

 وتم الاتفاق على أن يتولى فريق عمل متخصص من كوادر الدائرة الهندسية في العتبة العباسية المقدسة من ذوي الخبرة والمهارة المباشرة بالمرحلة الأولى من مشروع التذهيب وذلك بإعادة تذهيب رقبة القبّة. وبلغ عدد الصفائح الذهبية للرقبة 2525 صفيحة مرتبة بـ 18 صف (حلقة دائرية), ويبلغ قياس الصفيحة الواحدة 18 x 24 سم, أما كمية الذهب المستعملة فكانت 45 كيلوغرام, واكتملت هذه المرحلة في عام 2014م.

 أما المرحلة الثانية من المشروع المتمثلة بتذهيب القسم العلوي للقبّة فقد أُسندت إلى الكوادر الهندسية والفنية لمؤسسة الكوثر الإيرانية بالتعاون مع كوادر فنية متخصصة من العتبة العلوية المقدسة, وتم في عام 2014 م نصب الركائز الحديدية حول القبّة وقلع جميع الصفائح الذهبية, وفي شهر كانون الأول من عام 2015 تم افتتاح ورشتي العمل الخاصتين بإعادة تذهيب الصفائح الذهبية. وتمت تهيئة جميع الأجهزة والأدوات والمستلزمات المادية الخاصة بالعمل ومن ضمنها إنشاء مصعد كهربائي خاص بنقل المواد المستخدمة في عملية التذهيب.

  وجرى في يوم الأحد 13 ربيع الآخر 1437ه الموافق 24 كانون الثاني 2016م حفل افتتاح الشروع بتنفيذ المرحلة الثانية من اعادة تذهيب القبّة بحضور جمع غفير من الشخصيات الدينية والثقافية والأكاديمية والاجتماعية.

  وكان عدد الصفائح الذهبية المعاد طلائها للقسم العلوي من القبّة (فوق الحزام) 9217 صفيحة تشكل 76 صفاً أو حلقة مطوقة للقبّة, وعند جمعها مع صفائح الرقبة (أسفل الحزام)  البالغ عددها 2525 يكون المجموع الكلي لصفائح القبّة هو 11742 صفيحة. وقد بلغت كمية الذهب المستخدمة في تذهيب القسم العلوي للقبّة بحدود 131 كيلوغرام.

  ونظراً للأهمية التراثية والرمزية الكبيرة للإكليل الذهبي الأصلي المفقود فقد تم تصنيع نسخة طبق الأصل من هذا الإكليل في إيران وذلك بالاستعانة بإرشيف الصور القديمة. وقد روعي في عملية تصنيع الإكليل تطبيق أدق التفاصيل من حيث  المواصفات والحجم وبسعي الدكتور هادي الأنصاري. وتم صنع الإكليل من النحاس في مؤسسة الكوثر في طهران بإشراف مهندسين وخبراء متخصصين بالتراث, وتم طلائه بنحو كيلو ونصف من الذهب الخالص في ورشة العتبة العلوية المقدسة في النجف الأشرف. علماً انّ الإرتفاع الكلي للأكليل مع الرمانة التي يرتكز عليها يساوي 473,5 سم.

   وفي عصر يوم الأربعاء 7 ربيع الأول 1438هـ الموافق 7 كانون الأول 2016م أقيمت مراسم إحتفالية مهيبة لاستقبال موكب الإكليل الذهبي عند دخوله رحاب الصحن الحيدري الشريف شارك فيها رجال الدين ورؤساء العشائر ومنتسبو العتبة المقدسة وزائرو مرقد أمير المؤمنين عليهم السلام, وتم وضع الإكليل في مكانه الطبيعي متوجاً القبّة المنورة لسيد الأوصياء عليه السلام.

  وكان يوم 17 ربيع الأول عام 1438ه الموافق 17 كانون الأول عام 2016م موعداً لحدث تاريخي مهم تمثل بإزاحة الستار عن قبّة مرقد أمير المؤمنين عليه السلام بعد إعادة تذهيبها تزامناً مع ذكرى ولادة سيد الرسل النبي الأكرم محمد )صلى الله عليه وآله(. وحضر حفل الافتتاح في الصحن الحيدري الشريف جمع كبير من الشخصيات الدينية والاجتماعية والثقافية والحكومية يتقدمهم المرجع الديني الشيخ محمد إسحاق الفياض وامين العتبة العلوية السيد نزار حبل المتين وأمناء وممثلو العتبات المقدسة فضلا عن ضيوف العتبة العلوية المقدسة والآلاف من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام الذين امتلأت بهم أروقة الصحن الشريف وقد تكحلت أعينهم برؤية القبّة العلوية المنورة بحلتّها الذهبية الجديدة بعد إزاحة الستار القماشي الأبيض عنها.

  أما التاريخ الشعري لعام إعادة التذهيب (1438هـ) للقبّة العلوية المطهرة فقد نَظم فيه عدد من الشعراء المبدعين ومنهم الشاعر النجفي الأستاذ محمد علي الزهيري إذ يقول:

صَدحَ الحقُّ بصوتِ الشرفِ      ***      وزهى اللؤلؤ بينَ الصَدَفِ

فهنا شلالُ نورٍ دافقٌ               ***       وهنا المجدُ بأعلى الزُلَفِ

وهُنا تاجُ الهدى مؤتلقاً            ***        وبألطافِ المعالي يحتفي

وقبةُ قطبُ رحى الكون الذي      ***      بعلي المرتضى سرٌّ خفي

هي شمسُ الله في أرض الغري   ***       بشعاعٍ دائمٍ لن يختفي

جدَّدوا القبةَ تبراً صافياً            ***         وهيَ للأرواح أسمى هدَفِ

 وبتاريخٍ (أجدهُ قد زَهتْ          ***          قبةُ الكرارِ فوقَ النجفِ)

 وأرَّخ عام التذهيب شاعر العتبة العلوية المقدسة الأستاذ إبراهيم الكعبي فقال في قصيدة مطلعها:

مضى عهد المحبّةِ والتصابي             ***           وهذا الشيب يمحو من شبابي

الى ان يقول:

وهذا التبرُ ينطق كلَّ يومٍ                ***              بتفضيلِ الوصيِّ على الرقابِ

أقولُ مبيِّناً لمؤرخيهِ                ***              (بأنَّ التبرَ قولُ أبي تُراب)

كما أنشد الشاعر الكربلائي الأستاذ علي الصفار قصيدة في تاريخ التذهيب قائلاً:

يا قُبَّةً فيكِ رَوحُ الرُّوحِ يَنسَكِبُ             ***     حَيثُ الوجودُ على وَهْمِ الفَنا يَثِبُ

الى ان يقول:

قدْ جَدَّدَ العَزمُ والإخلاصُ عَسجَدَها         ***      فَطأْطأَتْ عِندها الأعيانُ والرُّتَبُ

للدَّهرِ أرِّخْ (عليٌّ يا أبا حسنٍ                ***     بمولدِ المصطفى قَدْ جُدِّدَ الذّهبُ)

 ——————————————

الهامش

(1) يُنظر: طريق النور.. قصة الحاج محمد رشاد مرزه مع العتبات المقدسة:21.

(2) ذكريات الأحبة: 104.

(3) دليل العتبة العلوية المقدسة: 134.

 المصادر:

– تاريخ النجف الأشرف: محمد حسين حرز الدين. مطبعة نگارش, قم المقدسة, 1427هـ.

– اليتيمة الغروية والتحفة النجفية: حسين البراقي. مطبعة شريعت, قم المقدسة, 1428ه

– ديوان الحائري: السيد نصر الله الحائري الموسوي. مطبعة الغري, النجف, 1954.

– دليل العتبة العلوية المقدسة: قسم الشؤون الفكرية والثقافية/العتبة العلوية المقدسة. دار الرافدين, بيروت, 2011.

– ماضي النجف وحاضرها: جعفر محبوبه. مطبعة الآداب, النجف الأشرف, الطبعة الثانية, 1958م.

– طريق النور.. قصة الحاج محمد رشاد مرزه مع العتبات المقدسة: عبدالحليم حاتم مرزه. دار النور.

– ذكريات الأحبة: عبدالغفار الأنصاري. مطبعة دار الكفيل, كربلاء المقدسة, 1436ه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى