مقالات

الحراك السياسي الجديد في المنطقة: حلّ الأزمة السورية رهن بما هو أكبر!

زياد غصن

على خلفية الحراك السياسي الإقليمي الجديد، ينقسم السوريون في تحليلاتهم لتداعيات ذلك الحراك على أزمة بلادهم إلى فئتين: الأولى تأمل أن تنعكس الانفراجات السياسية على أكثر من مستوى إقليمي إيجاباً، بشكل مباشر أو غير مباشر، على تطورات الأزمة السورية، إذ إنَّ تخفيف التوتر الذي تعيشه دول المنطقة منذ بداية أحداث ما سمي بـ”الربيع العربي” لن يتحقق ما لم يتم إخراج سوريا من دائرة التصعيد الإقليمي والدولي، وتالياً مساعدتها على استعادة أمنها ومكانتها الجيوسياسية والاقتصادية المهمة.

أما الفئة الثانية، وهي أكثر تشاؤماً، فترى أنَّ ما يحدث من تطورات سياسية قد يكون في جانب أساسي منه على حساب سوريا، أو أنَّ سوريا لن تكون حاضرة سوى في البيانات الصحافية الخاصة الصادرة في أعقاب الزيارات الرسمية والاجتماعات الثنائية، وهي البيانات ذاتها التي تصدر منذ عقد ونيف من الزمن، ويُعمل بخلافها عملياً.

للوهلة الأولى، تبدو قراءة كلا الفريقين قريبة من المنطق، ولديها فرصة للتحقق، لكن ليست مصلحة دول المنطقة هي التي تحكم العلاقات البينية لتلك الدول، وإلا لما شهدت المنطقة كل تلك الأزمات، ولما عانت ما عانت من ويلات حروب ونزاعات مدمرة.

هذا لا يؤشر فقط إلى تأثير المشروعات الخارجية في علاقات دول المنطقة بعضها ببعض، إنما يؤشر أيضاً إلى أنّ أنظمة العديد من دول المنطقة لا تعرف أين تكمن مصلحتها، أو أنَّ رؤيتها للمستقبل يشوبها عدم الدقّة والوضوح، بدليل أنَّ الخلافات السياسية بين تلك الدول تبدأ وتنتهي دوماً على أنقاض مصالحها المشتركة.

واحدة من عدة أزمات

ماذا يمكن لزيارة أمير قطر إلى القاهرة أن تغير من مجرى أو مسار الأزمة السورية؟ هل يمكن للقاهرة أن تؤدي دور الوسيط لفتح حوار بين دمشق والدوحة؟ وماذا عن أبعاد زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى أنقرة بالنسبة إلى الملف السوري؟ هل يمكن أن تمارس الرياض ضغوطاً ما على أنقرة لتغيير سياستها حيال الأزمة السورية أو هناك مقايضة خليجية ما يمكن أن تفضي إلى تبريد الساحة السورية وتهدئتها تمهيداً لحل سياسي؟

محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها هي ما يستحوذ على اهتمام السوريين في مقاربتهم التحليلية للأحداث السياسية الأخيرة التي تشهدها المنطقة، والتي تؤسّس في نظر الكثيرين لمرحلة جديدة من التموضع السياسي لدول المنطقة، تنهي في جانب منها مسيرة من الخلافات السياسية العميقة، والتي كانت قد قسمت الدول الفاعلة على الساحة السياسية خلال العقد الأخير إلى محورين: واحد داعم وحاضن للتيار الإسلامي المتمثل بالإخوان المسلمين (تركيا وقطر)، والآخر رافض له (السعودية ومصر والإمارات)، وتستكمل في جانب آخر ما كان قد بدأ في السنوات الأخيرة من خطوات “تطبيع” مع الكيان الصهيوني.

في ظل هذا التموضع السياسي الجديد، لا يتوقع أن تشهد الأزمة السورية انفراجات حقيقية جراء التطورات الأخيرة، كما يتمنى المواطن السوري، للأسباب التالية:

– معظم هذه الدول تحرص على عملية استنزاف طويل للأمد للدولة السورية لتحييدها إقليمياً، وتحويلها من دولة فاعلة ومؤثرة في الساحة الإقليمية والدولية إلى دولة ضعيفة متأثرة وخاضعة لحسابات الآخرين ومصالحهم. لذلك، لا يتوقع أن تقاتل بعض الدول سياسياً من أجل إنهاء الأزمة في سوريا واستعادة البلاد مكانتها ودورها المعروف، ما دامت مستفيدة، وليست متضررة من ديمومة الأزمة السورية.

– تعدد الأزمات والنزاعات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة اليوم، الأمر الذي يطرح تساؤلات عن الأسباب التي تجعل الأزمة السورية تتقدم على ما سواها من أزمات في أجندة اهتمامات دول، كالسعودية ومصر وغيرهما.

ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى مضمون البيان الصحافي الصادر في أعقاب زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى الأردن مؤخراً، إذ تضمن البيان استعراضاً لمواقف الدولتين من أزمات المنطقة كافة، لكن جرى ترتيبها تبعاً لأهميتها لكل من البلدين، فكانت الأولوية للملف الفلسطيني وحماية المقدسات الدينية والإشراف عليها، ثم جاءت الأزمة اليمنية ثانياً، والأزمة السورية كانت الثالثة تقريباً، فالوضع في العراق، ولبنان، والملف النووي الإيراني.

– للأنظمة العربية باع طويل في صياغة بيانات التنديد والإدانة والتأكيد والحرص، والأزمة السورية لن تكون أفضل حال من القضية الفلسطينية، التي أشبعها العرب على مدار 7 عقود من النكبة بيانات حماسية لم تتوقف حتى مع انطلاق قطار التطبيع قبل نحو عامين.

لذلك، إن حضور الأزمة السورية في البيانات الرسمية والمؤتمرات الصحافية ليس مؤشراً على اهتمام عربي خاص بها بقدر ما هو لازمة إعلامية. وما يعانيه السوريون من نقص شديد في حوامل الطاقة والغذاء، فيما دول عربية تطفو على بحر من الثروات، خير مثال على حقيقة الموقف العربي من جهود حل الأزمة السورية.

– بعض الدول في المنطقة لن تتوانى عن المساومة على موقفها من الأزمة السورية مع الآخرين، شرط تحقيق مصالح خاصة لها. هذه الدول مارست سابقاً المساومة نفسها على موقفها من القضية الفلسطينية، ومن الوضع العراقي واليمني والليبي، وليس هناك ما يمنعها اليوم من المساومة أيضاً على الأزمة السورية، ولا سيما أن مكاسبها من ذلك قد تكون كبيرة نوعاً ما. وللتذكير، بعض دول المنطقة ساومت بشكل واضح خلال العقد الأخير على ملفات معينة في مجريات الأزمة السورية، فما الذي يمنعها اليوم من تكرار الأمر بصيغة أخرى ولأهداف جديدة أيضاً؟

بانتظار الحروب الكبرى

المراد مما سبق ليس القول بعدم فاعلية بعض دول المنطقة في تحقيق انفراج ما على صعيد الأزمة السورية، فهذه الدول باتت مؤثرة في تطورات المشهد السوري لاعتبارات عديدة راكمتها سنوات العقد الأول من عمر الحرب، إنما هنا لا بد من التمييز بين حالتين: الأولى أنَّ تلك الدول تملك وتمارس ذلك الدور بشكل محدود وفقاً لما تفرضه وتمليه الاصطفافات الدولية والإقليمية عليها، وهذه حال دول عربية عديدة. والحالة الثانية أنها تنطلق في تدخلها المباشر والواسع في الأزمة السورية من مصالح جيوسياسية واقتصادية مستغلة ظروفاً سياسية إقليمية ودولية معينة، وتركيا خير مثال على ذلك.

لذلك، الآمال التي يبنيها البعض على الزيارات والاتصالات السياسية النوعية لتحقيق انفراجات ما على صعيد الأزمة السورية، تبدو غير واقعية بالنظر إلى أن المواقف الإقليمية لا تزال على حالها، فلا تركيا غيرت سياستها تجاه دمشق، ولو تدريجياً، ولا الرياض تقدمت خطوة واحدة حيال دمشق، كالسماح مثلاً لوزارة الأوقاف بالعودة للإشراف على الحجيج السوريين هذا العام، ولا الدوحة توقفت عن مهاجمة دمشق، ولو إعلامياً. وحتى بعض الدول التي انفتحت مؤخراً سياسياً واقتصادياً على دمشق، فإن انفتاحها بقي ضمن حدود معينة تجنباً للعقوبات الأميركية والغربية.

هذا الأمر يقودنا إلى استنتاج بديهي، وهو أنّ أيّ اختراق جدي في الملف السوري لن يكون نتيجة تطورات واتصالات إقليمية، كما يعتقد البعض، فالأمر برمّته ينتظر نتيجة الحروب التي تخوضها الدول الكبرى ضد بعضها البعض، من أوكرانيا إلى بحر الصين، فجلسات مجلس الأمن.

 وثمة فرق بين انفتاح دول في علاقاتها مع دمشق وقدرتها على قيادة حل إقليمي ودولي للأزمة السورية. وحتى ذلك الوقت، ليس أمام السوريين سوى الانكفاء على مشاكلهم الداخلية لحلّها ومعالجتها، وإلا فإن كلمتهم لن تكون العليا مستقبلاً في أي جهود أممية أو دولية تبذل لحلّ أزمتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى