مقالات

الإساءة إلى رسول الله.. إدانة في الهند وتغافل في القدس المحتلة

محمد جرادات

يستحق رسول الله، عليه الصلاة والسلام، فداءَ الروح وبذلَ المهج والأنفس، في مواجهة أدنى إساءة تصدر عن أيٍّ كان، وهذا مبدأ عقائدي وعاطفيّ، لا يخضع للبحث والمساومة.

لكن، في السياقين السياسي والإعلامي، وبعيداً عن السياق العقائدي، وفي استكشاف بواعث تسليط الضوء على إساءة هناك، وتجاهل شتيمة هنا، ما يبعث على الدهشة، وخصوصاً عندما يترافق حدثان في الأوان ذاته. ففي الهند، خرج يمينيّ هندوسيّ متشنج، ليتساءل بخبث، عن زواج رسول الله بالسيدة عائشة، وهي في السادسة من عمرها! وفي القدس المحتلة، قبلة المسلمين الأولى، وفي خضم مسيرة ضخمة للمستوطنين، تستهدف الأقصى وتتحدى المسلمين، وعبر بثّ حيّ ومباشر لوسائل إعلام محلية وعالمية، أطلق هؤلاء المستوطنون المحتلون شتائم صارخة بحق رسول الله!

جاء شتم رسول الله في القدس المحتلة، بينما كانت الحملة العالمية، ومركزها الخليج، في أوجها ضد حكومة الهند المتطرفة، ورأسها مودي. وتصاعدت، في السياق ذاته، من دون أن تأخذ معها، على الأقل، الدفاع عن رسول الله في مواجهة شتائم المستوطنين، فما سبب ذلك؟ هل هو اعتياد المسلمين على شتائم اليهود؟ وخصوصاً أنه تم توثيق مثل هذه الشتائم، أربع مرات في الأعوام السبعة الماضية: عام 2015 مرتين، وعام 2019، وهذا العام، وما حدث فيه هو الأكثر خطورة، بسبب ترافقه مع استباحة المسجد الأقصى، عبر مَسيرة صاخبة تابعها العالم برمته. والجامع المشترك بينها هو عدم انطلاق أيّ حملة عالمية للمسلمين ضدها، في مقابل مثيلات كثيرة ضد الرسوم المسيئة في أوروبا عدة مرات.

لماذا تنهض حملات إعلامية مبعثها دينيّ، ضد دناءات هندية أو أوروبية، لكنها تتجمّد إزاء ما هو أنكى، وهو يصدر عمّن وصفهم الله في كتابه العزيز (ولتجدنّ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا)؟ وهم يهود صهاينة يحتلون قبلة المسلمين الأولى، ويمثلون غدة سرطانية في جسد الأمة. وفي الواقع، هم رأس حربة الكفر العالمي في كل داهية تصيب المسلمين، عرباً وعجماً. فهل هذا الصمت الإسلامي طبيعيّ، أم له سياق سياسيّ مريب؟!

قبل الإجابة عن هذا السؤال المؤرّق، تجب الإشارة إلى جوانب ثلاثة في الدناءة الهندية:

أولها، أن الهند تحتلّ الدولة الأولى في العالم في تزويج الأطفال، فزعماؤها أَولى الناس بالصمت تجاه أمر كهذا.

ثانيهما، أن الهند في الأساس كانت تضم بنغلادش وباكستان، وكان المسلمون قبل هذا التشرذم، يشكلون نسبة 40% من مجموع السكان. لكنّ المؤامرة البريطانية، عبر عملائها المحليين، شرذمت المسلمين قبل انسحابها، ضمن باعث دينيّ عاطفي، ظاهره الانتصار للإسلام، وباطنه ما وصلوا إليه من أقلية دينية لا تتجاوز الآن 15%. وعليه، يجب الحذر عند كل تحريك للعاطفة الإسلامية، وخصوصاً عندما تصدر عن جهات مشبوهة، والخليج يتصدرها، باعتباره الأداة الأبرز في كل المؤامرات الأميركية.

ثالثها، أن المعلومة التي بنى عليها هذا الهندوسي إساءته، وإن كانت موجودة بالفعل في بعض كتب المسلمين، إلّا أنه، كدارس للعلوم الإسلامية، يعرف أنها رواية حديثية تنقضها روايات تاريخية متماسكة، أشبعها المؤرخون بحثاً، على نحو يؤكد أن زواج رسول الله بأم المؤمنين عائشة، تمّ وعمرها ثمانية عشر عاماً، ولا يمكن لعاقل أن يتقبل أن يعقد رسول الله على السيدة عائشة وهي تلعب على أرجوحة مع صويحباتها ولم تتجاوز السادسة، ليدخل بها وهي في التاسعة.

إن المتابع لصراعات التاريخ الغابر وصراعات الواقع المعاصر، عبر الربط بينها، يلحظ أن الذهنيّة التي عصفت بوجهة المسلمين وأولوياتهم، كانت وما زالت ذهنيّة قابلة للتطويع عبر خلط الأولويات، وهي هنا أولوية القدس ومن يحتل مقدساتها اليوم، لكنها المهمشة لمصلحة ضياع الوجهة في كثبان جرائم الهند بعيداً عن ضبط إيقاعها لتبقى في حجمها ومسارها وسياقها. وهي، كما كانت سابقاً وما زالت، أولوية الرواية التاريخية العقلانية، لكنها المهمَّشة لمصلحة أخرى دخلت كتب الحديث، وهي في غفلتها تفتح المجال لكل خبيث ليحاول مسّ قَدْر رسول الله في زواجه الطاهر.

روايتان في الماضي، وحدثان في الواقع، وقد تبوّأ عكس مسارهما عقلية استبدادية، تدثرت بالسلفية الدينية، والدين منها براء، سلفية القرون الأولى وقد احتواها الاستبداد السياسي، فنهضت لإشهار رواية الزواج في السادسة. والعيب ليس في الراوي، بالضرورة، على الرغم من خطأ نتاجه هنا، وهو قد روى ما صحّ إليه إسناده وفق طريقة عمله، لكن العيب في ماكينة الرفع والخفض، وهي ماكينة إعلامية أسندت ظهرها، وقت ذاك، إلى الاستبداد السياسي، فرفعت من شأن علم الحديث بخيره وبعض غفلته، وغضّت من شأن علم التاريخ، على الرغم من أنّه العماد للأول، وقد تأسس الأول على علم الجرح والتعديل في الإسناد، وهو علم تاريخ محض.

السلفية المعاصرة القابلة للتطويع عبر النافذة السعودية والقطرية، هي من يتولى غالباً، تقديم الأولويات، عبر الفتوى الدينية والماكينة الإعلامية، وهي منسجمة في تأصيلات السلفية الدينية. والمتابع لوجهتهما يعرف مبعث ما نحن فيه من تيه، يَجْمد عند شتم المستوطنين لرسول الله، ويتحرك في موطن هامشيّ آخر، كما جَمّد العقل والربط التاريخي في الروايات لاستخلاص الرواية الصحيحة في حقيقة عمر السيدة عائشة عند زواج رسول الله بها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى