مقالات

كيف يتهيأ التحالف الإقليمي ضد إيران لاستقبال بايدن؟

هدى رزق

تتهم الأقلام التركية إيران باللعب على تناقضات الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية في الإقليم، بعد نجاحها في أكثر من مكان في تسجيل اختراقات في هذه المجالات، من لبنان إلى العراق واليمن. ترى تركيا أن التوغّل الإيراني سهّل مهمة موسكو في بسط نفوذها في سوريا، ولا غرابة أيضاً في أن نسمع ونقرأ أن طهران، وليس موسكو، هي الطرف الذي يقود الوساطة بين دمشق ومجموعات “قسد” لتوحيد الصفوف في مواجهة تركيا، بعد اعتراض طهران على إعلان تركيا عمليتها في شمالي سوريا ونيتها إقامة منطقة عازلة في الشمال تقارب ثلاثين كلم.

تتهم أنقرة إيران بدعم الاعتراض العراقي على التوغل التركي في شمالي البلاد، ودفع معارضة الحشد الشعبي ضد استباحة الجيش التركي للأراضي العراقية. كما تتهمها بدعم مجموعات حزب العمال الكردستاني وتمويل مسلّحي حزب العمال في سنجار وتدريبهم وتجهيزهم في اتجاه الهيمنة على منطقة تقاطع الحدود العراقية السورية، وهو الموقع الاستراتيجي الذي تريده  طهران تحت رعايتها، الأمر الذي يسبّب قلقاً مزدوجاً لتركيا وللقيادات الكردية في أربيل.

يحاول المقرّبون من “العدالة والتنمية” دعم تحركات ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، وزياراته دولاً عربية وإقليمية، قبل قدوم بايدن إلى المنطقة، عبر سلسلة هجمات إعلامية على إيران. حدث ذلك قبل وصول محمد بن سلمان إلى تركيا قادماً من القاهرة وعمّان بعد الاتصالات الخليجية الخليجية المكثفة، واعتبروا أن الاصطفاف الإقليمي القائم هو بسبب تهديد  إيران لأمن دول الإقليم وتركيا ومصالحها. تعدّ هذه الدول الإقليمية أن مناقشة إيران بشأن صواريخها الباليستية، التي تطال أمن السعودية، لم تناقَش بحسب الشروط الإقليمية، بل تم الاكتفاء بغض الطرف عن نفوذها، الأمر الذي يزيدها قوة. واتهم الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إيران بالسعي لتقسيم العراق وسوريا، بينما قام وزير خارجيته، مولود جاويش أوغلو، خلال مؤتمر ميونيخ الأمني، باتّهام إيران بنشر التشيُّع في سوريا والعراق. كلّ هذه الحجج التركية تمثّل ذريعة التطبيع مع الإسرائيلي، والتنسيق الاستخباري الذي يتزايد في وجه إيران.

الهدف الاساسي لهذه الدول مجتمعة هو إضعاف التأثير الإيراني، بحجة تهديد مصالح دول المنطقة وأمنها. وهناك رهان على ضرورة اتخاذ بايدن موقفاً يدعم هذه الدول. هذا هو الهدف، الذي يسعى إليه ولي العهد السعودي، من خلال جولته في المنطقة، وفي تركيا الرازحة تحت الأزمة الاقتصادية، والمهدَّدة مؤسسات الدولة فيها بالإفلاس بسبب سياسات إردوغان وتوسُّع مشاريعه العسكرية، وبسبب آثار جائحة كورونا. لذلك، يتصرف إردوغان كـ”تاجر البندقية” في السياسة ليكسب في الاقتصاد. فهل حال بايدن، القادم إلى المنطقة حاملاً هموم أميركا الاقتصادية، أفضلُ من حاله؟

سعى الطرفان، السعودي والتركي، لتطبيع العلاقات بينهما. تريد المملكة التعاون مع تركيا في المجال الدفاعي، ومواجهة هجمات “أنصار الله” في اليمن والانتصار في معركتها. أمّا تركيا فتسعى لدعم اقتصادها بالتعاون مع المملكة، وتوسيع مجالات التبادل التجاري. وكانت تركيا أسقطت التحقيق والمحاكمة في قضية الصحافي خاشقجي بصورة تامة، وحوّلتها إلى المملكة لاستكمالها.

عادت  العلاقات بين أنقرة والرياض إلى المستوى نفسه الذي كانت عليه قبل أزمة خاشقجي. تناولت المحادثات، خلال زيارة ابن سلمان، تدشين خط تبادل مالي مباشر بين البلدين، الأمر الذي يعني دعم الليرة التركية بصورة كبيرة في مواجهة الدولار الأميركي. كما تم توقيع عدة اتفاقات بين البلدين، في مجالات الطاقة والاقتصاد والتعاون الأمني والاستثمار في صندوق الثروة السيادية التركية، الأمر الذي يمكن أن يساعد إردوغان على تعزيز فرصته في الفوز في الانتخابات الرئاسية عام 2023.

كما تناولت الاتفاقيات تطوير تركيا وتسويقها الناجح للطائرات من دون طيار، والتي ساعدت أذربيجان على هزيمة القوات البرية الأرمينية، وتمّ إثبات قيمتها في أوكرانيا وفي ليبيا، وستحتاج إليها السعودية بعد أن تعرَّضت منشآتها النفطية للقصف بطائرات مسيّرة يمنية.

بدأت تركيا تغيير سياستها الخارجية مطلع عام 2021. أعادت تطبيع علاقاتها بدول وكيانات كانت تكنّ العداء لها، مثل الإمارات و”إسرائيل”، ومؤخراً السعودية. التغير في السياسة الخارجية يرتبط جزءٌ كبير منه بالأزمة الاقتصادية التي تعيشها، ولاسيما مع قرب موعد الانتخابات الرئاسية المقرَّرة في حزيران/يونيو 2023. السعودية، من جهتها، تريد إقامة جبهة سنية، تشمل تركيا، في مواجهة نفوذ إيران في المنطقة. إردوغان تصرف كبائع مواقف غبّ الطلب، فلديه هدف وحيد هو الفوز في الانتخابات المقبلة، عبر استقطاب استثمارات خليجية. فهل سيسمح هذا التقارب بحلّ المشاكل الاقتصادية الرئيسة في تركيا، أم أنه مستبعَد؟

تأتي زيارة بايدن للمنطقة في ظل هذا الحشد العربي التركي الإسرائيلي، وفي ظل الحرب الروسية الأوكرانية، وأزمة التضخم والتراجع الاقتصاديَّين في أميركا. يأتي الرجل من أجل حل أزمة ابتعاد حلفاء أميركا عنها، واقتراب موقفها من عدوّه الروسي، كون الحياد يمثّل موقفاً يصب في مصلحة موسكو. لكن في جعبته ورقة إيران التي يريدها منه هذا التحالف الجديد، وتتمثّل بإضعاف تأثير طهران عبر المفاوضات النووية، والتشدد معها في إنتاجها للصواريخ الباليستية.

تتردّد أصداء هذه الاجتماعات في طهران وموسكو، اللتين تعقدان اجتماعات ثنائية، ولا تراهن موسكو على ثبات مواقف السعودية، وإنما على فراغ جعبة بايدن، الذي لم يعد يملك سوى دعم الحروب بالوكالة، لكن إلى متى؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى