مقالات

حين يصبح رئيس لبنان.. “قرفان”

ريما فرح

الطفلة ياسمين المصري (ماتت على أبواب أحد المستشفيات في لبنان قبل أيام) هي الضحية الأخيرة، لكنها لن تكون آخر الضحايا، بسبب انعدام قدرة أهلها على دفع المتوجب، وانعدام سبل العلاج في ثلاثة مستشفيات رفضت استقبالها، قبل أن تلفظ آخر أنفاسها عند أعتاب رابعها.

قد يكون لأيّ وقت ضحية جديدة، ما دام القطاع الصحي مستمرّاً في طريق الانهيار، شأنه شأن سائر القطاعات في لبنان.

فالمتابعون يؤكدون: “أن وضعاً كوضع لبنان، سائر حتماً نحو الكارثة بسرعة فائقة”.

في الوقائع، يمرّ لبنان، منذ بداية عام 2020، في أزمة شديدة الصعوبة. فاقتصاده وقطاعه المالي يشهدان انهياراً لا مثيل له، أول ما ظهر بوضوح كان مع إعلان الدولة تعليقَ سداد ديونها في آذار/مارس 2020، وانطلاق “مشوار” تدهور قيمة العملة الوطنية، بالإضافة الى الانكماش الاقتصادي، وارتفاع مؤشر أسعار الاستهلاك بنسبة جنونية. أضف إلى كل ذلك تبعات جائحة كورونا، علاوة على انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2020، والذي أدى إلى سقوط ما يزيد على 200 ضحية و6 آلاف جريح، وتشريد 300 ألف شخص من منازلهم.

هذه الأزمة المركَّبة والمتعددة الجوانب دمّرت أرزاق آلاف الأشخاص، الذين لا يزالون يعانون انقطاع الكهرباء، وتدهور الظروف الاجتماعية والإدارة الضعيفة للمالية العامة، وانعكاسها على سائر نواحي الحياة، ولاسيما الغذائية والصحية. ونتيجة لذلك، طال الفقر أكثر من 80% من سكان لبنان.

وأوردت دراسات متطابقة أن العدد الإجمالي للفقراء اللبنانيين تحت خط الفقر الأدنى يصل إلى نحو 1.5 مليون. أمّا مَن هم تحت خط الفقر الأعلى، فيصلون إلى نحو 3 ملايين… مع عدم إغفال أن مؤشر عدد اللاجئين بالنسبة إلى عدد المواطنين في لبنان هو الأعلى عالمياً.

فمع حلول نهاية عام 2020، كان يُتوَقَّع ازدياد الفقر بمقدار 56 نقطة بين اللاجئين السوريين، بالنسبة إلى خط الفقر الدولي، و42 نقطة بالنسبة إلى خط الفقر الوطني، مع عدم قدرة نُظُم المساعدة على تخفيف حدة هذا الارتفاع بما يفوق 3 نقاط؛ أي ما يعادل 8% وفق أرقام البنك الدولي ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (عام 2020).

وكأن ما هو عليه لبنان لا يكفيه، لتمدّه الحرب في أوكرانيا بجرعات من الأزمات الخانقة، على مستوى الوقود والغذاء وسواهما، ولتضع هذا البلد الصغير في قعر الجحيم، مع تفلّت الأسعار بصورة جنونية. حتى الماء في لبنان يكاد ينعدم، لينعدم معه كل شيء حيّ، بسبب أزمة المحروقات، وعدم القدرة على تأمينها من أجل تشغيل محطات الضخ.

فبلد تجنّ أسعار محروقاته، وتنعدم كهرباؤه، وتجفّ مياهه، وينقطع دواؤه، ويهاجر أطباؤه وممرضوه، وينقطع خبزه، وتتفلّت أسعار موادّه الغذائية، وتنهار عملته، وتشرع إداراته في إضراب مفتوح، قد لا ينتهي على خير العمل، وينحرم أطفاله من الحليب واللقاح، وتقفل مستشفياته في وجوه مرضاه، وتعجز هيئاته الضامنة عن صرف تعويضات نهاية الخدمة وتغطية تكاليف الاستشفاء، وتُسرَق ودائع مودعي مصارفه، ويتدنى مستوى تعليمه، ويهاجر 70% من خرّيجيه الجامعيين، وينام أكثر من نصف سكانه جائعين، وتدفن أغلبية سكانه موتاها من دون مراسم عزاء، سوى عبر الهاتف، وشبكة اتصالاته الهاتفية مترهّلة، وخدماتها في أسوأ حال، والحُفَر تتركّز عميقاً في شوارعه، ووسائل نقله آليات موت متحركة بسبب عدم القدرة على صيانتها، وتكلفة الانتقال من العمل، إن وُجد، وإليه، تفوق ثلاثة أضعاف قيمة الراتب، والحد الأدنى للأجور فيه يساوي أقلَّ من ثمن تنكة بنزين واحدة، وليل شوارعه معتم قاتم، وثروته البحرية تتبدّد جرّاء أساليب “الوَلْدَنة” في لعبة التفاوض، ودخله الوطني يتطلّع حصراً إلى أشهر الصيف الثلاثة، معوّلاً على حملة “أهلاً بها الطلة” تستقبلك عند المطار بالأحرف اللاتينية، لا يفهمها أي سائح لا يفقه لغة الضاد… واستحقاقاته الدستورية مسلّم سلفاً بأنها ذاهبة نحو الفراغ، وقضاؤه مسيّس… هي المأساة الملهاة عينها.

فليكن القطاع الصحي وحده دالّة على توضُّح الصورة. وزارة الصحة لا تفي باحتياجات الطبابة والعلاج. أدوية السرطان والأمراض المستعصية مفقودة. الدعم رُفع عن كلّ الأدوية المزمنة، وأغلبيتها مفقودة من الصيدليات. 40–50% من الأطقم الطبية والتمريضية غادر البلاد للالتحاق بمستشفيات في الخارج. الضمان الاجتماعي والصحي تقتصر تغطيته العلاجية على 10% من قيمة الفاتورة الاستشفائية، وتعاونية موظفي الدولة تقتصر تغطيتها على 20%، وجميعها وفق احتساب الدولار على ما كان قبل أعوام ثلاثة، أي 1500 ليرة لبنانية. أمّا شركات التأمين فلا تقبل سداد بوالص التأمين إلّا بالدولار الأميركي الـ”فريش”، والأخير يهرب بعيداً عن متناول أغلبية الناس.

80% من المتقدمين في السن وسواهم لم يعد في مقدورهم دخول المستشفيات، والعمليات الجراحية تقتصر على ما هو متعارَف عليه طبياً بالعمليات الساخنة، وليست الباردة. كل شيء مُفرح مؤجَّل في بلدنا إلّا اليأس… وتجد بعدُ مَن يسهر ويرقص فرحاً وطرباً. إنهم مجموعة المتميّزين ممن تبقّى لهم بعض من ثروة، أو من طبقة تجار الأزمة الجشعين، أو من بعض المصطافين والمغتربين، وليس جميعهم… من دون أن ننسى أن 50% من مؤسسات القطاع السياحي أقفلت نهائياً، أمّا سائر الناس فيرقصون مذبوحين من الألم.

في مقابلة له قبل أيام، قال رئيس البلاد: “أنا قرفان، ولست ضعيفاً”، مختصراً كل شيء. فماذا عسى المواطن العادي أن يقول؟ فهل يصل اليوم الذي نعجز فيه حتى عن الكلام؟

ملاحظة: كل المؤشرات والنِّسَب التي وردت مأخوذة من مؤسسات دولية ومحلية متخصصة، وسوف يتم إعلانها عبر هذه المؤسسات خلال الأسابيع القليلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى