مقالات

العلمانية وخرافة فصل الدين عن السياسة

وليد القططي

مفهوم العلمانية من أكثر المفاهيم الإشكالية المُثيرة للجدل والخلاف. ورغم ذلك، هناك اتفاق على أنَّ جوهرها هو مبدأ فصل الدين عن السياسة، بمعنى أن لا تتدخل المؤسسة أو السلطة الدينية في السياسة، ولا تتدخل المؤسسة أو السلطة السياسية في الدين.

ظهرت العلمانية كمشروع وحركة فكرية وسياسية في أوروبا مع بداية عصر النهضة الأوروبية، نتيجة أزمة بنيوية في العلاقة بين الكنيسة والدولة، أحدثها طغيان الكنيسة وتحالفها مع الملكية والإقطاع، واستبداد رجال الدين وانحرافهم المالي والأخلاقي، وجمود الكنيسة الديني والفكري، وما تبع ذلك من حركة إصلاح ديني بظهور المذهب البروتستانتي، وقيام الثورة الفرنسية الرافضة لهيمنة الاستبداد الديني والسياسي، وقيام الثورة العلمية المرتكزة على الحسّ والتجربة بدلاً من المعرفة الدينية المعتمدة على الإيمان الكنسي، فتقدم العلم على الدين، والحرية على الاستبداد، والدينا على الآخرة، والمادية على الروحية، ما رسّخ مبادئ العلمانية، وفي جوهرها الفصل بين الدين والسياسية.

مبدأ فصل الدين عن السياسة في أوروبا ساهم في تحريرها من القيود التي فرضها الدين المسيحي الكنسي على العلم والحرية والإبداع، وساهم أيضاً في التخلّص من التخلّف العلمي، وفي تعزيز الحرية السياسية، وعجّل في تحقيق التقدم العلمي، والحراك والتوسع التجاري، والكشوفات الجغرافية، والحركة الاستعمارية.

ورغم مبدأ فصل الدين عن السياسة، كان الدين حاضراً في حركة الاستعمار الأوروبي خارج القارة البيضاء، فكان التبشير الديني المسيحي سابقاً وممهداً للاستعمار أو لاحقاً ومثبتاً له أو مُرافقاً ومساعداً له.

في كل الأحوال، استحضر الاستعمار الدين في غزواته العسكرية، كما ظهر على لسان قادته العسكريين، ومنه ما قاله الجنرال البريطاني ألنبي يوم سقوط القدس: “الآن انتهت الحروب الصليبية”، وما قاله الجنرال الفرنسي غورو يوم سقوط دمشق: “ها قد عُدنا يا صلاح الدين”.

ارتباط الدين بالحركة الاستعمارية الأوروبية، رغم علمانية أوروبا التي تفصل الدين عن السياسة، كان واضحاً في حركة الكشوف الجغرافية واستيطان ما يُسمى أوروبياً زوراً “العالم الجديد” في الأميركيتين وأستراليا، والاستيطان الأوروبي لأميركا الشمالية مثال واضح على ذلك، فقد آمن المهاجرون الأوروبيون بأنّهم “شعب الله المختار”، مُشبعين بالروح الدينية التوراتية والإنجيلية العنصرية، وأنَّ الأرض الجديدة (أميركا) هي أرض الميعاد (كنعان الجديدة)، وأنّهم ركبوا المحيط وبحثوا عن الخلاص في أرضٍ جديدة، تماماً كما خرج بنو إسرائيل من مصر إلى فلسطين لإقامة “مملكة إسرائيل المُقدّسة”، وسمّوا مستوطناتهم الأولى أسماء عبرية، واعتقدوا أنَّ لهم رسالة دينية مسيحية اختلطت بالعقيدة العنصرية العرقية القائمة على فكرة “الجنس الأبيض المتفوّق”، والعقيدة العنصرية الدينية القائمة على فكرة “شعب الله المختار”.

الارتباط بين الدين والسياسة في علمانية أوروبا ظهر بشكل أكثر وضوحاً في دورهم المركزي في إقامة “مملكة إسرائيل” الحقيقية في فلسطين، بعد أنْ نشأت في أميركا تقليداً. وكان لظهور المسيحية الصهيونية المنبثقة من المذهب البروتستانتي دور بارز في ذلك، كجزء من عقيدة الخلاص المسيحية، القائمة على الإيمان بعودة اليهود (شعب الله المختار) إلى فلسطين (أرض الميعاد)، وإقامة “مملكة إسرائيل” الجديدة التي ستهدم المسجد الأقصى وتقيم هيكل سليمان الثالث مكانه.

وقد ترجمَت عقيدةَ المسيحية الصهيونية في السياسة الأوروبية قراراتٌ وأعمالٌ عديدة، أهمها: وعد بلفور، وصك الانتداب، وقرار التقسيم، وتسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتسليح العصابات الصهيونية، والاعتراف بـ”دولة إسرائيل”، ودعمها بالمال والسلاح والرجال منذ قيامها وحتى الآن.

وما زال الدين حاضراً في القرار السياسي الأوروبي، رغم دساتير دولها العلمانية. إن فرنسا، كنموذجٍ للعلمانية المتطرفة، تُقدّس الحرية الشخصية، بما فيها حرية التدين نظرياً، ولكنها عملياً تُقيد حرية التدين الإسلامي، فتحظر ارتداء الحجاب في مؤسساتها الرسمية، وتتيح أمام المرأة حرية التعرّي والإباحية، وما زالت توظف الكنيسة الكاثوليكية المرتبطة بها لخدمة أهدافها الاستعمارية في البلاد التي كانت تحتلها، وألمانيا نموذج آخر لارتباط الدين بالسياسة، من خلال الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني الحاكم الذي دمج بين القيم المسيحية والليبرالية في السياستين الداخلية والخارجية.

وقد ظهر البُعد الديني في أحزاب سياسية أوروبية أُخرى تبنّت القيم المسيحية الكاثوليكية والبروتستانتية اسماً ومضموناً، وعودة الدين إلى الحياة السياسية الأميركية من خلال الكنائس البروتستانتية الإنجيلية كان دليلاً واضحاً على ذلك، وخصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وكتلته الشيوعية، وظهور نظريتي نهاية التاريخ وصراع الحضارات، وهيمنة فكرة العولمة الأميركية المشبعة بالروح الاستعمارية الاقتصادية والدينية.

فصل الدين عن السياسة في الغرب بشكل قطعي هو مجرد خرافة لا أصل لها في الممارسة السياسية الغربية، فالدين ما زال حاضراً، رغم مبدأ فصل الدين عن السياسة العلماني، كما كان حاضراً في الحركة الاستعمارية الاستيطانية الأوروبية فيما يُسمى “العالم الجديد”، وهو أكثر حضوراً في المشروع الاستعماري الغربي ضد الأمة العربية والإسلامية، وبالتحديد في مركز المشروع، وهو إنشاء “دولة إسرائيل”، وما زال أحد محددات السياسة الغربية على جانبي الأطلسي تجاه الآخر غير الأبيض وغير المسيحي.

وإذا كان الدين حاضراً ومؤثراً في السياسة لدى الغرب، موطن العلمانية، فلا مُبرر ولا معنى لاستمرار تمسكنا، نحن العرب والمسلمين، بمبدأ فصل الدين عن السياسة، إلا إذا كان الدين الذي نريد إبعاده عن السياسة هو الإسلام الآخر بوجهيه المزورين؛ الإسلام الأميركي المُهادن للاستبداد والفساد والمُتحالف مع الاستعمار الصهيو-أميركي، والإسلام الصحراوي بنسخته التكفيرية المتوحشة وطبيعته الإقصائية الدموية.

والدين المُرتبط بالسّياسة الذي يجب التمسك به هو الإسلام الثوري المقاوم الذي كان وما زال أساس وجود الأمة الإسلامية ووحدتها ونهضتها؛ الإسلام الذي يُفجّر طاقات الأمة ويدفعها إلى التفكير والعمل والتحدي والإنتاج والإبداع، الإسلام الذي يدفع الناس إلى التمرد والثورة على الظلم بكلّ صوره، ممثلاً بالاحتلال والاستبداد والاستغلال والفساد والانحراف والتطرف… فلا وجود لإسلام منفصل عن السياسة إلا في أوهام من يريد إبعاد الإسلام عن حركة الحياة وتيار الحضارة ومسار التاريخ، ومن يريد إطفاء جذوة المقاومة وشعلة الثورة ولهيب الكفاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى