مقالات

كولومبيا التي قتلت بوليفار.. هل يغيّر بيترو وجه التاريخ؟

محمد فرج

عام 1819، كان سيمون بوليفار ورفاقه على موعد مع إنجاز المشروع الوحدوي الأول في مواجهة الاستعمار الإسباني للقارة اللاتينية، وكانت كولومبيا الكبرى “غراند كولومبيا” النواة الأولى لذلك المشروع، إذ ضمّت كولومبيا بحدودها التي نعرفها اليوم وفنزويلا والإكوادور وبنما والأجزاء الشمالية من البيرو والبرازيل.

لم يكن بوليفار يتحدى قسوة الفيضانات وعبور الجبال التي لم يتوقع الإسبان عبوره ورفاقه منها فحسب، إنما تحدّى نفسه أيضاً في اختبار الفرضيات السياسية ونظريات الحكم السليمة لإنجاح مشروع الوحدة والتحرير.

إحدى تلك الفرضيات كانت الاعتماد على اللامركزية في الإدارة، وتسليم كل “دولة” (بالمعنى الذي نعرفه اليوم) لقائد من رفاقه، ليكون رئيسها. كان من الطبيعي، بناءً على ذلك، أن تكون كولومبيا تحت إدارة رفيقه فرانثيسكو سانتانديرا.

بعد تأسيس “غراند كولومبيا”، استكمل بوليفار مشوار التحرير باتجاه البيرو، ولم يكن في باله أن أركان المشروع التحريري يمكن أن يتململوا في غيابه في الأماكن التي تشكّلت فيها سلطة سياسية جديدة ومشروع اعتقد أنه محصّن.

وفيما يرى بعض المؤرخين أنَّ خلافاً دبّ بين بوليفار ورفيقه سانتانديرا، يعتقد آخرون أنَّ بوليفار المشغول بتحرير القارة اللاتينية بكاملها وتوحيدها مع “غراند كولومبيا” تلقى طعنة في الظهر من صديقه في بوغوتا، إذ لم تقدم كولومبيا الغنية الدّعم المتفق عليه للقوات التي تابعت المسير لإخراج الإسبان من بقية أراضي أميركا اللاتينية، والجيش الذي بقي في بوغوتا دخل في لعبة الفساد وتهدئة العلاقة مع الإسبان أو تحول أفراده من الصف الثاني والثالث إلى متسولين، في ظلِّ التنازع على السلطة والثروة.

كان الوقت متأخّراً ليعود بوليفار عن نظريته السياسية الأولى، ويحاول تنصيب نفسه، بدعم من كثيرين، قائداً عاماً، ويكون رفاقه بمرتبة محافظ أو مسؤول ولاية. لقد كان وهج السلطة في بوغوتا أقوى من الاستمرار في فكرة بوليفار بالنسبة إلى سانتانديرا.

يعتبر الكولومبيون سانتانديرا بطلهم الخاص، ولا يمكن إنكار بطولة الرجل في مرافقته بوليفار في رحلته، ولكن الكثير من الكولومبيين يعتبرونه بطلاً لسبب آخر، هو الانكفاء عن الاستمرار في تحرير بقية أميركا اللاتينية، والاكتفاء بما تم تحقيقه في بوغوتا، والإحجام عن إنفاق المال والتضحية بالجنود في سبيل تحقيق مهمة اعتبرها كثيرون خارج الحدود (في البيرو مثلاً).

كولومبيا الَّتي تركت ظهر بوليفار مكشوفاً، هدمت حلمه في “غراند كولومبيا” نفسها، فذابت وانتهت بعد عام واحد على رحيل بوليفار. منذ عام 1830، لم يتغيّر وجه كولومبيا، ولم يصل إلى السلطة فيها رئيس مناوئ لسياسة الاستعمار التي تحيط بها. وبعد أن انتهى عصر الإسبان، جاء عهد الكاوبوي من الشمال القريب.

بعد ما يقارب 170 عاماً على تلك اللحظة، وصل هوغو تشافيز إلى السلطة في فنزويلا، وحاول إحياء الإرث البوليفاري، ولو بما يتلاءم مع ظروف عصره، ومع ظروف الحدود المكرّسة بين الدول اللاتينية في حقبة “ما بعد الاستعمار”.

في تلك الأثناء، كانت كولومبيا قد تشبّعت لعقود بحكم اليمين، ولم يكن قد تبقى ليسارها إلا السلاح والجبال، والدخول في مواجهة مفتوحة مع تحالف المخابرات الأميركية وتجّار المخدرات في كولومبيا (تُصوّر وسائل الإعلام الأميركية أنها تحارب تجار المخدرات والفارك بوصفهم شيئاً واحداً، وتتجاهل الحقيقة التاريخية بأنَّ مجموعات الفارك هي التي بدأت القتال ضد مافيات المخدرات المتحالفة مع الولايات المتحدة، ولكن احتكار الولايات المتحدة صناعة الكوكايين في الجبال أذكى خلافاتها مع فئات من هؤلاء التجار، ما أدى بطبيعة الحال إلى خلق تحالفات جديدة).

تخرّج غوستافو بيترو من إحدى هذه المنظّمات التي حملت السلاح وتدربت على حرب الغوار (M19). لذلك، يمثل الرجل شخصية مركّبة للغاية، جمعت بين تجربة حرب العصابات ونيل دكتوراه في إدارة الأعمال، وجمعت بين الحماسة لخطابات تشافيز وكاسترو، ولكنَّ التركيز في الخطاب على قضايا البيئة ومواجهة العنصرية (على أهميتها طبعاً) أكثر من الحديث عن المواجهة الشاملة. يلتقي بيترو مع إيفو موراليس، ولكننا لا نعرف بعد إذا كان يمتلك الحماسة نفسها لفكرة التأميم ومواجهة الدولرة التي أعلنها موراليس في بوليفيا.

ليس من السهل أن نحكم على القادم في كولومبيا. كل ما نعرفه إلى اللحظة أنّ وصول سياسي يساري أعلن سابقاً أنه سيعيد العلاقة مع نيكولاس مادورو في حال فوزه هو حدث ضخم ومزلزل.

إذا كانت فنزويلا وتشيلي والأرجنتين والبرازيل قد تناوبت وتأرجحت بين اليمين واليسار، فإنَّ كولومبيا لم تحظَ بهذه الفرصة. لذلك، إنَّ إرث اليمين ثقيل فيها. وفي اليوم الأول الذي سيحاول الرئيس الجديد فيه ترتيب ملفاته، سيجد على طاولته ملفات شركة “مونيمورس”، وهي شركة البتروكيماويات التي ساهم النظام الكولومبي في مساعدة خوان غوايدو على سرقتها، وتعيين مديرين جدد لها، فهل تعود؟ عندما اصطدم الوجود العسكري الأميركي برفض رافاييل كوريا في الإكوادور، كانت كولومبيا الخيار الملائم لتكثيف هذا الوجود، فهل ينحسر؟ وفي إطار المحاولات الهادفة إلى إسقاط الحكومة البوليفارية، عيّنت كولومبيا سابقاً سفيراً لغوايدو في بوغوتا، فهل يغادر؟

في كلّ الأحوال، لأنَّ إرث اليمين ثقيل إلى هذا الحدّ في كولومبيا، يجب أن تبدأ رحلة غوستافو بيترو بمستوى أقل من الإلحاح والعتب المبكر، وبمنسوب أعلى من الهدوء، لعلّ الرحلة المزلزلة تبدأ كمشي الحمام!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى