تقارير

البرلمان الكاتالوني: أول مؤسسة أوروبية تعترف بارتكاب إسرائيل جرائم فصل عنصري

الإباء / متابعة

في وقت تتطلّع الدول الأوروبية الى أفضل العلاقات مع الكيان المؤقت طمعاً بالغاز الذي يريد الاحتلال بدأ تصديره إليها بموجب اتفاقية وقّعت الأسبوع الماضي في القاهرة، أصدر البرلمان الكتالوني، قرارا يعترف بارتكاب الكيان المؤقت “جرائم فصل عنصري” ضد الشعب الفلسطيني.

ليكون أول مؤسسة أوروبية تتخذ مثل هذا القرار (الصادر بتاريخ 16/6/2022) الذي دعا الحكومتين الكاتالونية والإسبانية إلى عدم تقديم “مساعدة لإسرائيل واستخدام الأدوات السياسية والدبلوماسية لإجبار السلطات الإسرائيلية على تنفيذ التوصيات الصادرة عن منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش“.

قانون الفصل العنصري

بموجب الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها ونظام روما الأساسي (المادة 2/7/حاء) والقانون الدولي العُرفي، فإن الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الفصل العنصري تقع عندما يُرتكب أي عمل لاإنساني أو وحشي (وبخاصة أي انتهاك جسيم لحقوق الإنسان) في سياق نظام مُمأسس من القمع والهيمنة بصورة ممنهجة من جانب فئة عرقية معيّنة على فئة عرقية أخرى، بقصد إدامة هذا النظام.

وقد استُخدم مصطلح “الأبارتايد” في الأصل للإشارة إلى نظام سياسي في جنوب أفريقيا تمثل في فرض التفرقة العرقية والهيمنة والقمع بوضوح من جانب فئة عرقية على فئة أخرى. ومنذ ذلك الحين، اعتمد المجتمع الدولي هذا المصطلح لإدانة وتجريم مثل هذه الأنظمة والممارسات أينما تقع في العالم. وعليه، فإن الأبارتايد هو نظام الفصل العنصري الذي حكمت من خلاله الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا من عام 1948 وحتى تم إلغاء النظام بين الأعوام 1990 – 1993 وأعقب ذلك انتخابات ديموقراطية عام 1994. هدف نظام الأبارتايد إلى خلق إطار قانوني يحافظ على الهيمنة الاقتصادية والسياسية للأقلية ذات الأصول الأوروبية.

قامت قوانين الأبارتايد بتقسيم الأفراد إلى مجموعات عرقية – كانت أهمها السود، البيض، “الملونون”، والآسيوين (المكونة من هنود وباكستانيين – تم الفصل بينهم. بحسب قوانين الأبارتهايد اعتبر أفراد الأغلبية السوداء مواطنو بانتوستانات (أوطان) ذات سيادة اسمية لكنها كانت في الواقع أشبه بمحميات الهنود الحمر في الولايات المتحدة الأمريكية. عمليا، منع هذا الإجراء الأفراد غير البيض – حتى لو أقام في جنوب أفريقيا البيضاء – من أن يكون له حق اقتراع إذ تم حصر تلك الحقوق في “أوطانهم” البعيدة. تم فصل أجهزة التعليم، الصحة، والخدمات المختلفة، وكانت الأجهزة المخصصة للسود أسوأ وضعا بشكل عام.

يرتكز نظام الأبارتايد على الأسس الآتية:

1. نشاط استيطاني ضمن مشروع كولونيالي انفصل عن الدولة أو الدول الاستعمارية الأم.

2. تشكل جماعة قومية من خلال هذا الاستيطان تؤكد على تميزها “العرقي الأرقى” عن السكان الأصليين، بحيث تعبر الدولة عن سعي هذه الجماعة إلى الحرية والاستقلال، رغم أنها تشكل أقلية ضمن سكان هذه الدولة.

3. نظام حقوقي من الفصل العنصري يبقي “العرق الأدنى” في نطاق الدولة، ولكنه يحرمه من حرية التنقل، ومن حق الاقتراع، فأبناء العرق الأدنى السكان الأصليون هم نظريا مواطنون ولكنهم في الواقع رعايا الدولة خاضعون لها، والدولة ليست تعبيرا عن تطلعاتهم، ثقافتهم، بل هي أداة لسيطرة “العرق الأرقى” عليهم.

4. سيطرة نخب “العرق الأرقى” على مقدرات البلاد الاقتصادية وثرواتها، بما في ذلك الأرض، أثمن الثروات إطلاقا.

5. ثقافة سياسية ودينية منتشرة ترتكز على نظريات عرقية تتبناها الدولة والكنيسة، وتشكل تبريرا نظريا وأخلاقيا لنظام الفصل العنصري.

_ منذ الستينات، أخذت الاعتراضات الدولية على نظام الأبارتايد بالازدياد، مما أدى إلى نبذ دولة جنوب أفريقيا ومقاطعتها من قبل غالبية الدول. كل هذا بالإضافة إلى معارضة داخلية سلمية من جانب منظمات عارضت الأبارتايد أدت إلى انهيار النظام بعد أربعة عقود.

_ يُعتبر الفصل العنصري انتهاكاً للقانون الدولي العام، وانتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان التي تحظى بالحماية الدولية، وجريمةً ضد الإنسانية بموجب القانون الجنائي الدولي.

_ قواعد القانون الدولي التي تحظر الفصل العنصري هي قواعد آمرة، وواجب كل دولة عدم ممارسة الفصل العنصري هو التزام عليها حيال المجتمع الدولي. ولجميع الدول مصلحة في ضمان احترام هذه القواعد لأن في مخالفتها انتهاكاً لمبادئ حقوق الإنسان التي يكرسها ميثاق الأمم المتحدة، وتهديدا للسلم والأمن الدوليين. وإزاء انتهاك هذه القواعد، يصبح لزاما على الدول كافة أن تتعاون دفاعاً عنها؛ وأن تمتنع عن الاعتراف بالوضع غير القانوني الناشئ عن انتهاك هذه القواعد؛ وأن تمتنع عن تقديم المعونة أو المساعدة إلى الدولة المنتهكة.

_ يمكن فهم الفصل العنصري باعتباره نظام معاملة قاسية تتسم بتمييز بشكل منهجي ومطوّل من جانب فئة عرقية ما تجاه أفراد فئة عرقية أخرى، بقصد الهيمنة على الفئة العرقية الأخرى.

نظام الفصل العنصري الإسرائيلي ضد الفلسطينيين

لطالما تجاهل المجتمع الدولي حقوق الإنسان عند التعامل مع ما يعيشه الفلسطينيون من معاناة ومشقة على مدى عقود. وقد ظل الفلسطينيون الذين يواجهون وحشية القمع الإسرائيلي يطالبون، على مدى أكثر من عقدين، يطالبون بتعريف الحكم الإسرائيلي كنظام فصل عنصري. وعلى مر السنين، بدأ يتشكل اعتراف عالمي أوسع بأنّ معاملة إسرائيل للفلسطينيين ما هي إلا نظام فصل عنصري. إلا إن الحكومات التي تتحمل مسؤولية ولديها من القوة والنفوذ ما يتيح لها التحرك بشكل ما، رفضت اتخاذ أي إجراءات مجدية لمحاسبة الكيان، واختارت بدلاً من ذلك أن تتستر وراء عملية سلام متداعية على حساب مبادئ حقوق الإنسان والمساءلة

كما عملت الأسكوا على اعتبار الممارسات المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني أنها لا تدخل تحت مسمى نظام فصل عنصري شامل، حيث هناك تجزئة في القوانين الإسرائيلية المعتمدة بحق الفلسطينيينوتطالب منظمة العفو الدولية الكيان بإنهاء هذه الجريمة الدولية المتمثلة في الفصل العنصري، عن طريق تفكيك إجراءات الشّرذمة والعزل والتمييز والحرمان التي تُمارَس في الوقت الحالي ضد الفلسطينيين.

من أهم مظاهر الفصل العنصري التي توردها منظمة العفو الدولية هي الحرمان من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والتعذيب والعزل، نزع ملكية الأراضي والممتلكات، هدم المنازل والإخلاء القسري، فصل العائلات الفلسطينية عن بعضها البعض، تقسيم الفلسطينيين بين مناطق تحت سيطرة مختلفة، الحرمان من الحقوق، الاضطهاد، …. وعليه، فقد اعتبرت منظمة العفو الدولية، في تقريرها حول الفصل العنصري في الكيان المؤقت، أنه نتيجة لعدم اتخاذ إجراءات فعالة لمحاسبة الكيان عما يرتكبه، بشكل ممنهج واسع النطاق، من انتهاكات وجرائم بموجب القانون الدولي ضد السكان الفلسطينيين، فقد ساهم المجتمع الدولي في تقويض النظام القانوني الدولي، كما شجع الكيان المؤقت على مواصلة ارتكاب جرائم مع الإفلات من العقاب، والواقع أن بعض الدول قد دهمت الانتهاكات الإسرائيلية بشكل نشط، عن طريق تزويد الكيان بالأسلحة والمعدات وغيرها من الأدوات اللازمة لارتكاب جرائم بموجب القانون الدولي، ومن خلال توفير الغطاء الدبلوماسي لها، بما في ذلك في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

القرار الكاتالوني دلالاته والارتدادات في إسبانيا:

أصدر البرلمان الكتالوني، قرارًا يعترف بارتكاب الكيان المؤقت “جرائم فصل عنصري” ضد الشعب الفلسطيني. وبذلك تصبح أول مؤسسة أوروبية تتخذ مثل هذا القرار. ودعا القرار، الذي صدر بتاريخ 16/6/2022، الحكومتين الكاتالونية والإسبانية إلى عدم تقديم “مساعدة لإسرائيل واستخدام الأدوات السياسية والدبلوماسية لإجبار السلطات الإسرائيلية على تنفيذ التوصيات الصادرة عن منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش”. كما يدعو إلى ضمان أن تكون حقوق الإنسان في قلب جميع الاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف مع المؤسسات الإسرائيلية الرسمية من خلال بذل العناية الواجبة المشددة لتجنب أي دعم لنظام الفصل العنصري.

وحيث أن القرار قد قدمته الأحزاب اليسارية في مارس / آذار، فقد ورد في في تغريدة احتفالية بهذا الاعتراف، قال حزب En Comu Podem اليساري: “البرلمان، أول مؤسسة أوروبية تعترف بأن إسرائيل ترتكب جريمة الفصل العنصري ضد الشعب الفلسطيني، كما ورد في منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش”. ونقلت عن النائبة سوزانا سيغوفيا سانشيز قولها: “هذه لحظة تاريخية. اليوم نسميها بالاسم انتهاك حقوق الإنسان في فلسطين“.

كما انضمت المنظمتان الحقوقيتان الرائدتان في فبراير 2022 وأبريل 2021، على التوالي، إلى عدد من الجماعات الحقوقية الفلسطينية والإسرائيلية في تصنيف إسرائيل على أنها دولة فصل عنصري. ودعت منظمة العفو في تقريرها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى “فرض عقوبات مستهدفة، مثل تجميد الأصول، ضد المسؤولين الإسرائيليين المتورطين في جريمة الفصل العنصري، وفرض حظر شامل على الأسلحة لإسرائيل“.

يرفض الكيان المؤقت بشدة التهمة التي وصفت تقرير منظمة العفو الدولية المؤلف من 280 صفحة بأنه “كاذب ومنحاز ومعاد للسامية”. وعلى الرغم من العدد المتزايد للجماعات الحقوقية التي تصف السياسات الإسرائيلية بأنها ترقى إلى الفصل العنصري، امتنعت الولايات المتحدة وحلفاء الكيان الأوروبيون الآخرون عن إصدار أي تصريحات من هذا القبيل.

كما كان للقرار الكاتالوني تفاعلٌ كبيرٌ مع اللجنة الوطنية الفلسطينية للمقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات (BNC) ، وهي أوسع تحالف للمجتمع المدني الفلسطيني، بحرارة برلمان كاتالونيا لقراره الذي يعترف ويدين جريمة الفصل العنصري التي ترتكبها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني.

الأحزاب السياسية المؤيدة للقرار الكاتالوني:

أيد القرار الأحزاب السياسية التالية: المرشحون للوحدات الشعبية، En Comú Podem، Esquerra Republicana de Catalunya و Partit Socialista de Catalunya. نأمل أن يلهم تصويتهم الشجاع البرلمانات الإقليمية الأخرى للدولة الإسبانية، وكذلك برلمان الولاية، للوقوف أيضًا في الجانب الصحيح من التاريخ.

تم تسجيل القرار خلال أسبوع الفصل العنصري الإسرائيلي في 21 مارس، بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على التمييز العنصري. في ذلك اليوم، نظم الائتلاف الكتالوني “Prou Complicitat amb Israel” (أوقفوا التواطؤ مع إسرائيل) لقاء بين الأحزاب السياسية المذكورة أعلاه وبرونو ستانيو ، مدير المناصرة في هيومن رايتس ووتش ، وإستيبان بلتران، مدير منظمة العفو الدولية في إسبانيا. قدم الأخيرون النقاط البارزة في تقاريرهم حول الفصل العنصري الإسرائيلي، داعين كاتالونيا إلى عدم تقديم المساعدة أو المساعدة للحفاظ على الفصل العنصري، والعمل بدلاً من ذلك لوضع حد له.

انطلاقا من قرار البرلمان الكتالوني هذا، يتوقع المجتمع المدني الفلسطيني الذي يمثله المجلس الوطني الفلسطيني من حكومة كاتالونيا وحكومة الدولة الإسبانية، على سبيل الأولوية، اعتماد تدابير المساءلة التالية:

_ حظر التجارة مع المؤسسة الاستيطانية الإسرائيلية غير القانونية، والتي ترقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي.

_ تعليق التجارة العسكرية والأمنية المباشرة وغير المباشرة مع الكيان، بما في ذلك التدريب، والمشاريع الأكاديمية العسكرية والأمنية المشتركة، وجميع التمويل والإعانات العسكرية لإسرائيل.

_ الفضيحة الأخيرة حول استخدام برنامج التجسس Pegasus التابع لمجموعة NSO الإسرائيلية ضد الكتالونيين البارزين ووزير الخارجية الإسباني نفسه يثبت مرة أخرى أن دور الكيان الكبير في القمع العالمي وتقنيات المراقبة الجماعية وبرامج التجسس يجب أن يتحدى من قبل جميع الدول والمناطق المستقلة.

_ دعم UNinvestigateApartheid وإعادة إنشاء لجنة الأمم المتحدة الخاصة لمناهضة الفصل العنصري.

الموقف الإسباني من الكيان المؤقت:

رغم علاقاتها الدبلوماسية بالكيان، لكن سبق أن تبنت إسبانيا عدة اقتراحات مناهضة لجرائم الكيان على المستوى الإقليمي ومن قبل البلديات.

ففي عام 2018، صوت مجلس مدينة مدينة ساجونتو الإسبانية لصالح الانضمام إلى حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات ضد الكيان. في وقت سابق من عام 2017، أصبحت فالنسيا أول منطقة إسبانية تقاطع الكيان كسياسة رسمية.

كاتالونيا وعلاقتها بالاتحاد الأوروبي

بعد إعلان برلمان كاتالونيا استقلال الإقليم 27 تشرين الأول/أكتوبر 2017، أعادت بروكسل التأكيد على دعمها لسلطات مدريد تحت مسمى “احترام” الدستور الإسباني. إذ قال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك “بالنسبة للاتحاد الأوروبي لم يتغير شيء. تبقى إسبانيا هي الطرف الوحيد الذي نحاوره”. ليؤكد جان كلود يونكر من جهته أنه “ليس لدينا الحق في إقحام نفسنا في هذا الحوار الإسباني-الإسباني، ولكنني لا أتمنى أن أجد الاتحاد الأوروبي مستقبلا مكونا من 95 دولة عضوا. الاتحاد الأوروبي ليس بحاجة لانقسام جديد وصدع جديد“.

بعد إعلان الاستقلال الأحادي الذي قام به برلمان كاتالونيا أصبح اثنان من الحقوق الدولية على المحك. فمن الجانب الأول هناك حق الشعوب في إدارة شؤونها الذي يبني عليه الانفصاليون الكاتالونيون موقفهم معتبرين أن حقهم في حرية التعبير قد تم انتهاكه. وعلى الجانب الآخر حق الدول في حماية حدودها، الذي تدافع عنه الحكومة المركزية الإسبانية. وموقف بروكسل الداعم لمدريد بثبات ليس مفاجئا، فحتى أكثر دول الاتحاد لا مركزية تخشى أن تشكل الحالة الكاتالونية مثالا يحتذى في مناطق أخرى طامحة للاستقلال، مثيرة سلسلة من الأحداث يمكن أن تجعل من إدارة شؤون الاتحاد الأوروبي أمرا مستحيلا. وهو ما عبر عنه النائب الإسباني في البرلمان الأوروبي إستيبان غونزاليس بونس بالقول لزملائه إنهم “إذا سمحتم اليوم لكاتالونيا بكسر وحدة إسبانيا، ستبدأ قطع الدومينو بالتساقط في جميع أرجاء القارة. وعوضا عن أوروبا مكونة من 27 دولة، سنجد أمامنا ’لا-أوروبا‘ مكونة من دويلات صغيرة“.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى