مقالات

ترسيم بحر لبنان.. هل يبزغ الفجر غرباً؟

ريما فرح

بعد حال من الشدّة عاشها اللبنانيون منذ وصول المنصة العائمة “إنرجين باور” في حزيران/يونيو الجاري التي استقدمها العدو الإسرائيلي لاستخراج غاز حقل “كاريش” في المنطقة البحرية المتنازع عليها مع لبنان، وسط حديث عن حرب أو لا حرب تنشب بين الطرفين من جراء ذلك، عاد الهدوء الحذر، مع انقشاع الرؤية عن الموقف اللبناني الموحّد الذي بُلّغه الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين ناقلُ الرسائل بين لبنان و”إسرائيل”، والذي استدعاه لبنان على عجل لتحريك ملف التفاوض الغارق في سبات منذ زيارته بيروت الأخيرة في شباط/فبراير الماضي.

وبعيداً من لغة الخطوط، وهندسات الترسيم فوق المياه وتحتها، ألقى جانباً لبنان الرسمي خط التوتّر الأعلى المعروف بالخط 29 الذي يقسم حقل “كاريش”، وصبّ اهتمامه على الخط الأقل توتراً المعروف بالخط 23 مع حقل قانا كله، واضعاً معادلة: لا غاز من “كاريش” قبل الغاز من قانا، مستنداً إلى قوة الحق أولاً، وشبه الإجماع الوطني الرسمي ثانياً، وموقف المقاومة وسيدها أولاً وأخيراً.

نعم شبه الإجماع، وليس الإجماع بكليته، فهناك أصوات ومواقف تخرج كل يوم ترفض ما تراه تنازلاً عن الخط 29، ولهؤلاء حجّتهم، خصوصاً حين يستندون إلى معطيات لا لبس فيها وليست مداراً للتشكيك. وأبرز هذه المعطيات دراسات الجيش اللبناني التي تطابقت ودراسات خارجية، وفي مقدّمها دراسة بريطانية أجريت عام 2011، إضافة الى قانون البحار عام 1982، فضلاً عن الخريطة الترسيمية التي تنطلق من آخر نقطة يابسة عند رأس الناقورة، وعدم جواز احتساب صخرة “تخليت” جزيرة فاصلة.

هي ليست بالطبع مواقف المغالين في التمسك بالحقوق والأرض، والمؤمنين بالمقاومة نهجاً في التصدي وحسب، أو المؤمنين بدراسات الجيش اللبناني والصلبين في الدفاع عن قدراته التقنية، -مع أن قائد الجيش أعلن أن مهمة الجيش انتهت عند الأمور التقنية وهو يقف خلف السلطة السياسية في أي قرار أو موقف تتخذه-، إنما هي -وهذا أمر لافت- موقف من هم مصنّفون حلفاء للولايات المتحدة حليفة “إسرائيل”، وفي طليعتهم نواب “ثورة” 17 من تشرين حيث يتراؤون من خلال مواقفهم ” كحراس لقوى الممانعة” أو فرقة آتية حديثاً من نيكاراغوا وقد أنهوا دورات تدريبهم الثورية آنفاً.

أياً يكن التدريب الذي حصّلته كل جهة، تبقى ثابتة واحدة لا يغيّرها التاريخ ولا تستطيع الجغرافيا أن تعدّل فيها، وهي تثبيت الحقوق قبل أي تفاوض، هي مسلّمة ثابتة لا نزاع فيها، لا ماضياً، ولا حاضراً.

حمل هوكشتاين الإجابة اللبنانية، وطار بها إلى المسؤولين الإسرائليين هناك لتبيان موقفهم، فيما حامت الإيجابية في محيط مسؤولي لبنان باعتبار أن ما قدّمه لبنان هو موقف عقلاني قابل لاستئناف المفاوضات والتوصل إلى حل، يبدأ بعده لبنان مسيرة التنقيب والاستخراج، التي يعوّل عليها للنهوض مجدداً بعدما وصل إلى الانهيار. وما عزّز الإيجابية تلك، تطابق الطرح والموقف الذي ركّز عليه هوكشتاين في مطالبته المسؤولين اللبنانيين بالابتعاد عن الشعارات التي أثارت عنده “نوبة استهزاء”، وبالانصراف إلى العمل المجدي، ضارباً مثالاً على ذلك: ما قامت به “إسرائيل” في السنوات السبع الأخيرة من استعدادات في مجال التنقيب لتحصد اليوم ما تحصده كمصدر للطاقة بأغلى الأسعار، فيما لم يضرب لبنان أي ضربة تصب في مسار استخراج هذه الثروة، متناسياً دور بلاده  المساند للعدو الإسرائيلي، ومنعه لبنان والضغط بجميع الوسائل للمبادرة إلى خطوة واحدة في هذا الاتجاه.

سعداء كانوا من التقاهم هوكشتاين، ولم يجرؤ أي منهم على مقاربة الخط 29 وحقل “كاريش” أمام الضيف الأميركي الهازئ، وهو الذي ما كان ليحضر لولا جملة عوامل دفعته إلى المجيء وتلبية طلب الاستنجاد الرسمي اللبناني، وأبرزها معرفة وتلمّس جدية موقف المقاومة الحازم في الدفاع عن ثروات لبنان كلها، وهذا ما تلمّسه من التقاه، ثم حاجة “إسرائيل” إلى تصدير غازها اليوم لتقطف أعلى الأسعار- وهي وقّعت قبل ساعات اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي لتصدير غازها عبر مصر-، وحاجة الطرف الأوروبي الأميركي إلى الاستعاضة عن الغاز الروسي، ثم عدم رغبة أي طرف من هؤلاء في الحرب في الشرق الأوسط.

تبيّن المعطيات أن هوكشتاين اشترط قبل مجيئه أن يسمع من لبنان الموقف الذي يمكن البناء عليه، فكان أن حصل على ذلك من قبل أحد المستشارين المحيطين بمركز إدارة الملف في القصر الجمهوري، وسمعه هو وسواه عبر الموقف المتقدم الصادر عن الرئاسة الأولى، وعبّر عنه رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل في مقابلة تلفزيونية قبل ساعات من مجيء الضيف المصنّف منحازاً الى العدو، حيث كرّر معادلة: لا غاز من “كاريش” قبل الغاز من قانا، ملوّحاً بأنه في حال رفضت “إسرائيل” إعادة التفاوض على أساس الخط 23 كحقّ للبنان، فسوف يجري وضع الخط 29 على الطاولة من جديد مع التهديد بتوقيع مرسوم تعديل هذا الخط الذي يحتفظ به رئيس الجمهورية منذ قرابة عام، في خطوة رأت أن توقيع هذا المرسوم يُعدّ أشبه بإعلان حرب.

وفي انتظار إجابة هوكشتاين، هل يبقى منسوب السعادة لدى مسؤولي لبنان هو نفسه؟ يرتبط ذلك بالطبع بالرد الإسرائيلي، فإذا كان مرحّباً ولو جاء ضمناً، أو حتى غمزاً، فستغمر السعادة الديار، وإن جاء على عكس ذلك فسيتنصلون منه الواحد تلو الآخر، ويتفرّق العشاق.

ويتفرق العشاق، عندها لا يتبقى أمام اللبنانيين سوى استرجاع ضخ الأمل من خلال المقاومة التي وحدها القادرة على ردع العدو وخلق معادلة الردع التي تعيد الحقوق كما أعادت الحق في استرجاع الشريط الحدودي عام 2000. فسياسيونا يبدأون إنشغالاً جديداً بعيد عن تأمين الكهرباء، التي قال هوكشتاين أن تأمين إستجرار الغاز لها من مصر أو طاقة من الأردن سيدرس ما إذا كان ينتهك قانون قيصر أم لا، أو توفير الطحين والدواء، إنما بتسمية رئيس جديد لحكومة عتيدة قد تولد وقد لا تولد، لا يبقى مع عقم ولادتها لا مؤسسة ولا مسؤول يحظى بصلاحية ترسيم أو استجرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى