مقالات

في ذكرى المؤتمر السوري الأول.. أسئلة الحاضر

موفق محادين

نعيش هذه الأيام ذكرى المؤتمر السوري الأول، الذي انعقد في دمشق في حزيران/ يونيو 1919، وضمّ مندوبين وممثلين لكل أنحاء سوريا الطبيعية التاريخية (سوريا الحالية والأردن ولبنان وفلسطين) قبل تمزيقها إلى هويات وبيارق وكيانات متناثرة، على إيقاع سايكس-بيكو ووعد بلفور والمشروع الصهيوني (إسرائيل الكبرى المزعومة) مقابل (سوريا الكبرى التاريخية).

وحتى لا تتحول هذه الذكرى إلى مجرد طيف حزين يُضاف إلى تراث البكائيات والندم والحسرة، لا بد من استعادتها كبرنامج عمل مقاوم يجيب عن الأسئلة الراهنة، التي فشلت الأشلاء السياسية للكيانات المشوّهة المقتطعة من لحم الشام، في الإجابة عنها، على مدار قرن كامل، من سؤال الصراع العربي – الصهيوني، إلى أسئلة فك التبعية والتنمية والاستقلال الحقيقي الذي يستند إلى الشرعية التاريخية لا إلى مقصّات وخرائط أقلام الاستخبارات في المتروبولات الاستعمارية.

وفي المجمل، إذا كان العدو الصهيوني مستنداً إلى الأميركيين والرجعية وجماعات التكفير الطائفية والعثمانية الجديدة، يحاول تجديد نفسه بتمزيق ما تبقّى من سوريا الطبيعية الممزّقة، فإن الردّ عليه هو باستعادة مناخات المؤتمر السوري الأول وقراءاته، والذي تحلّ ذكراه هذه الأيام.

بالاستناد إلى كتاب الباحثة السورية ماري الماظ شهرستان (المؤتمر السوري العام) من إصدارات دار أمواج في بيروت، فمن التواريخ المهمة التي سبقت المؤتمر (لقاءات لندن البريطانية – الفرنسية لتقسيم المنطقة وفق اتفاقية سايكس – بيكو) وإنذار الجنرال اللنبي للملك فيصل بإنزال العلم العربي عن سراي بيروت، ولقاء فيصل مع الزعيم الصهيوني وايزمان لفصل فلسطين عن سورية… ومؤتمر الصلح الدولي في باريس 1919، وإعلان فرنسا فصل جبل لبنان عن سورية سنة 1919 أيضاً.

في مواجهة ذلك، وعلى هذه الأرضية، انعقد المؤتمر السوري العام بالاعتماد على قانون الانتخاب العثماني، وحضر المؤتمر نواب منتخبون حديثاً ونواب سابقون وشخصيات معروفة تمثيلية.

وقد انعقد المؤتمر في الثالث من حزيران/ يونيو من عام 1919 في النادي العربي في دمشق، وانتُخب نائب حمص هاشم الأتاسي رئيساً للمؤتمر، وهناك رواية أخرى (محمد فوزي العظم الذي تُوفي قبل انعقاد الجلسة الثانية).

وتمثلت في المؤتمر كل الولايات والسناجق والمتصرفيات السورية حينها. وفيما تمثلت فلسطين بوصفها سورية الجنوبية، وتمثلت منطقة شرق الأردن بوصفها جزءاً من سورية الداخلية.

أما القوى الرئيسية في المؤتمر، فكان أبرزها حزب الاستقلال (واجهة جمعية الفتاة)، واللجنة الوطنية العليا (الحزب الديمقراطي) بقيادة الشيخ كامل القصاب، وكانا معارضين لاتفاقيات فيصل مع وايزمان بخصوص فلسطين، وفيصل مع كليمنصو بخصوص لبنان، وفي المقابل كان (الاتحاد السوري) بزعامة عبد الرحمن الشهبندر والحزب الوطني (محمد كرد علي ومحمد الشريقي).

ومن القضايا المهمة التي انشغل بها المؤتمر، قضية لم تتوقف الباحثة عندها طويلاً رغم أهميتها، وهي إعداد دستور لسورية الواحدة الموحدة الجديدة، ولا يزال يُعتبر أرقى دستور عرفه العرب حتى الآن، حيث نصّ على التعددية السياسية والحزبية والفكرية، في إطار حكم برلماني معبّر عن التمثيل الشعبي، كما نصّ على حق أي مواطن في توَلّي أي موقع في الدولة بصرف النظر عن مذهبه، وكذلك على حق التصويت للمرأة، كما انشغلت جلسته الأولى أيضاً بإعداد نص القرار الموجّه إلى لجنة الاستفتاء الأميركية، والذي اعتُبر بمنزلة الميثاق العام للمؤتمر، وقد ركّز الميثاق على النقاط التالية:

1- استقلال البلاد السورية والعراق استقلالاً تاماً من جبال طوروس إلى رفح وجنوب العقبة، ومن شرق الفرات وشرق الجوف إلى البحر المتوسط.

2- إقامة حكومة نيابية.

3- رفض كل أشكال الانتداب والوصاية الدولية.

4- رفض سلخ أي بقعة من البلاد السورية من جبل لبنان إلى فلسطين، ورفض وعد بلفور والهجرة اليهودية، أما السكان الموسويون من سكان البلاد الأصليين فلهم ما لَنا وعليهم ما علينا.

5- استقلال العراق وعدم إيجاد أي حواجز اقتصادية بين القطرين، ومن بين الذين رفضوا هذا البيان الأمير عبد الله.

6- من القرارات الأخرى التي لم يتوقف عندها الكتاب، اعتبار العلم العربي الذي اقترحته جمعيات الطلبة العرب في إسطنبول، ثم في المؤتمر العربي الذي انعقد في بيروت، علماً للدولة السورية الجديدة، مع إضافة نجمة سُباعية عليه، وقد أصبح لاحقاً علم الأردن (العلم من دون النجمة هو علم فلسطين والبعث حالياً)، وترمز ألوانه إلى العهود الأموية والعباسية والفاطمية، كما صاغها الشاعر العراقي، صفي الدين الحلي.

وكما قام الاستعمار الفرنسي بإلغاء مشروع الدستور السوري المدني المذكور، واستبدله بدستور طائفي على غرار دستور بريمر في العراق، ألغى العلم أيضاً واستبدله بعلم طائفي ظلّ قائماً حتى الوحدة المصرية السورية 1958، إلى أن استعارته ما يُعرف بـ”المعارضة السورية” خلال العشرية السوداء، وحوّلت علم الاستعمار الفرنسي الطائفي المذكور إلى علم لها.

إلى ذلك، وبتاريخ الـ7 من آذار/ مارس 1920، أعلن المؤتمر استقلال البلاد السورية وفق البيان المذكور، وشكل حكومة جديدة برئاسة هاشم الأتاسي لمتابعة ذلك، ضمّت ساطع الحصري ويوسف العظمة وفارس الخوري ورضا الصلح وعبد الرحمن الشهبندر، وسرعان ما اصطدمت الحكومة الأخيرة مع المؤتمر بسبب موافقة وزراء على إنذار غورو الفرنسي، فيما وقف المؤتمر مع وزير الحربية يوسف العظمة الذي رفض الإنذار، والذي استُشهد بعد ذلك في معركة ميسلون التي أدّت نتائجها إلى تمزيق وحدة البلاد السورية واستقلال جبل لبنان ثم شرق الأردن، إضافة إلى وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني مقدّمةً لوعد بلفور.

يُشار هنا إلى أنه سبق لثورة أكتوبر الروسية الاشتراكية على لسان وزير خارجيتها، تروتسكي، أن فضحت الاتفاقية البريطانية الفرنسية المعروفة بـ”اتفاقية سايكس – بيكو” والقيصرية الروسية، وذلك في الصحف الروسية آنذاك، مثل البرافدا وإزفستيا الصادرة بتاريخ 23/11/1917، بحسب ما جاء في كتاب أسعد رزوق “إسرائيل الكبرى” (الصفحات 270 و362 و336).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى