مقالات

رادارات إسرائيلية في دول خليجية.. هل اقتربت المواجهة؟

شرحبيل الغريب

قيام تل أبيب بنشر منظومة رادارات في كل من الإمارات والبحرين، يتزامن مع مشروع قانون الدفاع لعام 2022، قُدّم إلى الكونغرس الأميركي بهدف تعزيز التعاون العسكري، ودمج ما سُمّي منظومة دفاع جوي صاروخي متكامل تضم دولاً عربية وخليجية تكون “إسرائيل” جزءاً منها لمواجهة إيران في غضون 180 يوماً، رافقته زيارة نفتالي بينيت للإمارات في زيارة هي الثالثة له في أقل من عام، بالتزامن مع تصعيد طهران لهجتها أمام تعثر مفاوضات فيينا، وقيامها بإغلاق كاميرات المراقبة لأنشطتها النووية احتجاجاً على ما وصفته بخضوع الوكالة لرغبات الأطراف الدوليين ولـ”إسرائيل”، تعد تطورات دراماتيكية من المهم التوقف عندها وقراءة مآلاتها وسيناريوهاتها.

في الإطار العام تُعد الخطوة الإسرائيلية في نشر الرادارات تطوراً نوعياً في التعاون الأمني والعسكري المشترك بين “إسرائيل” وبين دول خليجية طبّعت علاقاتها بشكل علني منذ سنوات، ومن حيث الاستراتيجيا، تُصنّف على أن هذه الأنظمة وصلت ذروتها في مرحلة التطبيع، لتهيئة المنطقة ودمج “إسرائيل” كي تصبح جزءاً لا يتجزأ من المنطقة العربية الخليجية، ولأجل أن تكون العلاقات العسكرية والأمنية المشتركة في المنطقة واقعاً طبيعياً من دون إحداث ضجيج، وكل ذلك يجري برعاية أميركية مباشرة.

تأتي استعدادات “إسرائيل” ودول خليجية في هذا الإطار تزامناً مع التطورات الجارية على الجبهات المختلفة، سواء تجاه إيران التي ترفض سياسة الضغط والابتزاز والاشتراطات في مفاوضات فيينا، أو المساومة بالتخلي عن دعم فلسطين والاعتراف بـ”إسرائيل” في أي اتفاق نووي مقبل، أم تجاه موقف حزب الله في لبنان الذي يرفض تنقيب “إسرائيل” عن الغاز في حقل كاريش أمام تخوّفات من اشتعال حرب إقليمية.

مباركة أميركا لمثل هذا التعاون والتحالف بين “إسرائيل” ودول خليجية نابع من رؤية استراتيجية تنتهجها الإدارة الأميركية الحالية بعدم التورّط في ملفات الشرق الأوسط بسبب الأزمات الداخلية الأميركية التي خلّفتها إدارة ترامب السابقة، ولتحقيق هدف أميركي بالغ الأهمية قائم على نظرية الأمن المستورد الذي يسدّ حالة النقص نتيجة المغادرة الأميركية للمنطقة، ويهيّئ المشهد لـ”إسرائيل” كي تكون المظلة الحامية لأنظمة الخليج وبعض الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط.

التحالفات العربية الخليجية الإسرائيلية تتزامن مع تقديم مشروع “قانون الدفاع لعام 2022″، للكونغرس الأميركي، كما أنها تأتي بهدف تعزيز التعاون العسكري والاستخباري، لكنها تعكس في الجوهر حالة التخوف الإسرائيلي الأميركي الكبيرة، أكثر من أي وقت مضى، من إقدام إيران على خطوات تصعيدية أكثر من إطفاء كاميرات المراقبة، في ظل حالة التعثر التي تمر بها المفاوضات في الملف النووي، وتجاوز “إسرائيل” للخطوط الحمر بتنفيذ اغتيالات بحق مسؤولين وعلماء إيرانيين.

المنطقة تمر بحالة تسخين غير مسبوقة، ليس على جبهة إيران فحسب، بل يطال ذلك جبهات أخرى، كلبنان الذي يُتعدّى على موارده الطبيعية في وضح النهار، وهذا يجعل سيناريو احتمال اندلاع مواجهة عسكرية مقبلة محتملة حاضراً إلى حد كبير، لكنه غير معروف الوجهة، واحتمال وقوعه مرتبط ارتباطاً مباشراً بالتطورات الميدانية، وما يعزّز استحضار هذا السيناريو، هو حالة الاستنفارات الكبيرة والمناورات العسكرية التي جرت وتجري في المنطقة، والتي رافقتها عمليات اغتيال بحق علماء ومسؤولين إيرانيين، واستمرار التهديد والتحريض الإسرائيليّين غير المسبوقين ضد إيران، واللذين كان آخرهما خلال زيارة رئيس وكالة الطاقة الذرية لـ”إسرائيل” مؤخراً.

من المعروف أن هناك حالة إجماع إسرائيلية تجاه العداء لإيران، وإذا ما تحدثنا عن خيار الحرب العسكرية الشاملة والمفتوحة بين “إسرائيل” وإيران، فهي بحاجة إلى ضوء أخضر أميركي، ومثل هذا الضوء، رغم تعقيدات وتعثر مفاوضات فيينا، غير متوافر حالياً، حيث إنه يتعارض مع الرغبة الأميركية القائمة على مغادرة المنطقة العربية، وعدم تشتيت الانتباه والجهد عن الحرب الروسية والأوكرانية الدائرة، إذ إن سيناريو كهذا يتطلّب من أميركا استنفار أساطيلها الجوية والبحرية في المنطقة، فضلاً عن حالة الجاهزية المفقودة، في ظل انشغال أميركي في الحرب الروسية الأوكرانية، والتفرّغ للصعود الصاروخي للصين.

“إسرائيل” أكثر من غيرها تدرك أن سيناريو المواجهة العسكرية الشاملة مع إيران خيار ليس سهلاً، وسيجعلها بكل مكوّناتها تفكر ألف مرة قبل الإقدام عليه، لأنه إذا وقع فسيكون من العيار الثقيل، ومكلفاً لها بدرجة كبيرة، وسيقلب المنطقة رأساً على عقب، وسيكبّدها خسائر كبيرة على كل الصعد.

تاريخياً هناك تحولات استراتيجية حصلت، فـ”إسرائيل” ومنذ احتلالها جنوب لبنان في الـ 6 من حزيران/ يونيو عام 1982، والذي تحرّر في ما بعد على يد المقاومة الإسلامية اللبنانية- حزب الله – عام 2000 م، أصبحت عاجزة وبشكل كبير عن تكرار مثل هذا السيناريو مع أي دولة أخرى، حتى لو نصبت صواريخها وراداراتها على أراضٍ خليجية، وهي تعي تماماً مثل هذا التحول، إذ وجدت نفسها أمام مشهد جديد تعيشه، يتلخص في تنامي قوة إيران في المنطقة من جهة، ومعها محور المقاومة في مختلف جبهاته، ما يجعلها عاجزة عن تكرار مثل هذا المشهد، وأقصى ما تستطيع القيام به في هذه المرحلة هو عمليات أمنية محدودة ذات طابع استخباري لإرباك إيران ومحورها أمام القضايا الاستراتيجية في المنطقة.

ثمة عوامل رئيسية ثلاثة أحدثت تغييراً جيوسياسياً وأمنياً في المنطقة، تجعل من “إسرائيل” عاجزة عن تحقيق حلمها ومرادها أمام قوة إيران ونفوذها المتصاعد من جهة، واتساع رقعة محور المقاومة في المنطقة، والمعادلات التي فرضتها مؤخرا من جهة ثانيةً، وهذا يتمثل في مرتكزات أساسية، الأول يتمثل في فشل سياسة الحصار واستراتيجية الضغوط القصوى للولايات المتحدة وحلفائها على إيران، ومعادلة الردع التي نجح حزب الله في تثبيتها على مدار سنوات، ووقوفه بصلابة وتحدٍّ أمام تطور “إسرائيل” التكنولوجي، وظهور المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة كقوة مهمة في مواجهة “إسرائيل”، وفرضها معادلات أخرى جديدة خلال معركة “سيف القدس”.

“إسرائيل” لم تعد تخشى الدول العربية أو الخليجية بعد حالة التحالفات والاندماج الأمني في ما بينها، ومصدر قلقها الوحيد والكبير في هذه المرحلة هو التهديدات الصاروخية التي تشكل نوعاً غير مسبوقاً في الردع، والتي قد تنهال عليها من إيران ولبنان وسوريا وقطاع غزة واليمن، بعد أن باتت تحلم بدولة محاطة بسلاح الليزر كي يحميها من مثل هذا التهديد.

أي وجود إسرائيلي في منطقة الخليج يُحدِثُ تقويضاً وتهديداً لأمن الخليج في الدرجة الأولى، وسيكون مصدراً للتوتر والأزمات لدول المنطقة برمّتها، والأهم هنا، بعد وصول حالة الاندماج بين “إسرائيل” ودول خليجية وعربية إلى ذروتها، أن جدوى مثل هذه التحالفات مع “إسرائيل” لا يستطيع أحد أن يتوقع صمودها طويلاً، في ظل وجود مصالح قد تبدو متضاربة بين الأطراف المختلفين، إذ إن الاتفاق تجاه الملف الإيراني قد يتعارض مع دول أخرى في ملفات عالقة تبدو متشابكة في المنطقة يصعب معها الخروج بمواقف موحدة لجميع الدول داخل هذا التحالف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى