مقالات

الـوحــدة.. الاسـم الآخـر لـ”رمضـان شلـح”

وليد القططي

مرَّ عامان على رحيل القائد الوطني الكبير رمضان عبد الله شلح، الأمين العام الثاني لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، ولا يزال حضوره يأبى الغياب، لاسيما لمن عرفوه عن قُرب ومنهم كاتب هذه السطور، إذ عرفته في محطتين: الأولى بعد عودته من الدراسة في مصر مع رفيق دربه ومعلمه المُفكر الشهيد فتحي الشقاقي، مؤسس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وكان في هذه المحطة يجوب الوطن من أزقة غزة وحاراتها ومخيماتها إلى باحات المسجد الأقصى المبارك وشوارع القدس العتيقة، مُبشّراً بصوتٍ آخر للإسلام وفلسطين، والمحطة الثانية بعد  ما يزيد على عقدين دار فيهما الزمن دورته، فكان اللقاء في دمشق العروبة والمقاومة أميناً عاماً للجهاد الإسلامي يقود المقاومة من قلب العروبة، ويحتضن فلسطين في قلبه، فكانت محطته الأخيرة قبل أنَّ يُغيّبه المرض ثم الموت، ولكنه بقي الغائب الحاضر كما كل العظماء الذين يزرعون بذور حياتهم في تربة شعبهم وأمتهم الطيبة، فتثمر أشجارها الطيبة ثمار الحرية والوحدة.

الوحدة في فكر الراحل الكبير رمضان شلح هي وحدة فلسطين: الأرض والشعب والقضية، أرض فلسطين الكاملة كوحدة إقليمية لا تتجزأ، والتأكيد على وحدة الشعب الفلسطيني بكل مكوناته الدينية والسياسية والثقافية والنضالية، فالشعب الفلسطيني في رؤية رمضان شلح “هو شعب واحد، وقضية واحدة، وهو جزء أصيل وحيوي من الأمة العربية والإسلامية”، بمن فيهم الشعب الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة عام 1948م، والشعب الفلسطيني في خارج فلسطين (الشتات)، فجميعهم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني ومسيرته الكفاحية.

كما رأى المسيحيين الفلسطينيين “جزءاً لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية، وشركاء في الوطن، قدّموا من أجله تضحيات جسام بجانب إخوانهم المسلمين، برز فيهم القيادات السياسية والكفاحية والرموز والنُخب الثقافية والاقتصادية، فكان لهم أثر بالغ وواضح في مسيرة النضال الفلسطيني”.

ونادى بالوحدة الوطنية الفلسطينية على قاعدة مقاومة الاحتلال، واعتبرها “الضرورة الأكثر إلحاحاً لمواجهة المخطط الصهيوني، الرامي إلى تحويل الصراع من صراع بين الشعب الفلسطيني والمحتل الإسرائيلي، إلى صراع داخلي بين الفلسطينيين أنفسهم”، ولذلك طالب بتوحيد كل البنادق الفلسطينية ضد الاحتلال، وحل المشاكل الداخلية الفلسطينية بالحوار. وأرسى مفهوماً للشراكة الوطنية يقوم على أساس إرساء العمل الوطني على القواسم المشتركة عملاً بقاعدة “تعزيز ما اتفقنا عليه، والتحاور حول ما اختلفنا فيه، من أجل حماية الثوابت ومواجهة مشاريع تصفية القضية”. والشراكة على أساس “مساهمة جميع الأُطر والتنظيمات والفعاليات الفلسطينية في صنع القرار الوطني، وإعادة تأطير المؤسسات الفلسطينية بما يلائم حركة تحرير وطني تُجسّد وحدة الأرض والشعب”.

 بناءً على ذلك، كان خطابه السياسي وطنياً محوره رفض نهج التسوية بعيداً عن تخوين المخالفين أو شيطنة المختلفين، فآمن بأنَّ الاختلاف مع إخوة الوطن مهما كان كبيراً أو عميقاً يبقى في دائرة الخلاف السياسي والفكري الذي يُمكن أن يُحل بالحوار الوطني سياسياً وفكرياً، ليبقى الكل الفلسطيني موحداً في مقاومته للاحتلال.

والوحدة الوطنية في فكر رمضان شلح ليست ترفاً أو خياراً، بل هي واجب وضرورة مصيرية، وشرط وجود للكل الفلسطيني… “الوحدة والحرية وجهان لعملة واحدة”، وهي مرتبطة بمفهوم “الوطنية الفلسطينية” التي حددها بأربعة عناصر، الأول: الهدف، أي ماذا يريد الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية؟ فالاتفاق على هدف تحرير فلسطين الكاملة من البحر إلى النهر هو أحد أعمدة الوحدة الوطنية، أما التنازل عن هذا الهدف فهو نقض لأحد هذه الأعمدة. والثاني: الوسيلة للوصول إلى الهدف… المفاوضات أم المقاومة؟ فالتسوية والمفاوضات تُفرّق الشعب الفلسطيني، والثورة والمقاومة توحّده وتقرّبه للهدف. والثالث: المؤسسات الوطنية، فمنظمة التحرير الفلسطينية يُفترض أنها الإطار الجامع للكل الفلسطيني ووعاء الشراكة في القرار الوطني، لكنها أصبحت هي المشكلة بسبب إقصاء الإسلام المقاوم ( حماس والجهاد ) من المنظمة، أو محاولة احتواء الإسلام المقاوم، والسلطة كإفراز للمنظمة حرفت المسار من الصراع ضد الاحتلال إلى صراع داخلي على السلطة. والرابع: التهديد الإسرائيلي ممثلاً بالاحتلال والاستيطان والتهويد والأسرلة والحصار والتهجير والإبادة… إذ يستهدف العدوان الإسرائيلي الأرض والإنسان والمقدسات، حتى بات التهديد عامل توحيد للشعب الفلسطيني وحركته الوطنية إذا ما تم الاتفاق على العناوين الأخرى: الهدف والوسيلة والمؤسسات.

الوحدة عند رمضان شلح مرتبطة بمفهوم “الجماعة الوطنية” في فكر الجهاد الإسلامي، وهو المفهوم الذي أعاد الانسجام إلى مفاهيم: الوطنية والعروبة والإسلام، وصهرها في بوتقةٍ واحدة هي “الجماعة الوطنية” كجزء من “الأمة العربية والإسلامية”، وجزء من محاولة إنهاء التناقض الوهمي بين دوائر الانتماء الثلاث: الوطنية الفلسطينية، والقومية العربية، والأمة الإسلامية، ولذلك آمن كأمين عام لحركة الجهاد الإسلامي بأنَّ فلسطين قضية العرب والمسلمين الأولى والمركزية، وآمن بالعلاقة الارتباطية بين وحدة الأمة وتحرير فلسطين، وأنَّ الدعوة إلى وحدة الأمة جزء جوهري من مشروع تحرير فلسطين، فاعتبر “الوحدة الإسلامية من الأهداف الكبرى في الإسلام، وأن المسلمين في دين الله أمة واحدة، جميعهم إخوة في الإسلام على اختلاف أعراقهم وألسنتهم وألوانهم وأوطانهم ومذاهبهم، ورفض التجزئة ونبذ الفرقة والتنازع، وتحقيق التآلف والوحدة بينهم فريضة شرعية وضرورة حياتية”.

وانسجاماً مع هذه الرؤية الوحدوية للأمة ورفض موجة تكفير المسلمين التي ابتدعها المؤمنون بعقيدة الفرقة الناجية الوحيدة، رأى أنه “لا يحق لأي جماعة أو حركة إسلامية الزعم بأنها جماعة المسلمين، بل هي جزء أو جماعة من المسلمين فيها الصواب والخطأ”، ولذلك لم ينسب إلى نفسه وإلى حركته امتلاك الحقيقة المطلقة، فوضع في مقدمة الوثيقة الفكرية للحركة هذا الوعي الذي يرى في الوثيقة اجتهاداً فكرياً متواضعاً في زمن الصراع على الإسلام.

وتأكيداً لوحدة الأمة في إطار هذا الوعي الرافض لهوس التفريق والتكفير قال “إنَّ الشيعة مسلمون تجمعهم بأهل السُنّة رابطة الإسلام، وبينهما خلاف تاريخي حول مسألة الخلافة أو الإمامة، امتد إلى بعض مسائل  الاعتقاد والفقه ولكنه لا يُخرج من الملّة”، وأنَّ “الصوفية لهم نهج خاص للتربية والعبادة… معيار القبول أو الرفض موافقة كتاب الله وسُنّة نبيه”، وأنَّ “السلفية مدرسة فكرية لفهم الدين وممارسته على قاعدة الانتساب إلى سلف الأمة الصالح” ،وغيرهم من التيارات والمذاهب الإسلامية.

رحم الله المجاهد الكبير رمضان عبد الله شلح.. حاول توحيدنا حياً، ووحدنا بعد رحيله حاضراً فينا رغم الغياب، وحدنا رمزاً وطنياً وعربياً وإسلامياً لوحدة الشعب والأمة، كما كل رموز الوطن الصغير والكبير منذ فجر التاريخ وحتى عمر المختار ويوسف العظمة وعبدالقادر الجزائري… وصولاً إلى عزالدين القسام وعبدالقادر الحسيني وأحمد عبدالعزيز… وحتى ياسر عرفات وأحمد ياسين وفتحي الشقاقي… ورمضان شلح من أولئك الرموز الذين جسّدوا معاني السمو في الغاية والوسيلة، وترجموا قيم الثبات على المواقف والمبادئ، وأكدوا صفات القيادة المتمسكة بالحقوق والأهداف، وحملوا سمات الزعامة المؤمنة بالشعب والنصر… وإضافة إلى كل ذلك، أصبح رمضان شلح هو الاسم الآخر للوحدة… وحدة الشعب والأمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى