مقالات

وداعاً للعولمة.. أهلاً بكم في عوالم “القطعان المنعزلة”!

علي شهاب

“إذا أطعمت الجماهير بالشعارات الثورية، فسوف تصغي إليك اليوم وغداً وبعد غد. أما في اليوم الرابع، فسوف تقول لك: اذهب إلى الجحيم!”. 

رئيس الاتحاد السوفياتي الأسبق نيكيتا خروتشوف ما بين العامين 1955 و1964.

المشهد الأول:

كنت أختبر أداة تقنية جديدة تكشف ما إذا كان أيّ موقع إنترنت يحوي برمجيات تتبع تتيح للجهة التي تمتلكها أن تستعرضها على شكل خارطة حرارية “Heatmap”، لأكتشف أن عدداً من المواقع الإخبارية العربية والعالمية التي أزورها بشكل يومي تمتلك – منذ سنوات – القدرة على تسجيل كل ضربة زر على لوحة المفاتيح في مكتبي، لا معرفة اهتماماتي فقط!

قد يمرّ الكثيرون مرور الكرام أمام معلومة كهذه، وخصوصاً في العالم العربي الذي لا يزال قاصراً للأسف عن فهم خطورة مسألة الخصوصية الرقمية وارتباطها بمجالات أخطر بكثير من التجسس أو السرقة أو الابتزاز. لا أتحدث هنا عن تقنيات تمتلك القدرة حرفياً على التحكم بنا من خلال جمع بيانات عن أهوائنا واهتماماتنا، بل وسلوكنا، في أدق تفاصيله في كل مرة نمسك فيه هاتفاً ذكياً أو نتسوق في متجر تحت مراقبة الكاميرات الذكية، أو نتصفح كتاباً خلف حاسوب متصل بالإنترنت.

المشهد الثاني

أتصفّح “مذكرات جيمس بيكر: سياسية الدبلوماسية”، كتاب وزير الخارجية الأميركية الأسبق، والفصل الخاص في سقوط الاتحاد السوفياتي، إذ تعكس مواكبته للأحداث التي سبقت تفكك الدولة العظمى خير نموذج لفهم السلوك البشري في الأزمات والمحطات الكبرى، مع لحاظ أن الحدث التاريخي لا يخلو من التحيز الفاضح في أحيانٍ كثيرة عند روايته، ولكنّ تدوينه والتعبير عنه هو فرصة للتحقق ودراسة ديناميته.

يستفيض بيكر في وصف اجتماعاته داخل الإدارة الأميركية آنذاك، محاولاً قدر الإمكان التقليل من أهمية أي دور مباشر كان تؤديه الولايات المتحدة في مسعى لإدارة التفكك لمصلحتها، لكن “الدبلوماسي الأنيق”، بحسب تعبير رئيسه جورج بوش الأب، لا يخفي حماسته، لأنَّ “نافذة الفرص مفتوحة أمام الديموقراطية، لأنَّ الشيوعية باتت قوة بائدة”، لينصبّ جلّ اهتمامه على مواجهة المخاطر التي “تكمن في احتمال أن التفسخ والتفكّك قد يؤديان إلى أعمال عنف بين الجمهوريات أو الأعراق”.

تتابعت الأحداث سريعاً، واستطاع بيكر انتزاع قرارات سوفياتية مهمة، كالانسحاب من كوبا ووقف شحنات الأسلحة إلى أفغانستان من ميخائيل غورباتشوف بسهولة، لكون الأخير كان يطمح إلى الحصول على مساعدات اقتصادية دولية أكبر، بحسب وزير الخارجية الأميركية الأسبق، ثم اجتمع جيمس بيكر إلى نظيره السوفياتي والروسي في العاشر من أيلول/سبتمبر 1991، ليدون الملاحظة التالية:

“بدأ (وزير خارجية جمهورية روسيا الأسبق أندريه) كوزيريف الاجتماع بالإشارة إلى البقع الموجودة على الجدران: كما ترى، فإن جدراننا عارية، فقد كان هذا المبنى مقراً للحزب الشيوعي. وقد رفعنا اللوحات القديمة، ولم نقرر ماذا نضع مكانها”.

المشهد الثالث:

لم يقرّر السوفيات ما اللوحات – الرموز الواجب رفعها بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي، لكن ما يحصل في زماننا أسوأ بعد.

واكب التطور التقني الأحداث السياسية، وانخرطت التكنولوجيا أكثر كأدوات في صناعة السياسة والتأثير فيها، فأزالت ثورة الاتصالات الحدود الجغرافية، واختلطت المفاهيم والقيم لدى الشعوب التي باتت تطمح إلى استحضار النماذج الأجنبية عنها من دون مراعاة هُويتها وعمرها الحضاري وتجربتها، فكانت النتيجة فوضى بتأثير حجارة الدومينو في أكثر من بقعة في العالم.

نقطة الضعف الجوهرية التي يمكن لأي فكرة أو تجربة أو حدث التغلغل من خلالها في الوعي الجمعي هي ضعف الخطاب الإعلامي المحلي الذي يكاد يكون بالنسبة إلى الكثير من الشعوب – وخصوصاً في الدول النامية أو الفقيرة – المصدر الوحيد لصناعة الثقافة والرأي، في ظل انهيار التربية والتعليم وانشغال المواطن بتأمين الحد الأدنى من بديهيات العيش.

وفي عالم تسوده “أنباء” الفوضى المتدفقة على جهاز مرسل للإشارات (Signal Generator)، أو الهاتف الذكي، كما اصطلحنا على تسميته خطأ، لا يقدر العقل على المعالجة والتحليل، بل يغرق في دوامة من ردود الأفعال المتلاحقة التي تشبه في حقيقتها رد فعل كلب العالم الشهير بافلوف الذي كان يسيل لعابه كلما سمع رنين الجرس، ظناً منه أن موعد الطعام قد اقترب.

وبمقدور أيّ باحث ملاحظة تشابه استجابتنا للأخبار اليومية، جمهوراً وإعلاميين، وتأثيرها في المزاج والقدرة العقلية والصحة النفسية، والعمل عليها كما تفعل بشكل دائم شركات التكنولوجيا المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات.

ومع تحوّل كلّ مستخدم للإنترنت إلى إعلامي، اندثرت حدود مهنة الصحافة كما كنا نعرفها أمام مفهوم “الصحافي المواطن” (والأصح تسميته المواطن المُخبِر)، ثم أمام أحداث أوكرانيا التي تكشفت عن أزمة أخلاقية عالمية، تارة بسبب “ازدواجية المعايير”، وطوراً بسبب “الانحياز”.

المشهد الرابع:

الحرب في أوكرانيا هي افتتاحية هذا المشهد.

ينظر بعض المحللين إلى سقوط جدار برلين على أنه الحدث الذي مثّل صعود العولمة وسيادتها للسنوات الثلاثين اللاحقة، بعد أن خلت الساحة من بديل عالمي، وخصوصاً على صعيد ترويج الخطاب الإعلامي، الأمر الذي يبرع فيه الأميركيون في مقابل الخطاب الإعلامي الضعيف، كما ذكرنا سابقاً.

الحرب في أوكرانيا تعيد صياغة العالم الجديد أيضاً (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان حدثاً استثنائياً أيضاً)، ليس بالضرورة من باب الجغرافيا، كما هو شائع في المتابعة الإعلامية الحدثية والهادفة إلى توجيه انتباهنا إلى تفاصيل صغيرة، بل من باب الاقتصاد في الدرجة الأولى. وفي حين يتبيَّن أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان جاهزاً للكثير من السيناريوهات، يؤكد صعود الروبل في هذه المرحلة تحديداً أنه أحاط نفسه بفريق متمكّن من المستشارين، ولكن ما يصوغ المشهد الاقتصادي عالمياً في المرحلة الراهنة، ليس صمود روسيا أمام العقوبات، بل هي موجة ممتدة برزت إبان وباء كوفيد 19، وتمثلت بأزمة على مستوى سلاسل التوريد.

ورغم أن هذه المسألة تكاد تكون أخطر قضية في عصرنا، وتحتاج إلى معالجة مستقلة من نواحٍ عديدة، فإنَّ نتيجتها واحدة على صعيد التأثير في السلوك الاقتصادي للقطاع الخاص: الشركات باتت تبحث عن أسواق قريبة لا بعيدة لتجنب ما يحصل بسبب الحرب القابلة للاشتعال في غير مكان وما حصل بسبب الوباء القابل للتكرار.

المشهد الخامس:

فعل وباء كوفيد 19 فعلته.

لن نتمكَّن قبل انقضاء جيل كامل على الأرجح من معرفة كيف بدأ الوباء وأين، ولكنّ تصاعد العنصرية لدول بأسرها – حكومات وشعوباً – مدفوعاً بمشاعر خوف وقلق وجوديين، لا يمكن أبداً اعتباره سلوكاً عابراً.

وجد الإيطاليون أنفسهم وحيدين أمام انتشار الموجة الأولى في الشمال. امتنعت معظم دول الاتحاد الأوروبي عن مدّ يد العون، واكتفى بعضها بإرسال مساعدات بكميات لا تتناسب أبداً وحجم حالة الطوارئ في الدولة المنضوية تحت راية الدول الصناعية السبع. في المقلب الآخر، كانت حكومات “العالم الحر” تتسابق إلى “سرقة” الكمامات وسوائل التعقيم وقرصنتها.

في ذروة الوباء، كان المزاج الشعبي الإيطالي شديد الحنق على الفوقية الأوروبية في التعامل معهم، إلى درجة أن السياسيين في روما لم يجدوا حرجاً في السماح للقوات الخاصة الروسية بالتجول في أكثر من مدينة إيطالية بشكل علني، للمساهمة في جهود الإغاثة ومكافحة كوفيد 19، بعد أن عرضت موسكو المساعدة بجدية.

لم تنحصر العنصرية الناجمة عن كورونا في المشاعر القومية. ففي البلدان الفقيرة المتنوعة طائفياً، كلبنان، تحول التعامل مع الوباء إلى فرصة لتأجيج مشاعر الانقسام بين المذاهب والملل. ومع أنَّ السياسة لطالما غذت هذه المشاعر في بلد – معضلة كلبنان، فإنها هذه المرة نزعت التعاطف الإنساني، وأوغلت في تعميق حالة فقدان الهوية وانعدام الانتماء على المستوى الوطني. تكرر هذا المشهد في العديد من الدول النامية، كل بحسب فسيفسائها وتنوع مكوناتها.

لن تمرّ سنوات عديدة قبل ظهور الوباء المقبل. ليس معلوماً بعد ما إذا كان “جدري القرود” هو الاستحقاق المقبل أمام البشرية، ولكن انتقال الفيروسات من الحيوانات إلى البشر بات أسهل في ظل التدخل الكبير في دورة الطبيعة. وإن كان “كوفيد 19” لم يؤدِّ في موجاته السابقة إلى مشهد سوريالي، لكون الكوكب قد شهد سابقاً ما هو أشدّ وأخطر، فإنّ دائرة القلق والتوتر الدائمين التي ندخلها جميعاً باتت جزءاً من وجودنا وسلوكنا وهويتنا، وهي في حالة تراكم مستمر قد يسفر عنه في نهاية المطاف مشهد هوليوودي.

المشهد الختامي:

لنُعِد بناء عناصر المعادلة من المشاهد أعلاه:

1-   التكنولوجيا باتت منخرطة في حياتنا إلى درجة السيطرة على سلوكنا.

2-   في عصرنا هذا، تختلط أكثر على الناس مفاهيم الديمقراطية والحرية وما يرتبط بهما. في هذا الصدد، يقول غوستاف لوبون في كتابه “سيكولوجيا الجماهير” إنَّ “ما يهيمن على روح الجماهير، ليس الحاجة إلى الحرية، إنما الحاجة إلى العبودية، ذلك أنَّ ظمأها إلى الطاعة يجعلها تخضع غرائزياً”.

3-   الرواية الإعلامية السائدة يصنعها صاحب الخطاب الأعلى والأقوى، لا الأحق أو الأصدق. لم تكن هذه المسألة لتكون استثنائية لولا أن الإعلام بات مصدر تشكيل الوعي والثقافة والهوية أكثر من أي وقت مضى.

4-   التجارة العالمية ستتراجع أكثر نحو الاعتماد على الأسواق القريبة، تجنباً لقيود الأوبئة ونتائج الحروب.

5-   نحن أمام بشر يسهل قيادتهم، بل تحريكهم في اتجاهات مقررة مسبقاً، كلما ارتفع منسوب قلقهم الوجودي.

في المنتدى العالمي الأخير في دافوس، طغت أسئلة الجغرافيا السياسية على ما عداها بالنسبة إلى بيئات العمل والتجارة والاستثمار وسلاسل التوريد وحيازة التكنولوجيا ومواجهة الأوبئة. ولئن تصدَّرت المسألة الأوكرانية عناوين التقديرات المرتبطة بكل القطاعات الحيوية، فإنّ مداخلات المؤثرين وصناع القرار في المنتدى تقاطعت أكثر من مرة في التلميح أو التصريح بأنّنا نشهد نهاية العولمة، وعلى وشك الدخول في حقبة جديدة يحكمها الانعزال والفردانية المموهة بلباس التحرر، والتي تعادي كل ما هو مختلف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى