مقالات

سيناريوهات الرد الإيراني على سياسة الاغتيالات الإسرائيلية

أيمن الرفاتي

في ضوء التحولات الكبيرة، التي تشهدها المنطقة لمصلحة مشروع المقاومة، يحاول الكيان الإسرائيلي جاهداً اقتناص الفرص لاغتيال بعض الشخصيات والقيادات في محور المقاومة أو لتنفيذ عملية تلفت بها الإدارة الأميركية إلى خطر البرنامج النووي الإيراني، وذلك ضمن صراع داخلي محموم بين رئيس حكومة الاحتلال الحالي نفتالي بينيت وسابقه بنيامين نتنياهو، إذ يسابق الأول الوقت لتحقيق أي إنجاز في أي ملف، وكيلا يظهر عجزه أمام سلفه، الذي لطالما كان يقدّم نفسه على أنه “سيد الأمن والإنجازات” المحقّقة للكيان.

تورّط الكيان في اغتيال العقيد في حرس الثورة الإيرانية حسن صياد خدايي، الأسبوع الماضي، عندما فتح شخصان على متن دراجة نارية النار عليه في أثناء قيادته سيارته، وكشفت مصادر أميركية أن الكيان أبلغ الإدارة الأميركية أنه خلف هذه العملية، وأنها جاءت تحذيراً لإيران بوقف عمليات مجموعة سرية تابعة لقوة القدس في حرس الثورة، تعرف بالوحدة 840، وهي الوحدة المكلفة، بحسب صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، اختطاف أجانب واغتيالهم في العالم، ومنهم مدنيون ومسؤولون صهاينة، وفقًا لمسؤولي الحكومة و”الجيش” والاستخبارات في الكيان، وقيل للإدارة الأميركية إن خدايي مسؤول عن محاولة اغتيال دبلوماسي صهيوني في نيودلهي عام 2012.

وأمام هذا المشهد يخطئ الكيان وحكومته، ويتجاوزان الخطوط الحمر تجاه الإيرانيين، من دون أن تعتبر للرد الذي نفّذ في آذار/مارس الماضي عندما ضربت الصواريخ الإيرانية القواعد التجسسية المتقدّمة في أربيل شمالي العراق.

المغامرة التي تقدم عليها حكومة العدو خطرة وتمثّل مغامرة غير محسوبة العواقب، فهي من وجهة النظر الصهيونية تؤكد للأميركيين استمرار الصراع مع إيران وأن إبرام اتفاقية مع الأخيرة يمثّل خطراً عليها، إلا أن ما يدركه العدو الصهيوني أن عملية الاغتيال هذه وضعت الإيرانيين أمام تحدي كسر يد الموساد، وهو ما يدفعهم بطبيعة الحال إلى التفكير في رد عميق وكبير يردع الكيان وأدواته في المنطقة لمنعهم من اللعب في الساحة الإيرانية، واستهداف العقول الإيرانية.

ردت إيران في المرة الماضية بعدما تجاوزت الصبر الإستراتيجي، الذي كانت تتحلّى به، وصنعت خطوطاً حمراً واضحة عقب اغتيال ضباط في حرس الثورة على الأراضي السورية. واليوم قد نكون أمام رد آخر يردع العدو الصهيوني عن اللعب على الساحة الإيرانية، وذلك ضمن سياسة جديدة تنتهجها طهران لصنع متغيّرات فارقة في المنطقة بدأتها بضربة أربيل، التي هدفت إلى” قصقصة” الأدوات الإستراتيجية، التي يحاول الكيان وضعها في المنطقة المحيطة بالجمهورية الإسلامية، وبات معلوماً أن أيّ مكان في المنطقة تنطلق منه “إسرائيل” لتنفيذ مهام ضد ايران سيكون هدفاً مشروعاً للصواريخ الإيرانية البالستية الدقيقة.

لا شك في أن المستوى الأمني والعسكري في الكيان بات يتوقّع الرد الإيراني في الفترة القريبة على تنقيذ عملية الاغتيال، ولهذا وضع سلاح الجو الصهيوني منظومات الدفاعات الجوية المضادة للصواريخ على أهبة الاستعداد القصوى.

وقالت وسائل إعلام عبرية إن قرار تأهب المنظومات الدفاعية اتُخذ بعد معلومات سرّبتها صحيفة “نيويورك تايمز” (The New York Times) الأميركية، أكّدت أن “تل أبيب” أبلغت الإدارة الأميركية تبنيها الاغتيال. وشملت الاستعدادات منظومة القبة الحديدية، وكل منظومة الدفاعات الجوية من نوع مقلاع داود وباتريوت وآرو حيتس، كذلك حذر مجلس الأمن القومي في الكيان مواطنيه من مغبّة السفر إلى تركيا خشية التعرض لعمليات وصفها بالانتقامية تنفذها إيران على خلفية اغتيال خدايي.

وشملت التحذيرات عدم السفر الى أغلب دول الجوار المحيطة بإيران، ولا سيما أذربيجان والإمارات والبحرين، فيما رفعت حال التأهب في ممثلياتها وسفاراتها، فضلاً عن المراكز والكُنس اليهودية.

من يقرأ حالة التأهب، التي دخل فيها الكيان بعدما انكشف تورّطه في عملية الاغتيال، يدرك أن حجم المخاطر التي تتوقعها منظومته الأمنية والعسكرية كبير جداً، خصوصاً أن الردّ السابق وقصف المركز الاستخباري بأربيل في آذار/مارس الماضي يعطيان دلالات واضحة على أن هناك سرعة وجرأة وقوة إيرانية في الرد على اعتداءات الكيان.

وإزاء هذا الأمر، قد تكون “إسرائيل” أمام عدد من سيناريوهات الردّ الإيراني على عملية الاغتيال، التي تعهّدت المستويات الإيرانية جميعاً بالرد عليها وهي كالتالي:

–   سيناريو الرد المباشر على الكيان: ويقوم على تنفيذ إيران ضربة صاروخية بالستية للمرة الأولى ضد الكيان انطلاقاً من الأراضي الإيرانية، وهذا الأمر ربما يكون مفجّراً للأوضاع في المنطقة، وقد يؤدي إلى إنهاء مفاوضات البرنامج النووي، وقد يفتح الباب لرد فعل من جانب الكيان غير محسوب العواقب يتمثّل في تنفيذ ضربة جوية تجاه الأراضي الإيرانية، وهذا السيناريو تخشاه الولايات المتحدة، التي وصف وزير خارجتها أنتوني بلينكن تهديدات إيرانية بالرد على الاغتيال بغير المقبولة وبالمهدّدة للأمن الإقليمي والعالمي.

–   سيناريو الرد بالطائرات المسيرة: وهذا السيناريو يقوم على تسيير إيران مجموعة من الطائرات المسيرة من خارج الأراضي الإيرانية تجاه أهداف حساسة في الكيان، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها “الرد بالطائرات المسيرة”، وهذا الإجراء يبعث برسالة قوية إلى الكيان مفادها “كما تضربون في الداخل سنضربكم في الداخل”، ويمكن أن تخرج الطائرات من مناطق عدة بما فيها العراق وسوريا واليمن لتضرب أهدافاً في عمق الكيان.

–   سيناريو الرد باغتيال: وهذا السيناريو قائم على اغتيال إيران شخصية صهيونية معتبرة في إحدى دول المنطقة، وهذا الخيار قد يتطلب مدى أوسع ووقتاً أطول، إلا أنه سيكون رادعاً للكيان وسيجعل المنظومة الأمنية والسياسة للكيان تعيد حساباتها لدى التفكير في الإقدام على مثل هذه العمليات، وفي هذا الإطار اضطرت المنظومة الأمنية للاحتلال إلى سحب عدد من خبرائها المختصين بالتجسس التقنيّ من تركيا، خشية انتقام حرس الثورة الإيرانية.

حتمية الرد الإيراني على عملية الاغتيال قد لا تكون مكان شك في ضوء التصريحات الرسمية والضغط الشعبي الكبير في إيران الداعي إلى ردع الكيان، إلا أن طبيعة الرد في الفترة المقبلة هي أكثر ما يقلق الكيان، الذي تعيش في حال تأهب واستنفار منذ قرابة شهر ونصف على المستوى الفلسطيني، واليوم على المستوى الإقليمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى